عن خبّاب بن الأرت -من طريق أبي الكَنُود- قال: جاء الأقرعُ بن حابس التميمي، وعُيَينةُ بن حِصن الفَزاري، فوجَدا النبي ﷺ قاعِدًا مع بلالٍ، وصُهيب، وعمار، وخبّاب في أناسٍ مِن ضُعفاء المؤمنين، فلما رأوهم حوله حَقَروهم، فأتَوه، فخلَوا به، فقالوا: إنّا نُحِبُّ أن تجعلَ لنا منك مَجْلِسًا تَعرِف لنا العربُ به فضلَنا، فإنّ وفودَ العرب تأتيك، فنستحي أن ترانا العربُ قعودًا مع هؤلاء الأعبُد، فإذا نحنُ جئناك فأقِمهم عنّا، فإذا نحنُ فرَغنا فاقعُد معهم إن شِئتَ. قال: «نعم». قالوا: فاكتُب لنا عليك بذلك كتابًا. فدعا بالصحيفة، ودعا عليًّا لِيَكتُب، ونحنُ قُعودٌ في ناحية؛ إذ نزل جبريل بهذه الآية: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي﴾ إلى قوله: ﴿فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة﴾. فألقى رسول الله ﷺ الصحيفةَ مِن يده، ثم دعانا، فأتيناه وهو يقول: ﴿سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة﴾. فكُنّا نَقعدُ معه، فإذا أراد أن يقوم قام وترَكنا؛ فأنزل الله: ﴿واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه﴾ الآية [الكهف:٢٨]. قال: فكان رسول الله ﷺ يَقعدُ معنا بعدُ، فإذا بلَغ الساعةَ التي يقومُ فيها قُمنا وتركناه حتى يقوم
عن خَوْلَة بنت ثَعْلَبة -من طريق يوسف بن عبد الله بن سلام- قالت: فِيَّ -واللهِ- وفي أوْس بن الصّامت أنزل اللهُ صدر سورة المجادلة. قالت: كنتُ عنده، وكان شيخًا كبيرًا قد ساء خُلقُه، فدخل عليّ يومًا، فراجعتُه بشيء، فغضب، فقال: أنتِ عليّ كظَهْر أُمّي. ثم رجع، فجلس في نادي قومه ساعة، ثم دخل عليَّ، فإذا هو يُريدني عن نفسي، فقلتُ: كلّا، والذي نفس خُوَيلَة بيده، لا تصل إلَيّ وقد قلتَ ما قلتَ، حتى يحكم اللهُ ورسولُه فينا. ثم جئتُ إلى رسول الله ﷺ، فذكرتُ له ذلك، فما بَرِحتُ حتى نزل القرآن، فتغشّى رسولُ الله ﷺ ما كان يتغشّاه، ثم سُرِّي عنه، فقال لي: «يا خَوْلَةُ، قد أنزل الله فيكِ وفي صاحبكِ». ثم قرأ عَلَيَّ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها﴾ إلى قوله: ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾. فقال لي رسولُ الله ﷺ: «مُريه، فَليُعْتِق رقبة». قلتُ: يا رسول الله، ما عنده ما يُعْتِق. قال: «فليَصُم شهرين متتابعين». قلتُ: واللهِ، إنه لَشيخ كبير، ما به مِن صيام. قال: «فَليُطْعِم ستين مسكينًا وسْقًا من تمر». قلتُ: واللهِ، ما ذاك عنده. قال رسول الله ﷺ: «فإنّا سَنُعِينه بعَرَقٍ من تمر». فقلتُ: وأنا -يا رسول الله- سأُعِينه بعَرَقٍ آخر. قال: «فقد أصبتِ وأحسنتِ، فاذهبي، فتَصدَّقي به عنه، ثم استوصي بابن عمّكِ خيرًا». قالتْ: ففعلتُ
