سورة آل عمران — الآية ١٥٢

عن محمد ابن شهاب الزهري، ومحمد بن يحيى بن حبان، وعاصم بن عمر بن قتادة، والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، وغيرهم من علمائنا -من طريق محمد بن إسحاق، عن الزهري- في قصة ذكرها عن أحد، ذكرأنّ كلهم قد حدَّث ببعضها، وأنّ حديثهم اجتمع فيما ساق من الحديث، فكان فيما ذكر في ذلك: أنّ رسول الله - ﷺ - نزل الشِّعْبِ مِن أُحُدٍ في عدوة الوادي إلى الجبل، فجعل ظهره وعسكره إلى أحد، وقال: «لا يقاتلن حتى نأمره بالقتال». وقد سرَّحت قريش الظَّهْرَ والكُراعَ في زروع كانت بالصَّمْغَة من قناةٍ للمسلمين، فقال رجلٌ مِن الأنصار حين نهى رسول الله - ﷺ - عن القتال: أتُرْعى زُرُوعُ بَنِيَ قَيْلَةَ ولَمّا نُضارِبْ؟! وتعبَّأ رسولُ الله - ﷺ - للقتال، وهو في سبعمائة رجل، وتعبَّأَتْ قُرَيْشٌ وهم ثلاثة آلاف، ومعهم مائتا فرس قد جَنَّبُوها، فجعلوا على مَيْمَنَةِ الخيلِ خالدَ بن الوليد، وعلى ميسرتها عكرمة بن أبي جهل، وأمَّر رسولُ الله - ﷺ - على الرُّماةِ عبدَ الله بن جبير أخا بني عمرو بن عوف، وهو يومئذ مُعَلَّمٌ بثياب بِيض، والرُّماةُ خمسون رجلًا، وقال: «انضَحْ عنا الخيلَ بالنَّبْلِ؛ لا يأتونا مِن خلفنا، إن كانت لنا أو علينا فاثْبُتْ مكانَك، لا نُؤْتَيَنَّ مِن قِبَلِك». فلمّا التقى الناسُ، ودنا بعضُهم من بعض، واقتتلوا حتى حَمِيَتِ الحربُ، وقاتل أبو دجانة حتى أمْعَنَ في الناس، وحمزةُ بن عبد المطلب وعليُّ بن أبى طالب في رجال من المسلمين، فأنزل الله - عز وجل - نصرَه، وصدقهم وعده، فحسُّوهم بالسيوف، حتى كشفوهم، وكانت الهزيمةُ لا شكَّ فيها

سورة آل عمران — الآية ١٧٢

قال مقاتل بن سليمان: ﴿الذين استجابوا لله والرسول﴾ وذلك أن المشركين انصرفوا يوم أحد ولهم الظفر، فقال النبي ﷺ: «إني سائر في أثر القوم». وكان النبي ﷺ يوم أحد على بغلة شهباء، فدَبَّ المنافقون إلى المؤمنين، فقالوا: أتوكم في دياركم، فوطئوكم قتلًا، وكان لكم النصر يوم بدر، فكيف تطلبونهم وهم اليوم عليكم أجرأ، وأنت اليوم أرعب؟! فوقع في أنفس المؤمنين قول المنافقين، فاشتكوا ما بهم من الجِراحات، فأنزل الله عز وجل: ﴿إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله﴾ إلى آخر الآية، وأنزل الله تعالى: ﴿إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون﴾ [ النساء:١٠٤]، يعنى: تتوجعون من الجِراحات، إلى آخر الآية. فقال النبي ﷺ: «لأطلبنهم ولو بنفسي». فانتَدَب مع النبي ﷺ سبعون رجلًا من المهاجرين والأنصار، حتى بلغوا صفراء بدر الصغرى، فبلغ أبا سفيان أن النبي ﷺ يطلبه، فأمعن عائدًا إلى مكة مرعوبًا، ولقي أبو سفيان نُعَيْم بن مسعود الأشجعي وهو يريد المدينة، فقال: يا نُعَيْم، بَلَغَنا أن محمدًا في الأثر، فأخبِره أن أهل مكة قد جمعوا جمعًا كثيرًا من قبائل العرب لقتالكم، وأنهم لقوا أبا سفيان، فلاموه بِكَفِّه عنكم بعد الهزيمة، حتى هموا به فرَدُّوه، فإن رددت عَنّا محمدًا فلك عشر ذَوْد من الإبل إذا رجعت إلى مكة. فسار نُعَيْم فلقي النبي ﷺ في الصفراء، فقال: «ما وراءك يا نُعَيْم؟». فأخبره بقول أبي سفيان، ثم قال: أتاكم الناس. فقال النبي ﷺ: «حسبنا الله ونعم الوكيل، نِعْمَ الملتجأ ونِعْم الحِرْز». فأنزل الله سبحانه: ﴿الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح﴾

