عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- ﴿لقد نصركم الله في مواطن كثيرة﴾ الآية: إنّ رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ يوم حُنَيْن قال: يا رسول الله، لن نُغْلَب اليوم مِن قِلَّةٍ. وأعْجَبَتْه كثرةُ الناس، وكانوا اثني عشر ألفًا. فسار رسول الله ﷺ، فوُكِلُوا إلى كلمة الرجل، فانهزموا عن رسول الله ﷺ، غير العباس، وأبي سفيان بن الحارث، وأيمن ابن أم أيمن، قُتِل يومئذ بين يديه. فنادى رسولُ الله ﷺ: «أين الأنصار؟ أين الذين بايعوا تحت الشجرة؟». فتراجع الناسُ، فأنزل اللهُ الملائكةَ بالنصر، فهزموا المشركين يومئذ، وذلك قوله: ﴿ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها﴾ الآية
عن مُطَرِّف [بن عبد الله بن الشِّخِّير] -من طريق ثابت- قال: إنِّي لَأسْتَلْقي من الليل على فراشي، وأتَدَبَّر القرآن، فأعرض أعمالي على أعمال أهل الجنة، فإذا أعمالهم شديدة؛ ﴿كانوا قليلًا من الليل ما يهجعون﴾ [الذاريات:١٧]، ﴿يبيتون لربهم سجدًا وقيامًا﴾ [الفرقان:٦٤]، ﴿أمن هو قانت ءاناء الليل ساجدًا وقائمًا﴾ [الزمر:٩]، فلا أُراني منهم. فأعرض نفسي على هذه الآية: ﴿ما سلككم في سقر* قالوا لم نَكُ من المصلين﴾ إلى قوله: ﴿نكذب بيوم الدين﴾ [المدثر:٤٢-٤٦] فأرى القوم مُكَذِّبين، فلا أُراني منهم. فأمُرُّ بهذه الآية: ﴿وءاخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملًا صالحًا وءاخر سيئًا﴾ فأرجو أن أكون أنا وأنتم -يا إخوتاه- منهم
عن أنس، قال: استشار النبي ﷺ الناس في الأُسارى يوم بدر، فقال: إنّ اللهَ قد أمْكَنَكم منهم. فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله، اضرب أعناقهم. فأَعْرَضَ عنه النبي ﷺ، ثم عاد رسول الله ﷺ، فقال: «يا أيُّها الناس، إنّ الله قد أمكَنَكم منهم، وإنما هم إخوانُكم بالأمس». فقام عمر، فقال: يا رسول الله، اضرب أعناقهم. فأعرض عنه النبي ﷺ، ثم عاد فقال للناس مثلَ ذلك، فقام أبو بكر الصديق، فقال: يا رسول الله، نرى أن تعفو عنهم، وأن تقبل منهم الفِداء. فعفا عنهم، وقَبِل منهم الفِداء، فأنزل الله: ﴿لولا كتاب من الله سبق﴾ الآية
عن أبي بكر الصديق، قال: كنت عند النبي ﷺ، فنزلت هذه الآية: ﴿من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا﴾. فقال رسول الله ﷺ: «يا أبا بكر، ألا أُقْرِئُك آيةً نزلت علي!». قلتُ: بلى، يا رسول الله. فأَقْرَأَنِيها، فلا أعلمُ إلا أني وجدت انقصامًا في ظهري حتى تَمَطَّأْتُ لها. فقال رسول الله ﷺ: «ما لَك، يا أبا بكر؟». قلت: بأبي وأمي يا رسول الله، وأيُّنا لم يعمل السوء؟! وإنّا لَمَجْزِيُّون بكل سوء عملناه؟ فقال رسول الله ﷺ: «أما أنت وأصحابُك يا أبا بكر المؤمنون فتُجْزَون بذلك في الدنيا، حتى تلقوا اللهَ ليس لكم ذنوب، وأما الآخرون فيجمع لهم ذلك حتى يجزون به يوم القيامة»
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء﴾ الآية، قال: غَضِب رسول الله ﷺ يومًا مِن الأيام، فقام خطيبًا، فقال: «سلوني، فإنكم لا تسألوني عن شيءٍ إلا أنبأتُكم به». فقام إليه رجلٌ مِن قريش مِن بني سَهمٍ يقالُ له: عبدُ الله بن حُذافة، وكان يُطعَنُ فيه، فقال: يا رسول الله، مَن أبي؟ قال: «أبوك فلان». فدعاه لأبيه، فقام إليه عمرُ، فقبَّل رِجلَه، وقال: يا رسول الله، رَضِينا باللهِ ربًّا، وبك نبيا، وبالقرآنِ إمامًا، فاعفُ عنا عفا اللهُ عنك. فلم يَزَل به حتى رَضِي، فيومَئذٍ قال: «الولدُ للفراشِ، وللعاهرِ الحَجَر». وأُنزِل عليه: ﴿قد سألها قوم من قبلكم﴾