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها المُدَّثِّر﴾، يعني: النبي ﷺ، وذلك أنّ كفار مكة آذَوه، فانطَلق إلى جبل حِراء ليتوارى عنهم، فبينما هو يمشي إذ سمع مناديًا يقول: يا محمد. فنظر يمينًا وشمالًا وإلى السماء، فلم يرَ شيئًا، فمَضى على وجهه، فنُودي الثانية: يا محمد. فنظر يمينًا وشمالًا ومن خلفه، فلم يرَ شيئًا إلا السماء، ففَزع، وقال: لعلّ هذا شيطان يدعوني. فمَضى على وجهه، فنودي في قفاه: يا محمد، يا محمد. فنظر خلفه وعن يمينه وعن شماله، ثم نظر إلى السماء، فرأى مثل السرير بين السماء والأرض، وعليه دَرْبوكة قد غَطَّت الأُفُق، وعليه جبريل عليه السلام مثل النور المتوقِّد يتلألأ، حتى كاد أن يَغشى البصر، ففَزع فزعًا شديدًا، ثم وقَع مغشيًّا عليه، ولبث ساعة، ثم أفاق، فقام يمشي -وبه رِعْدة شديدة، ورِجلاه تَصطكّان- راجعًا حتى دخل على خديجة، فدعا بماء، فصَبّه عليه، فقال: دثِّروني. فدَثَّروه بقَطيفة حتى استدفأ، فلمّا أفاق قال: لقد أشفقتُ على نفسي. قالت له خديجة: أبشِر، فواللهِ، لا يسوءُك الله أبدًا؛ لأنك تَصدق الحديث، وتَصِل الرَّحِم، وتَحمل الكَلّ، وتَقري الضيف، وتُعين على نوائب الخير. فأتاه جبريل عليه السلام وهو مُتَقنِّع بالقَطيفة، فقال: يا أيها المُتَدَثِّر بقَطيفته، المُتَقَنِّع فيها
عن زيد بن ثابت: أنّ رسول الله ﷺ علّمه دعاء، وأَمَره أن يَتعاهده، ويَتعاهد به أهله كلّ يوم، قال: «قُلْ حين تُصبح: لبّيك اللهم لبّيك، لبّيك وسَعْدَيْك، والخير في يديك، ومنك وبك وإليك، اللهم، ما قلتُ من قول أو حَلفتُ من حَلِف أو نَذرتُ من نَذْر فمشيئتك بين يدي ذلك، ما شئتَ كان وما لم تشأ لم يكن، لا حَوْل ولا قوة إلا بك، إنك على كل شيء قدير، اللهم، ما صلَّيتُ من صلاة فعلى مَن صَلَّيتَ، وما لعنتُ من لعْنٍ فعلى مَن لَعنتَ، أنت وليّي في الدنيا والآخرة، تَوفّني مُسلمًا وأَلْحقني بالصالحين، أسألك -اللهم- الرضا بعد القضاء، وبَرْد العَيْش بعد الموت، ولذّة النّظر إلى وجهك، وشَوقًا إلى لقائك، من غير ضراءَ مُضِرّة، ولا فتنةٍ مُضِلّة، أعوذ بك أنْ أظلِم أو أُظلَم، أو أعتدي أو يُعتدى عليَّ، أو أكسِب خطيئة أو ذنبًا لا تَغفره، اللهم، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، ذا الجلال والإكرام، فإني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا، وأُشهدك -وكفى بك شهيدًا- أني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، لك المُلك ولك الحمد، وأنت على كل شيء قدير، وأشهد أنّ محمدًا عبدك ورسولك، وأشهد أنّ وعدك حقٌّ، ولقاءك حقٌّ، والساعة آتية لا ريب فيها، وأنتَ تَبعث مَن في القبور، وأشهد أنك إن تَكِلني إلى نفسي تَكِلني إلى وهنٍ وعوْرة وذنبٍ وخطيئة، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاغفر لي ذنبي كلّه، إنه لا يَغفر الذّنوب إلا أنت، وتُب عليّ إنك أنت التواب الرحيم»
عن وهْب بن مُنَبِّه -من طريق مهاجر- قال: مَرَّ عيسى عليه السلام بقريةٍ قد مات أهلها؛ إنسُها وجِنّها وهوامها وأنعامها وطيورها، فقام ينظر إليها ساعة، ثم أقبل على أصحابه، فقال: مات هؤلاء بعذاب الله، ولو ماتوا بغير ذلك ماتوا مُتفرِّقين. ثم ناداهم: يا أهل القرية، فأجابه مجيب: لبَّيك، يا روح الله. قال: ما كان جنايتكم؟ قالوا: عبادة الطاغوت، وحُبّ الدنيا. قال: وما كانت عبادتكم الطاغوت؟ قال: الطاعة لأهل معاصي الله. قال: فما كان حُبّكم الدنيا؟ قال: كحُبّ الصبي لأُمّه، كُنّا إذا أقبلتْ فَرِحنا، وإذا أدبرتْ حزِنّا، مع أمل بعيد، وإدبار عن طاعة الله، وإقبال في سخط الله. قال: وكيف كان شأنكم؟ قال: بِتْنا ليلة في عافية، وأصبحنا في الهاوية. فقال عيسى: وما الهاوية؟ قال: سِجِّين. قال: وما سِجِّين؟ قال: جمرة مِن نار، مثل أطباق الدنيا كلّها، دُفنتْ أرواحنا فيها. قال: فما بال أصحابك لا يتكلّمون؟ قال: لا يستطيعون أن يتكلّموا؛ مُلجمون بلجام من نار. قال: فكيف كلّمتني أنتَ من بينهم؟ قال: إني كنتُ فيهم، ولم أكن على حالهم، فلما جاء البلاء عمّني معهم، فأنا مُعلّق بشعرة في الهاوية، لا أدري أُكردس في النار أم أنجو! فقال عيسى: بحقّ أقول لكم: لأكل خُبز الشعير، وشُرْب ماء القَراح، والنوم على المزابل مع الكلاب، كثير مع عافية الدنيا والآخرة
على هذا القول فتوبة المحارب قبل القدرة عليه تضع عنه تبعات الدنيا التي لزمته في أيام حربه وحرابته، إلا ما كان قائمًا في يده من أموال المسلمين والمعاهدين بعينه. ورجَّح ابنُ جرير (٨/٤٠١) هذا القول الذي قاله مالك، والزهري، والقرظي، وسعيد بن جبير، وعطاء من طريق بن معقل مستندًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «لإجماع الجميع على أن ذلك حكم الجماعة الممتنعة المحاربة لله ولرسوله الساعية في الأرض فسادًا على وجه الردة عن الإسلام، فكذلك حكم كل ممتنع سعى في الأرض فسادًا، جماعة كانوا أو واحدًا، فأما المستخفي بسرقته، والمتلصص على وجه إغفال من سرقه، والشاهر السلاح في خلاء على بعض السابلة، وهو عند الطلب غير قادر على الامتناع؛ فإنّ حكم الله عليه -تاب أو لم يتب- ماضٍ، وبحقوق من أخذ ماله أو أصاب وليه بدم أو خَتَل مأخوذ، وتوبته فيما بينه وبين الله، قياسًا على إجماع الجميع على أنه لو أصاب شيئًا من ذلك وهو للمسلمين سِلْم ثم صار لهم حربًا أنّ حربه إياهم لن يضع عنه حقًّا لله -عزَّ ذكره- ولا لآدمي، فكذلك حكمه إذا أصاب ذلك في خلاء أو باستخفاء وهو غير ممتنع من السلطان بنفسه إن أراده، ولا له فئة يلجأ إليها مانعة منه». وكذا رجَّحه ابنُ عطية (٣/١٥٨-١٥٩). وكذا رجَّحه ابنُ كثير (٥/١٩٨) مستندًا إلى ظاهر الآية، وعمل الصحابة، فقال: «وظاهر الآية يقتضي سقوط الجميع، وعليه عمل الصحابة»
عن عبد الله بن عباس -من طريق يوسف بن مهران- قال: قال الحواريُّون لعيسى ابن مريم: لو بعثت لنا رجلًا شَهِد السَّفِينَةَ، فحدَّثَنا عنها. فانطلق بهم حتى انتهى إلى كَثِيبٍ مِن تُراب، فأخذ كفًّا مِن ذلك التراب، قال: أتدرون ما هذا؟ قالوا: اللهُ ورسوله أعلم. قال: هذا كَعبُ حامِ بن نوح. فضرب الكَثِيب بعصاه، قال: قُم بإذن الله. فإذا هو قائم يَنفُضُ التُّراب عن رأسه قد شاب، قال له عيسى عليه السلام: هكذا هلكتَ؟ قال: لا، مِتُّ وأنا شابٌّ، ولكنِّي ظننتُ أنّها الساعة؛ فمِن ثَمَّ شِبْتُ. قال: حدِّثنا عن سفينة نوح. قال: كان طولها ألفَ ذراع ومائتي ذراع، وعرضُها ستمائة ذراع، كانت ثلاث طبقات؛ فطبقة فيها الدوابُّ والوحش، وطبقة فيها الإنس، وطبقة فيها الطير، فلمّا كثر أرواث الدواب أوحى الله إلى نوح: أنِ اغمز ذنب الفيل. فغمز فوقع منه خنزير وخنزيرة، فأقبلا على الرَّوْث، فلما وقَع الفأر بخرز السفينة يقرضه أوحى الله إلى نوح: أنِ أضرب بين عيني الأسد. فخرج مِن منخره سِنَّورٌ وسِنَّورةٌ، فأقبلا على الفأر. فقال له عيسى عليه السلام: كيف علم نوحٌ أنّ البلاد قد غرِقت؟ قال: بعث الغراب يأتيه بالخبر، فوجد جِيفَة، فوقع عليها، فدعا عليه بالخوف، فلذلك لا يألف البيوت، ثم بعث الحمامة، فجاءت بورق زيتون بمنقارِها، وطينٍ برجليها، فعلم أنّ البلاد قد غرقت، فطوَّقها الخضرة التي في عنقها، ودعا لها أن تكون في أُنس وأمان، فمِن ثَمَّ تألف البيوت. فقالوا: يا روح الله، ألا ننطلق به إلى أهالينا فيجلس معنا ويُحَدِّثنا؟ قال: كيف يتبعكم مَن لا رِزق له؟ ثم قال له: عُدْ بإذن الله. فعاد ترابًا
عن كعب الأحبار -من طريق أبي الضَّيْف- قال: إذا كان عند خروجِ يأجوج ومأجوج حفروا حتى يسمع الذي يلونهم قرعَ فؤوسهم، فإذا كان الليل قالوا: نجي غدًا نخرج. فيعيدُه اللهُ كما كان، فيجيئون غدًا، فيحفرون حتى يسمع الذين يلونهم قرعَ فؤوسهم، فإذا كان الليل قالوا: نجي [غدًا] فنخرج. فيجيئون مِن الغد، فيجدونه قد أعاده الله تعالى كما كان، فيحفرونه حتى يسمع الذين يلونهم قرعَ فؤوسهم، فإذا كان الليلُ ألقى الله على لسان رجل منهم يقول: نجيء غدًا، فنخرج -إن شاء الله-. فيجيئون مِن الغد، فيجدونه كما تركوه، فيخرقون، ثم يخرجون، فتَمُرُّ الزُّمْرَةُ الأولى بالبحيرة فيشربون ماءها، ثم تَمُرُّ الزمرة الثانية فيلحسون طينها، ثم تَمُرُّ الزُّمرة الثالثة فيقولون: كان ههنا مرة ماء. ويفِرُّ الناسُ منهم، ولا يقوم لهم شيء، ويرمون بسهامهم إلى السماء، فترجع مُخَضَّبة بالدماء، فيقولون: غلَبْنا أهلَ الأرض وأهلَ السماء. فيدعو عليهم عيسى عليه السلام، فيقول: اللهم، لا طاقة ولا يد لنا بهم، فاكفناهم بما شئت. فيرسل الله عليهم دودًا يُقال له: النَّغَف، فَتَفْرِسُ رقابَهم، ويبعث الله عليهم طيرًا، فتأخذهم بمناقيرها، فتلقيهم في البحر، ويبعث الله تعالى عينًا يُقال لها: الحياة؛ تُطَهِّر الأرض منهم، وينبتها حتى إنّ الرُّمّانة ليشبع منها السكن. قيل: وما السكن، يا كعب؟ قال: أهل البيت. قال: فبينا الناسُ كذلك إذ أتاهم الصراخُ أنّ ذا السويقتين أتى البيت يريده، فيبعث عيسى طليعة سبعمائة أو بين السبعمائة والثمانمائة، حتى إذا كانوا ببعض الطريق يبعث الله ريحًا يمانية طيِّبة، فيقبض فيها روحَ كل مؤمن، ثم يبقى عَجاجٌ من الناس، فيَتَسافَدُون كما تَتَسافَدُ البهائم، فمثل الساعة كمثل رجل يُطِيفُ حول فرسه ينظرها متى تضع