سورة التوبة — الآية ٧٩

قال مقاتل بن سليمان: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ﴾، وذلك أنّ النبيَّ ﷺ أمَر الناسَ بالصدقة وهو يريد غَزاة تبوك، وهي غَزاة العسرة، فجاء عبدُ الرحمن بن عوف الزُّهْرِيُّ بأربعة آلاف درهم، كلُّ دِرهم مِثقال، فقال النبيُّ ﷺ: «أكْثَرْتَ، يا عبد الرحمن بن عوف، هل تَرَكْتَ لأهلك شيئًا؟». قال: يا رسول الله، مالي ثمانيةُ آلاف، أمّا أربعة آلاف فأَقْرَضتُها ربي، وأما أربعةُ آلافٍ الأُخْرى فأَمْسَكْتُها لنفسي. فقال له النبيُّ ﷺ: «بارَكَ اللهُ لك فيما أعْطَيْتَ، وفيما أمْسَكْتَ». فبارك اللهُ في مال عبد الرحمن حتى إنّه يوم مات بلغ ثُمُنُ مالِه لامرأتيه ثمانين ومائة ألف، لِكُلِّ امرأة تسعون ألفًا، وجاء عاصِمُ بنُ عَدِيٍّ الأنصاريُّ مِن بني عمرو بن عوف بسبعين وسقًا مِن تمر، وهو حِمْلُ بعير، فنَثَرَه في الصدقة، واعتذر إلى النبيِّ ﷺ مِن قِلَّته، وجاء أبو عقيل بن قيس الأنصاري مِن بني عمرو بصاع فنثره في الصدقة، فقال: يا نبيَّ الله، بِتُّ ليلتي أعمل في النخل أجُرُّ بالجرير على صاعين، فصاعٌ أقرضته ربي، وصاعٌ تركته لأهلي، فأحببتُ أن يكون لي نَصِيبٌ في الصدقة. ونَفَرٌ مِن المنافقين جُلُوس، فمَن جاء بشيءٍ كثير قالوا: مُراءٍ. ومَن جاء بقليل قالوا: كان هذا أفقرَ إلى ماله. وقالوا لعبد الرحمن وعاصم: ما أنفقتم إلا رياءً وسمعة. وقالوا لأبي عقيل: لقد كان الله ورسولُه غَنِيَّيْنِ عن صاع أبي عقيل. فسَخِروا وضَحِكُوا منهم؛ فأنزل الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المطوعين من المؤمنين في الصدقات﴾

