عن ثوبان، أنّه سَمِع رسول الله ﷺ يقول: «إنّ ربي زَوى ليَ الأرض حتى رأيتُ مشارقها ومغاربها، وأعطاني الكنزين الأحمر والأبيض، وإنّ أمتي سيبلُغُ ملكُها ما زَوى لي منها، وإنِّي سألتُ ربي لأمتي ألّا يُهلِكَها بسَنَةٍ عامَّة، فأعطانيها، وسألتُه ألّا يُسَلِّطَ عليها عَدُوًّا مِن غيرهم، فأعطانيها، وسألتُه ألّا يُذِيقَ بعضهم بأس بعض، فمَنَعنيها، وقال: يا محمد، إنِّي إذا قضيتُ قضاءً لم يُردَّ، إني أعطيتُك لأُمَّتك ألّا أُهلِكَها بسَنَة عامة، ولا أُظهِرَ عليهم عدوًّا من غيرهم فيَستَبِيحَهم بعامَّة، ولو اجتمع مَن بين أقطارها، حتى يكون بعضُهم هو يُهلِك بعضًا، وبعضهم هو يَسبِي بعضًا. وإنِّي لا أخافُ على أمتي إلّا الأئمة المُضِلِّين، ولن تقوم الساعة حتى تَلحَقَ قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبدَ قبائلُ من أمتي الأوثان، وإذا وُضِع السيف في أمتي لم يُرفَع عنها إلى يوم القيامة». وإنه قال كُلَّ ما يُوجدُ في مائة سنة، «وسيخرُج في أمتي كذّابون ثلاثون، كلهم يَزعُم أنّه نبي، وأنا خاتم الأنبياء، لا نبي بعدي، ولن تزالَ في أمتي طائفة يقاتلون على الحق ظاهرين، لا يَضُرُّهم مَن خذلهم، حتى يأتي أمر الله». قال: وزعم أنّه لا يَنزِعُ رجل من أهل الجنة شيئًا من ثمرها إلا أخلَف الله مكانها مثلها، وإنّه قال: «ليس دينارٌ يُنفِقُه رجل بأعظم أجرًا من دينار يُنفِقُه على عياله، ثم دينار يُنفِقُه على فرسِه في سبيل الله، ثم دينار يُنفِقُه على أصحابه في سبيل الله». قال: وزعم أنّ نبي الله ﷺ عَظَّم شأن المسألة، وأنّه إذا كان يوم القيامة جاء أهل الجاهلية يحملون أوثانهم على ظهورهم، فيَسألُهم ربُّهم: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: ربنا، لَمْ تُرسِلْ إلينا رسولا، ولَمْ يَأتِنا أمر. فيقول: أرأيتم إن أمرتُكم بأمر تُطِيعُوني؟ فيقولون: نعم. فيأخُذُ مواثيقَهم على ذلك، فيأمُرُهم أن يَعمِدوا لجهنم فيدخُلونها، فينطَلِقون، حتى إذا جاءوها رَأَوا لها تَغيُّظًا وزفيرًا، فهابوا، فرجعوا إلى ربهم، فقالوا: ربنا، فَرِقْنا منها. فيقول: ألم تُعطُوني مواثيقَكم لتُطِيعُنَّ؟ اعمَدوا إليها فادخلوا. فينطلقون، حتى إذا رأوها فَرِقُوا، فرجعوا، فيقول: ادخلوها داخرين. قال نبي الله ﷺ: «لو دخلوها أوَّلَ مرَّةٍ كانت عليهم بردًا وسلامًا»
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم﴾ يقول: وقد أخذ ربك من بني آدم بنعمان عند عرفات ﴿من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم﴾ بإقرارهم: ﴿ألست بربكم قالوا بلى﴾ أنت ربُّنا. وذلك أنّ الله عز وجل مسح صفحة ظهر آدم اليمنى، فأخرج منه ذرية بيضاء كهيئة الذرِّ يتحركون، ثم مسح صفحة ظهره اليسرى، فأخرج منه ذرية سوداء كهيئة الذَّرِّ، وهم ألفُ أُمَّةٍ، قال: يا آدم، هؤلاء ذريتك أخذنا ميثاقهم على أن يعبدوني، ولا يشركوا بي شيئًا، وعَلَيِّ رِزقُهم. قال