عن عبد الله بن عباس -من طريق العَوّام بن حَوْشَب، عن شيخ من بني أسد-: أنّه قرأ سورة النور، ففسَّرها، فلمّا أتى على هذه الآية: ﴿إن الذين يرمون المحصنات الغافلات﴾ قال: هذه في عائشةَ وأزواجِ النبيِّ ﷺ، ولم يجعل لِمَن فعل ذلك توبةً، وجعل لِمَن رمى امرأةً مِن المؤمنات مِن غير أزواج النبي ﷺ التوبة. ثم قرأ: ﴿إن الذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء﴾ إلى قوله: ﴿إلا الذين تابوا﴾. فجعل لِمَن قذف امرأةً مِن المؤمنين التوبة، ولم يجعل لِمَن قذف امرأةً مِن أزواج النبي ﷺ توبة. ثم تلا هذه الآية: ﴿لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم﴾. فهَمَّ بعضُ القوم أن يقومَ إلى ابن عباس فيُقَبِّل رأسه؛ لِحُسْن ما فَسَّر
عن أنس، قال: قال عمر بن الخطاب: وافقتُ ربي في أربع؛ قلت: يا رسول الله، لو صَلَّينا خلف المقام؟ فأنزل الله: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ [البقرة:١٢٥]. وقلت: يا رسول الله، لو اتخذتَ على نسائك حجابًا؛ فإنّه يدخل عليك البرُّ والفاجر؟ فأنزل الله: ﴿واذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب﴾ [الأحزاب:٥٣]. وقلت لأزواج النبيِّ ﷺ: لَتَنتَهُنَّ أو لَيُبَدِّلَنَّه الله أزواجًا خيرًا مِنكُنَّ. فأنزلت: ﴿عسى ربه إن طلقكن﴾ [التحريم:٥] الآية. ونزلت: ﴿ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين﴾ الآيةَ إلى قوله: ﴿ثم أنشأناه خلقا آخر﴾. فقلت أنا: فتبارك الله أحسن الخالقين. فنزلت: ﴿فتبارك الله أحسن الخالقين﴾
عن أبي رَزِين -من طريق سفيان بن عاصم- قال: كان رجلان شريكين، خرج أحدهما إلى الساحل، وبقي الآخر، فلما بُعِث النبيُّ ﷺ كتب إلى صاحبه يسأله: ما فعل؟ فكتب إليه أنّه لم يتبعه أحدٌ مِن قريش إلا رذالة الناس ومساكينهم، فترك تجارته، ثم أتى صاحبه، فقال: دُلَّني عليه. وكان يقرأ الكتب، فأتى النبيَّ ﷺ، فقال: إلامَ تدعو؟ قال: «إلى كذا وكذا». قال: أشهد أنّك رسول الله. قال: «وما عِلمُك بذلك؟». قال: إنّه لم يُبعَث نبيٌّ إلا اتبعه رذالة الناس ومساكينهم. فنزلت هذه الآية: ﴿وما أرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها﴾ الآيات. فأرسل إليه النبيُّ ﷺ: «إنّ اللهَ قد أنزل تصديقَ ما قلتَ»
عن أبي موسى الأشعري -من طريق أبي بردة- قال: يُدْعى المؤمنُ للحساب يوم القيامة، فيَعرض عليه ربُّه عملَه فيما بينه وبينه، فيعترف، فيقول: أيْ ربِّ، عملتُ، عملتُ، عملتُ. فيغفر الله له ذنوبَه، ويستره منها، قال: فما على الأرض خليقة يَرى من تلك الذنوب شيئًا، وتبدو حسناته فودَّ أنّ الناس كلهم يرونها. ويُدعى الكافر والمنافق للحساب، فيعرض ربُّه عليه عمله، فيجحد، ويقول: أي ربِّ، وعِزَّتِك، لقد كتب عَلَيَّ هذا الملَكُ ما لم أعمل. فيقول له الملَكُ: أما عملتَ كذا، في يوم كذا، في مكان كذا؟ فيقول: لا، وعزتك، أي ربِّ، ما عملتُه. فإذا فعل ذلك خُتم على فيه، فإني أحسب أول ما ينطق مِنه لَفَخِذُه اليمنى. ثم تلا: ﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ﴾ الآية
قال محمد بن شهاب الزُّهريّ: وفي «حم الأحقاف» قوله تعالى: ﴿قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم﴾، نَسَختْها هذه الآية؛ قوله تعالى: ﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾... إلى قوله: ﴿ويهديك صراطا مستقيما﴾ [الفتح:١-٢]. فعلم سبحانه ما يفعل به مِن الكرامة، فقال رجل من الأنصار: قد حدّثك ربُّك ما يفعل بك مِن الكرامة، فهنيئًا لك، يا رسول الله، فما يفعل بنا نحن؟ فقال سبحانه: ﴿وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا﴾ [الأحزاب:٤٧]. وقال تعالى: ﴿ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ [الفتح:٥]. فبيّن تعالى في هذه الآية كيف يفعل به وبهم