سورة يس — الآية ٣٨

عن أبى ذرٍّ الغفاري، قال: كنت آخذ بيد رسول الله ﷺ، ونحن نتماشى جميعًا نحو المغرب، وقد طَفَلَت الشمس، فما زلنا ننظر إليها حتى غابت، قال: قلت: يا رسول الله، أين تغرب؟ قال: «تغرب في السماء ثم ترفع مِن سماء إلى سماء، حتى ترفع إلى السماء السابعة العليا، حتى تكون تحت العرش، فتخر ساجدة، فتسجد معها الملائكة الموكلون بها، ثم تقول: يا رب، مِن أين تأمرني أن أطلع؛ أمِن مغربي أم مِن مطلعي؟». قال: فذلك قوله عز وجل: ﴿والشمس تجرى لمستقر لها﴾ حيث تحبس تحت العرش ﴿ذلك تقدير العزيز العليم﴾. قال: يعني: ذلك صنع الرب العزيز في ملكه العليم بخلقه. قال: فيأتيها جبرائيل عليه السلام بحلة ضوء مِن نور العرش، على مقادير ساعات النهار في طوله في الصيف أو قصره في الشتاء أو ما بين ذلك في الخريف والربيع. قال: فتلبس تلك الحُلَّة كما يلبس أحدكم ثيابه، ثم ينطلق بها في جو السماء حتى تطلع من مطالعها. قال النبي ﷺ: «فكأنها قد حُبست مقدار ثلاث ليال، ثم لا تُكسى ضوءًا، وتُؤمر أن تطلع من مغربها». فذلك قوله عز وجل: ﴿إذ الشمس كورت﴾ [التكوير:١]. قال: والقمر كذلك في مطلعه ومجراه في أفق السماء ومغربه وارتفاعه إلى السماء السابعة العليا، ومحبسه تحت العرش وسجوده واستئذانه، ولكن جبرائيل عليه السلام يأتيه بالحلة من نور الكرسي. قال: فذلك قوله عز وجل: ﴿جعل الشمس ضياء والقمر نورا﴾ [يونس:٥]. قال أبو ذر: ثم عدلت مع رسول الله ﷺ، فصلَّيْنا المغرب

اختُلف في قوله: ﴿مختوم ختامه مسك﴾ على أقوال: الأول: مزاجه وخِلْطه مسك. الثاني: أنّ آخر شرابهم يُختم بمسك يُجعل فيه. الثالث: طِينه مسك. وعلّق ابنُ عطية (٨‏/‏٥٦٣-٥٦٤) على القول الثالث، فقال: «قال مجاهد: معناه: طِينه الذي يُختم به مسك بدل الطين الذي في الدنيا، وهذا إنما يكون في الكؤوس؛ لأنّ خمر الآخرة ليست في دنان، إنما هي في أنهار». وقد رجّح ابنُ جرير (٢٤‏/‏٢١٩) -مستندًا إلى اللغة، ودلالة العقل- القول الثاني، وعلّل ذلك بقوله: «وإنما قلنا: ذلك أولى الأقوال في ذلك بالصحة لأنه لا وجه للختم في كلام العرب إلا الطبع والفراغ، كقولهم: ختم فلان القرآن: إذا أتى على آخره. فإذا كان لا وجه للطبع على شراب أهل الجنة يفهم إذا كان شرابهم جاريًا جري الماء في الأنهار، ولم يكن مُعتّقًا في الدنان فيُطَيّن عليها وتُختم؛ تعيّن أنّ الصحيح من ذلك الوجه الآخر، وهو العاقبة والمشروب آخرًا، وهو الذي خُتم به الشراب». وانتقد -مستندًا إلى اللغة- القول الأول، فقال: «وأما الختم بمعنى: المزج، فلا نعلمه مسموعًا من كلام العرب». وقال ابنُ عطية (٨‏/‏٥٦٣): «و﴿مَخْتُومٍ﴾ يحتمل أن يُختم على كؤوسه التي يُشرب بها تهممًا وتنظُّفًا، والأظهر أنه مختوم شُرْبه بالرائحة المسكية حسبما فسَّره قوله تعالى: ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾». وزاد ابنُ عطية قولًا آخر، فقال: «وقال أبو علي: المراد: لذاذة المقطع وذكاء الرائحة مع طيب المطعم، وكذلك هو قوله تعالى: ﴿كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ [الإنسان:٥]، وقوله تعالى: ﴿زَنْجَبِيلًا﴾ [الإنسان:١٧] أي: تجد في اللسان»