عن محمد بن يحيى بن حبان، قال: جاء رسول الله ﷺ بيت زيد بن حارثة يطلبه، وكان زيد إنما يقال له: زيد بن محمد، فربما فقده رسول الله ﷺ الساعة، فيقول: «أين زيد؟». فجاء منزله يطلبه، فلم يجده، وتقوم إليه زينب بنت جحش فُضُلًا، فأعرض رسول الله ﷺ عنها، فقالت: ليس هو هاهنا، يا رسول الله، فادخل. فأبى أن يدخل، فأعجبتْ رسولَ الله ﷺ، فولّى وهو يُهَمْهِم بشيء لا يكاد يُفهم منه إلا ربما أعلن: «سبحان الله العظيم، سبحان مصرِّف القلوب». فجاء زيد إلى منزله، فأخبرته امرأته أن رسول الله ﷺ أتى منزله، فقال زيد: ألا قلتِ له أن يدخل! قالت: قد عرضتُ ذلك عليه، فأبى. قال: فسمعتِ شيئًا؟ قالت: سمعتُه حين ولّى تكلَّم بكلام ولا أفهمه، وسمعتُه يقول: «سبحان الله العظيم، سبحان مصرِّف القلوب». فجاء زيد حتى أتى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، بلغني أنك جئت منزلي، فهلّا دخلتَ يا رسول الله! لعل زينب أعجبتكَ، فأفارقها؟ فيقول رسول الله ﷺ: ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾. فما استطاع زيد إليها سبيلًا بعد ذلك اليوم، فيأتي لرسول الله ﷺ، فيخبره، فيقول: ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾. ففارقها زيد واعتزلها، وانقضت عدتها، فبينا رسول الله ﷺ جالس يتحدث مع عائشة إذ أخذته غَشْيَة، فسُرِّي عنه، وهو يبتسم، ويقول: «مَن يذهب إلى زينب يبشرها أنّ الله زوَّجَنِيها مِن السماء؟». وتلا رسول الله ﷺ: ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ القصة كلها. قالت عائشة: فأخذني ما قَرُب وما بَعُد لِما يبلغنا مِن جمالها، وأخرى هي أعظم الأمور وأشرفها؛ زوّجها الله من السماء. وقلتُ: هي تفخر علينا بهذا
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- في قوله: ﴿وأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾، قال: الشيطانُ حين جلس على كرسيه أربعين يومًا؛ كان لسليمان عليه السلام مائة امرأة، وكانت امرأة منهن يقال لها: جرادة، وهي آثر نسائه عنده وآمَنُهُنَّ، وكان إذا أجنب أو أتى حاجة نزع خاتمه، ولم يأتمن عليه أحدًا من الناس غيرها، فجاءته يومًا من الأيام، فقالت: إنّ أخي بينه وبين فلان خصومة، وأنا أحبُّ أن تقضي له إذا جاءك. فقال: نعم. ولم يفعل، فابتُلي؛ فأعطاها خاتمه، ودخل المخرج، فخرج الشيطان في صورته، فقال: هات الخاتم. فأعطته، فجاء حتى جلس على مجلس سليمان، وخرج سليمانُ بعد، فسألها أن تعطيه خاتمه، فقالت: ألم تأخذه قبلُ؟! قال: لا. قال: وخرج مِن مكانه تائهًا، ومكث الشيطان يحكم بين الناس أربعين يومًا، فأنكر الناسُ أحكامَه، فاجتمع قُرّاء بني إسرائيل وعلماؤهم، فجاؤوا حتى دخلوا على نسائه، فقالوا: إنا قد أنكرنا هذا. وأقبلوا يمشون حتى أتوه، فأحدقوا به، ثم نشروا فقرؤوا التوراة، فطار مِن بين أيديهم حتى وقع على شُرْفَةٍ والخاتم معه، ثم طار حتى ذهب إلى البحر، فوقع الخاتم منه في البحر، فابتلعه حوتٌ مِن حيتان البحر، وأقبل سليمان في حاله التي كان فيها حتى انتهى إلى صيّاد مِن صيادي البحر وهو جائع، فاستطعمه من صيدهم، فأعطاه سمكتين، فقام إلى شطِّ البحر، فشقَّ بطونهما، فوجد خاتمه في بطن إحداهما، فأخذه، فلبسه، فردَّ الله عليه بهاءَه وملكَه، فأرسل إلى الشيطان، فجيء به، فأَمر به، فجُعل في صندوق من حديد، ثم أطبق عليه، وأقفل عليه بقفل، وخَتم عليه بخاتمه، ثم أمر به فأُلقي في البحر، فهو فيه حتى تقوم الساعة، وكان اسمه: حبقيق