عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون﴾ الآية، قال: فرَض عليهم ألا يَفِرَّ رجل من عشرة، ولا قومٌ من عشرة أمثالهم، فجهَد الناسَ ذلك، وشقَّ عليهم، فنزلت الآية الأخرى: ﴿الآن خفف الله عنكم﴾ إلى قوله: ﴿ألفين﴾، ففرض عليهم ألا يَفِرَّ رجل من رجلين، ولا قومٌ من مِثْلَيْهم، ونَقَص مِن النصرِ بِقَدْرِ ما خَفَّف عنهم مِن العِدَّة
عن عبد الله بن عباس -من طريق عمرو بن قيس، عن رجل حدَّثه- قال: لَمّا نزلت هذه الآية: ﴿قل هو القادر﴾ قام النبي ﷺ فتَوَضَّأ، ثم قال: «اللَّهُمَّ، لا تُرسِل على أمتي عذابًا من فوقهم ولا من تحت أرجلهم، ولا تَلْبِسهم شِيعًا، ولا تُذِق بعضَهم بأسَ بعض». فأتاه جبريل، فقال: إنّ الله قد أجار أُمَّتَك أن يُرسِل عليهم عذابًا من فوقِهم، أو من تحت أرجلهم
قال يحيى بن سلّام، في قوله عز وجل: ﴿ولئن سألتهم﴾: يعني: المشركين: ﴿من نزل من السماء ماء﴾ يعني: المطر، ﴿فأحيا به الأرض من بعد موتها﴾ فأخرج به النبات من بعد أن كانت تلك الأرض ميتة، أي: يابسة ليس فيها نبات، ﴿ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون﴾ فيؤمنون، أي: أنّهم قد أقرُّوا بأن الله خالق هذه الأشياء، ثم عبدوا الأوثان من دونه
عن أبي هريرة، أن رجلًا قال: يا رسول الله، متى الساعة؟ قال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، ولكن سأُحَدِّثكم عن أشراطها؛ إذا ولدت الأمة ربتها فذاك من أشراطها، وإذا كانت الحفاة العراة رؤوس الناس فذاك من أشراطها، وإذا تطاول رعاء الغنم في البنيان فذاك من أشراطها، في خمس من الغيب لا يعلمهن إلا الله». ثم تلا: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ ويُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ إلى آخر الآية
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: إنّ اللهَ فضَّل محمدًا على أهلِ السماءِ وعلى الأنبياءِ. قيل: ما فضلُه على أهل السماء؟ قال: إنّ الله قال لأهل السماء: ﴿ومن يَقُلْ منهم إنّي إلهٌ من دُونه فذلك نجزيه جهنَّم﴾ [الأنبياء:٢٩]. وقال لمحمدٍ ﷺ: ﴿ليغفر لك اللهُ ماتقدَّم من ذنبك وما تأخَّر﴾ [الفتح:٢]. فكتب له براءةً من النار. قيل له: فما فضلُه على الأنبياء؟ قال: إنّ الله يقولُ: ﴿وما أرسلنا من رَّسولٍ إلّا بلسانِ قومهِ﴾. وقال لمحمدٍﷺ: ﴿وما أرسلناك إلّا كافَّةً للناسِ﴾ [سبأ:٢٨]. فأرسله إلى الإنس والجنِّ
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- ﴿قل أندعوا من دون الله﴾ قال: هذا مَثلٌ ضربه الله للآلهة وللدعاة الذين يَدْعُون إلى الله، كمثل رجل ضلَّ عن الطريق تائهًا ضالًّا، إذ ناداه منادٍ: فلان بن فلان، هلمَّ إلى الطريق. وله أصحاب يدعونه: يا فلان، يا فلان، هلمَّ إلى الطريق. فإن اتبع الداعي الأول انطلق به حتى يُلقيَه في هلكة، وإن أجاب مَن يَدعو إلى الهدى اهتدى إلى الطريق، وهذه الداعية التي تدعو في البرِّيَّة الغِيلان. يقول: مَثلُ مَن يعبد هذه الآلهة من دون الله فإنّه يرى أنّه في شيء، حتى يأتيه الموت، فيستقبل الهَلَكة والندامة. وقوله: ﴿كالذي استهوته الشياطين في الأرض﴾ يقول: أضلَّتْه، وهم الغِيلان، يَدعونه باسمه واسم أبيه وجدِّه، فيتَّبِعُها، ويَرى أنه في شيء، فيُصبِحُ وقد ألقَتْه في هلكة، وربما أكلَتْه، أو تُلْقِيه في مَضِلَّة من الأرض يهلِكُ فيها عطشًا، فهذا مَثَلُ مَن أجاب الآلهة التي تُعبَدُ من دون الله
عن محمد بن كعب القرظي -من طريق ابن إسحاق، عن يزيد بن زياد المدني-: أنزل الله -تبارك وتعالى- عليه- وكان به رحيمًا- يُعَزِّيه، ويُخفِّض عليه الأمر، ويخبره أنه لم يكن قبله رسول ولا نبي تمنى كما تمنى، ولا أحب كما أحب، إلا والشيطان قد ألقى في أمنيته كما ألقى على لسانه ﷺ، فنسخ الله ما ألقى الشيطان، وأحكم آياته، أي: فأنت كبعض الأنبياء والرسل. فأنزل الله: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته﴾ الآية. فأذهب الله عن نبيِّه الحزن، وأَمَّنه مِن الذي كان يخاف، ونسخ ما ألقى الشيطان على لسانه مِن ذكر آلهتهم أنها الغرانيق العلى، وأن شفاعتهن ترتضى. يقول الله حين ذكر اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، إلى قوله: ﴿وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى﴾ [النجم:٢٦]، أي: فكيف تنفع شفاعة آلهتكم عنده؟!