سورة الأحزاب — الآية ٥

عن عبد الله بن عباس، قال: كان مِن أمر زيد بن حارثة أنّه كان في أخواله بني معن من بني ثُعل من طيئ، فأصيب في غِلمة مِن طيئ، فقُدِم به سوق عكاظ، وانطلق حكيم بن حزام بن خويلد إلى عكاظ يتسوَّق بها، فأوصته عمتُه خديجة أن يبتاع لها غلامًا ظريفًا عربيًّا إن قدر عليه، فلما جاء وجد زيدًا يُباع فيها، فأعجبه ظرفه، فابتاعه، فقدم به عليها، وقال لها: إنِّي قد ابتعت لك غلامًا ظريفًا عربيًّا، فإن أعجبك فخذيه وإلا فدعيه، فإنه قد أعجبني. فلما رأته خديجة أعجبها، فأخذته، فتزوجها رسول الله ﷺ وهو عندها، فأعجب النبي ﷺ ظرفه، فاستوهبه منها، فقالت: أهبه لك، فإن أردت عتقه فالولاء لي. فأبى عليها، فوهبته له؛ إن شاء أعتق وإن شاء أمسك، قال: فشَبَّ عند نبي الله ﷺ. ثم إنه خرج في إبل أبي طالب إلى الشام، فمَرَّ بأرض قومه، فعرفه عمُّه، فقام إليه، فقال: مَن أنت، يا غلام؟ قال: غلام من أهل مكة. قال: مِن أنفسهم. قال: لا. [قال]: فحُرٌّ أنت أم مملوك؟ قال: بل مملوك. قال: لِمَن؟ قال: لمحمد بن عبد الله بن عبد المطلب. فقال له: أعربيٌّ أنت أم عجمي؟ قال: بل عربي. قال: ممن أصلك؟ قال: من كلب. قال: من أي كلب؟ قال: من بني عبد ود. قال: ويحك، ابن من أنت؟ قال: ابن حارثة بن شَراحيل. قال: وأين أُصِبت؟ قال: في أخوالي. قال: ومَن أخوالك؟ قال: طيِّئ. قال: ما اسم أمك؟ قال: سُعدى. فالتزمه، وقال: ابن حارثة! ودعا أباه، وقال: يا حارثة، هذا ابنك. فأتاه حارثة، فلمّا نظر إليه عرفه، قال: كيف صنع مولاك إليك؟ قال: يُؤثِرُني على أهله وولده، ورُزِقتُ منه حُبًّا، فلا أصنع إلا ما شئتُ. فركب معه أبوه وعمه وأخوه حتى قدموا مكة، فلقوا رسول الله ﷺ، فقال له حارثة: يا محمد، أنتم أهل حرم الله وجيرانه وعند بيته، تَفُكُّون العاني، وتُطْعِمون الأسير، ابني عبدك، فامْنُن علينا، وأحسن إلينا في فدائه؛ فإنك ابن سيد قومه، فإنّا سنرفع لك في الفداء ما أحببتَ. فقال له رسول الله ﷺ: «أُعطيكم خيرًا مِن ذلك». قالوا: وما هو؟ قال: «أُخَيِّره، فإن اختاركم فخذوه بغير فداء، وإن اختارني فكفوا عنه». فقالوا: جزاك الله خيرًا، فقد أحسنت. فدعاه رسول الله ﷺ، فقال: «يا زيدُ، أتعرف هؤلاء؟» قال: نعم، هذا أبي وعمي وأخي. فقال رسول الله ﷺ: «فأنا مَن قد عرفتَه، فإن اخترتهم فاذهب معهم، وإن اخترتني فأنا مَن تعلم». فقال زيد: ما أنا بمختار عليك أحدًا أبدًا، أنت مِنِّي بمكان الوالد والعم. قال له أبوه وعمه: يا زيد، أتختار العبودية على الربوبية؟ قال: ما أنا بِمُفارِق هذا الرجل. فلما رأى رسول الله ﷺ حِرصَه عليه قال: «اشهدوا أنه حُرٌّ، وإنّه ابني يرثني وأرثه». فطابت نفسُ أبيه وعمه لِما رأوا مِن كرامته عليه، فلم يزل في الجاهلية يُدعى: زيد بن محمد، حتى نزل القرآن: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ﴾، فدُعِي: زيد بن حارثة

سورة البقرة — الآية ٢١٧

عن إسماعيل السُّدِّيِّ -من طريق أسْباط-: أنّ رسول الله ﷺ بعث سَرِيَّة، وكانوا سبعة نفر، عليهم عبد الله بن جحش الأسدي، وفيهم عمار بن ياسر، وأبو حذيفة ابن عتبة بن ربيعة، وسعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غَزْوان السُّلَمِيّ حليفٌ لبني نَوْفَل، وسهيل بن بيضاء، وعامر بن فُهَيْرَة، وواقد بن عبد الله اليَرْبُوعِيّ حليفٌ لعمر بن الخطاب، وكتب مع ابن جحش كتابًا، أمره ألّا يقرأه حتى ينزل مَلَل، فلما نزل ببَطْنِ مَلَل فتح الكتاب، فإذا فيه أن: «سِر حتى تنزل بَطْنَ نَخْلَة». قال لأصحابه: مَن كان يريد الموت فليمضِ ولْيُوصِ، فإني مُوصٍ وماضٍ لأمر رسول الله ﷺ. فسار، وتخلَّف عنه سعد بن أبي وقاص، وعُتْبَةُ بن غُزْوان، أضَلّا راحلةً لهما، وسار ابن جحش إلى بطن نخلة، فإذا هم بالحكم بن كَيْسان، وعبد الله بن المغيرة، والمغيرة بن عثمان، وعمرو بن الحضرمي، فاقتتلوا، فأسروا الحكم بن كيسان، وعبد الله بن المغيرة، وانقلب المغيرة، وقُتِل عمرو الحضرمي، قَتَله واقدُ بن عبد الله، فكانت أولَ غنيمة غنمها أصحاب محمد ﷺ، فلمّا رجعوا إلى المدينة بالأسيرين وما غَنِموا من الأموال قال المشركون: محمد يَزْعُمُ أنه يتَّبِعُ طاعةَ الله، وهو أوَّلُ مَنِ اسْتَحَلَّ الشهرَ الحرامَ، وقتل صاحبنا في رجب! فقال المسلمون: إنّما قتلناه في جُمادى. فأنزل الله: ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير﴾

سورة الأنفال — الآية ١

قال ابن أبي حاتم: أخبرني علي بن عبد العزيز، فيما كتب إليَّ قال: قال أبو عُبَيْد [القاسم بن سلّام] في الأنفال: إنها المغانم، وفي كل نَيْل ناله المسلمون؛ لقول الله - عز وجل -: ﴿يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول﴾، فقسمها يوم بدر على ما أراه الله من غير أن يُخَمِّسها، على ما ذكرناه في حديث سعد، ثم نزلت بعد ذاك آية الخُمُسِ فنَسَخَتِ الأولى، وفي ذلك آثار. والأنفال أصلها: جِماعُ الغنائم، إلا أن الخمس منها مخصوص لأهله على ما نزل به الكتاب وجرت به السنة. ومعنى الأنفال في كلام العرب: كل إحسان فعله فاعل تَفَضُّلًا من غير أن يجب ذلكعليه، فكذلك النفل الذي أحله الله للمؤمنين من أموال عدوهم، إنما هو شيء خصهم الله به تَطَوُّلًا منه عليهم، بعد أن كانت الغنائم محرمة على الأمم قبلهم، فنَفَّلها الله هذه الأمة، فهذا أصل النفل، وبه سمي ما جعل الإمام للمقاتلة نفلًا، وهو تفضيله بعض الجيش على بعض بشيء سوى سهامهم، يفعل ذلك على قدر الغَناءُ عن الإسلام، والنكاية في العدو. وفي النفل الذي ينفله الإمام سُنَنٌ أربع، لكل واحدة منهن موضع غير موضع الأخرى. فإحداهن: في النفل لا خمس فيه، وذلك السَّلَب. والثانية: النفل الذي يكون من الغنيمة بعد إخراج الخمس، وهو أن يوجه الإمام السرايا في أرض الحرب فتأتي بالغنائم، فيكون للسرية مما جاءت به الربع والثلث بعد الخمس. والثالثة: في النفل من الخمس نفسه، وهو أن تُحازَ الغنيمةُ كلُّها، ثم تُخَمَّسَ، فإذا صار الخُمُس في يدي الإمام نَفَّل منه على قدر ما يرى. والرابعة: في النفل في جملة الغنيمة قبل أن يُخَمَّسَ منها شيء، وهو أن تُعطى الأدِلّاءُ ورِعاءُ الماشِيَةِ والسُّوّاقُ لها، وفي كل ذلك اختلاف