اختلف السلف فيمن عنى الله بقوله: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى﴾؛ فقال بعضهم: هو كل إنسان كتبه الله من السعداء المبعدين عن النار. وقال آخرون: بل عنى بذلك كل مَن عُبد من دون الله وهو لله مطيع، ولعبادة من عبده كاره، كعيسى وعزير وغيرهم. وقد رجّح ابنُ جرير (١٦/٤١٩) مستندًا إلى ظاهر القرآن والسياق القول الثاني، وعلَّل ذلك بقوله: «لأن قوله -تعالى ذِكْرُه-: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى﴾ ابتداء كلام محقق لأمر كان يُنكِرُه قوم، على نحو الذي ذكرنا في الخبر عن ابن عباس، فكأنّ المشركين قالوا لنبي الله ﷺ إذ قال لهم: ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم﴾ ما الأمر كما تقول؛ لأنّا نعبد الملائكة، ويعبد آخرون المسيح، وعزيرًا. فقال عز وجل رادًّا عليهم قولهم: بل ذلك كذلك، وليس الذين سبقت لهم منا الحسنى هم عنها مبعدون؛ لأنهم غير معنيين بقولنا: ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم﴾»
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العوفي- قال: لَمّا نزلت هذه الآية -يعني: قوله: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ [التوبة:١٠٣]- أخَذَ رسولُ الله ﷺ مِن أموالهم -يعني: مِن أموال أبي لُبابة، وصاحبيه-، فتصدَّق بها عنهم، وبقي الثلاثة الذين خالفوا أبا لبابة ولم يُوثَقوا، ولم يُذكروا بشيء، ولم ينزِل عذرُهم، وضاقت عليهم الأرضُ بما رَحُبَتْ، وهم الذين قال الله: ﴿وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم﴾. فجعل الناسُ يقولون: هلكوا إذ لم يُنزِل لهم عذرًا. وجعل آخرون يقولون: عسى الله أن يغفر لهم. فصاروا مُرْجَئين لأمر الله، حتى نزلت: ﴿لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة﴾ الذين خرجوا معه إلى الشام ﴿من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم﴾ [التوبة:١١٧]. ثم قال: ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾ يعني: المُرجَئين لأمر الله نزلت عليهم التوبة، فعُمُّوا بها، فقال: ﴿حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم﴾ إلى قوله: ﴿إن الله هو التواب الرحيم﴾ [التوبة:١١٨]
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- قوله: ﴿وإن يريدوا خيانتك﴾ الآية، قال: ذُكِرَ لنا: أنّ رجلًا كتب لنبي الله ﷺ، ثم عَمَدَ فنافق، فلحق بالمشركين بمكة، ثم قال: ما كان محمد يكتب إلا ما شئت، فلَمّا سمع ذلك رجلٌ من الأنصار نَذَر لئن أمكنه الله منه ليضربنه بالسيف. فلما كان يوم الفتح أمَّن رسول الله ﷺ الناس إلا عبد الله بن سعد بن أبي سرح، ومِقْيَسَ بْنَ صُبابَةَ، وابن خَطَلٍ، وامرأة كانت تدعو على النبي ﷺ كل صباح. فجاء عثمان بابن أبي سرح، وكان رضيعه أو أخاه من الرضاعة، فقال: يا رسول الله، هذا فلان أقبل تائبًا نادمًا. فأعرض نبي الله ﷺ، فلَمّا سَمِع به الأنصاري أقبل مُتَقَلِّدًا سيفه، فأطاف به، وجعل ينظر إلى رسول الله ﷺ رجاء أن يومئ إليه، ثم إن رسول الله ﷺ قَدَّم يدَه فبايعه، فقال: «أما واللهِ لقد تَلَوَّمْتُك فيه؛ لتوفي نذرك». فقال: يا نبيَّ الله، إنِّي هِبْتُك، فلولا أوْمَضْتَ إلَيَّ. فقال: «إنّه لا ينبغي لنبيٍّ أن يُومِض»