سورة المائدة — الآية ٢٧

عن عبد الله بن مسعود، وناس من أصحاب النبي - ﷺ - -من طريق السدي، عن مرة الهمداني-، وعبد الله بن عباس -من طريق السدي، عن أبي مالك وأبي صالح- أنّه كان لا يولد لآدم مولود إلا وُلد معه جارية، فكان يُزَوِّج غلامَ هذا البطن جاريةَ هذا البطن الآخر، ويزوج جارية هذا البطن غلام هذا البطن الآخر، حتى وُلِد له ابنان يُقال لهما: قابيل وهابيل. وكان قابيلُ صاحبَ زرع، وكان هابيلُ صاحبَ ضَرْع، وكان قابيلُ أكبرَهما، وكانت له أخت أحسن من أخت هابيل، وإنّ هابيل طلب أن ينكح أختَ قابيل، فأبى عليه، وقال: هي أختي، وُلِدت معي، وهي أحسنُ من أختك، وأنا أحقُّ أن أتَزَوَّج بها. فأمره أبوه أن يزوجها هابيل، فأبى، وإنهما قَرَّبا قربانًا إلى الله أيهما أحق بالجارية، وكان آدم قد غاب عنهما إلى مكة ينظر إليها، فقال آدم للسماء: احفظي ولدي بالأمانة. فأبَتْ، وقال للأرض فأبت، وقال للجبال فأبت، فقال لقابيل، فقال: نعم، تذهب وترجع وتجد أهلَك كما يَسُرُّك. فلمّا انطلق آدم قَرَّبا قربانًا، وكان قابيل يفخر عليه، فقال: أنا أحقُّ بها منك، هي أختي، وأنا أكبر منك، وأنا وصِيُّ والدي. فلما قرَّبا قرَّب هابيلُ جذعة سمينة، وقرب قابيلُ حزمة سنبل، فوجد فيها سنبلةً عظيمة، ففركها، فأكلها، فنزلت النارُ، فأكلت قربان هابيل، وتركت قربان قابيل، فغضِب، وقال: لأقتلنك حتى لا تنكح أختي. فقال هابيل: ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾، ﴿إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك﴾. يقول: إثم قتلي إلى إثمك الذي في عنقك. (٥/ ٢٥٧)

سورة النور — الآية ٦

عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق أيوب- قال: لَمّا نزلت ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾ قال سعد بن عبادة: الله! إن أنا رأيت لَكاع مُتَفَخِّذها رجلٌ، فقلتُ بما رأيت، إنّ في ظهري لثمانين إلى ما أجمع أربعة، قد ذهب؟ فقال رسول الله ﷺ: «يا معشر الأنصار، ألا تسمعون إلى ما يقول سيِّدُكم؟». قالوا: يا رسول الله، لا تَلُمْهُ. وذكروا مِن غيرته: فما تَزَوَّج امرأةً قطُّ إلا بِكرًا، ولا طلَّق امرأةً قطُّ فرجع فيها أحدٌ مِنّا. فقال رسول الله ﷺ: «فإنّ الله يأبى إلا ذاك». فقال: صدق اللهُ ورسوله. قال: فلم يلبثوا أن جاء ابنُ عمٍّ له، فرمى امرأتَه، فشقَّ ذلك على المسلمين، فقال: لا، واللهِ، لا يجعل في ظهري ثمانين أبدًا، لقد نظرت حتى أيقنتُ، ولقد استسْمعَتُ حتى استشْفَيتُ. قال: فأنزل اللهُ القرآنَ باللِّعان، فقيل له: احلِف. فحلف، قال: «قِفوه عند الخامسة؛ فإنّها مُوجِبة». فقال: لا يُدْخِلُه اللهُ النارَ بهذا أبدًا، كما درأ عنه جَلْدَ ثمانين؛ لقد نظرتُ حتى أيقنت، ولقد استسمعت حتى استشفيتُ. فحلف، ثم قيل لها: احلفي. فحلفت، ثم قال: «قفوها عند الخامسة؛ فإنها موجبة». فقيل لها: إنها مُوجِبة. فتَلَكَّأت ساعة، ثم قالت: لا أُخْزِي قومي. فحلفت، فقال رسول الله ﷺ: «إن جاءت به كذا وكذا فهو لزوجها، وإن جاءت به كذا وكذا فهو للَّذي قيل فيه ما قيل». قال: فجاءت به غلامًا كأنّه جملٌ أوْرَق، فكان بعدُ أميرًا بمصر، لا يُعْرَف نسبُه، أو لا يُدْرى مَن أبوه