آدم: نعم، يا رب. فلمّا أخرجهم قال الله: ألست بربكم. قالوا: بلى، شهدنا أنّك ربُّنا. قال الله للملائكة: اشهدوا عليهم بالإقرار. قالت الملائكة: قد شهدنا. يقول الله في الدنيا لكفار العرب من هذه الأمة: ﴿أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا﴾ عن هذا الميثاق الذي أخذ علينا ﴿غافلين﴾. وأشهدهم على أنفسهم، ﴿أو تقولوا﴾ لِئَلّا تقولوا: ﴿إنما أشرك آباؤنا﴾ ونقضوا الميثاق من قبل شركنا. ولئلا تقولوا: ﴿وكنا ذرية من بعدهم﴾ فاقتدينا بهم وبهداهم. لئلا تقولوا: ﴿أفتهلكنا بما فعل المبطلون﴾ يعني: أفَتُعَذِّبنا بما فعل المبطلون، يعني: المكذبين بالتوحيد، يعنون: آباءَهم. كقوله: ﴿إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون﴾ [الزخرف:٢٣]. ثم أفاضهم إفاضَة القِدْحِ، فقال للبِيض: هؤلاء في الجنة برحمتي، فهم أصحاب اليمين، وأصحاب الميمنة. وقال للسود: هؤلاء للنار، ولا أبالي، فهم أصحاب الشمال، وأصحاب المشأمة. ثم أعادهم جميعًا في صلب آدم عليه السلام. فأهل القبور محبوسون حتى يخرج الله أهل الميثاق كلهم من أصلاب الرجال وأرحام النساء، ثم تقوم الساعة، فذلك قوله: ﴿لقد أحصاهم﴾ يوم القيامة ﴿وعدهم عدا﴾ [مريم:٩٤]. فمَن مات منهم صغيرًا فله الجنة بمعرفته بربه، ومَن بلغ منهم العقل أخذ أيضًا ميثاقه بمعرفته لربه والطاعة له، فمَن لم يؤمن إذا بلغ العقل لم يُغْنِ عنه الميثاق الأول شيئًا، وكان العهد والميثاق الأول حُجَّةً عليهم. وقال فيمن نقض العهد الأول: ﴿وما وجدنا لأكثرهم من عهد﴾ يعني: من وفاء، يعني: أكثر ولد آدم عليه السلام، ﴿وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين﴾ [الأعراف:١٠٢] يعني: لَعاصين
عن خباب بن الأرتّ -من طريق أبي الكَنُودِ- في قول الله -تبارك وتعالى-: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه﴾ [الأنعام:٥٢]، قال: جاء عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، فوجدوا النبي ﷺ قاعدًا مع بلال، وعمار، وصهيب، وخباب بن الأرت في ناس من الضعفاء مِن المؤمنين، فلما رأوهم حوله حقروهم، فأتوه، فخلوا به، فقالوا: إنّا نُحِبُّ أن تجعل لنا منك نصيبًا تعرف لنا به العرب؛ فإن وفود العرب تأتيك، ونستحي أن ترانا العرب مع هذه الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقِمهم، فإذا نحن فرغنا فأقعدهم إن شئت. فقال: «نعم». فقالوا: اكتب لنا كتابًا. فدعا بالصحيفة ليكتب لهم، ودعا عليًّا ليكتب لهم، ونحن قعود في ناحية، إذ نزل جبريل عليه السلام بهذه الآية: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، ما عليك من حسابهم من شيء، وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين﴾. ثم ذكر الأقرع وصاحبه، فقال: ﴿وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين﴾. ثم ذكر، فقال: ﴿وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا﴾ [الأنعام: ٥٢-٥٤]. فرمى رسول الله ﷺ بالصحيفة جانبًا، فما أنسى وهو يقول: سلام عليكم. فدنونا يومئذ منه، حتى وضعنا ركبنا على ركبته، وكان رسول الله ﷺ يجلس معنا قبل ذلك، فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا؛ فأنزل الله تعالى: ﴿واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا﴾ يقول: مجالس الأشراف، ﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا﴾، وأما ﴿من أغفلنا قلبه﴾ فهو عيينة والأقرع بن حابس، وأما ﴿فرطًا﴾: فهلاكًا. ثم ضرب لهم مثلًا رجلين ومثل الحياة الدنيا، قال: فكُنّا نقعد مع النبي ﷺ، فإذا بلغنا الساعة التي كان يقوم فيها أقمنا وتركناه، حتى يقوم متى قام
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «لَمّا فرغ الله مِن خلق السماوات والأرض خَلَق الصُّور، فأعطاه إسرافيل، فهو واضعه على فيه، شاخصٌ ببصره إلى العرش ينتظر متى يُؤمَر». قال أبو هريرة: يا رسول الله، وما الصور؟ قال: «قرن». قال: وكيف هو؟ قال: «قرن عظيم ينفخ فيه ثلاث نفخات؛ الأولى: نفخة الفزع، والثانية: نفخة الصعق، والثالثة: نفخة القيام لرب العالمين، يأمر الله عز وجل إسرافيل بالنفخة الأولى، فيقول: انفخ نفخة الفزع. فيفزع أهل السماوات والأرض إلا مَن شاء الله، ويأمره الله فيديمها ويطولها فلا يفتر، وهي التي يقول الله: ﴿ما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق﴾ [ص:١٥]، فيُسَيِّر اللهُ الجبالَ فتكون سرابًا، وتُرَجُّ الأرضُ بأهلها رجًّا، وهي التي يقول الله: ﴿يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة قلوب يومئذ واجفة﴾ [النازعات:٦-٧]، فتكون الأرض كالسفينة الموبقة في البحر تضربها الأمواج، تكفأ بأهلها، أو كالقنديل المعلق بالعرش، ترجحه الأرواح، فيميد الناس على ظهرها، فتذهل المراضع، وتضع الحوامل، وتشيب الولدان، وتطير الشياطين هاربة حتى تأتي الأقطار، فتلقاها الملائكة، فتضرب وجوهها فترجع، ويُوَلِّي الناسُ مدبرين، يُنادي بعضهم بعضًا، وهو الذي يقول الله: ﴿يوم التناد يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد﴾ [غافر:٣٢-٣٣]. فبينما هم على ذلك إذ تَصَدَّعت الأرضُ مِن قطر إلى قطر، فرأوا أمرًا عظيمًا، وأخذهم لذلك من الكَرْب ما الله أعلم به، ثم نظروا إلى السماء؛ فإذا هي كالمهل، ثم خسف شمسها، وخسف قمرها، وانتثرت نجومها، ثم كشطت عنهم». قال رسول الله ﷺ: «والأموات لا يعلمون بشيء من ذلك». فقال أبو هريرة: فمَن استثنى الله حين يقول: ﴿ففزع من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله﴾ [النمل:٨٧]؟ قال: «أولئك الشهداء، وإنّما يَصِلُ الفزعُ إلى الأحياء، أولئك أحياء عند ربهم يرزقون، وقاهم الله فزع ذلك اليوم وآمنهم، وهو عذاب الله يبعثه على شرار خلقه، وهو الذي يقول: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم﴾ إلى قوله: ﴿ولكن عذاب الله شديد﴾»
عن إسماعيل السُّدِّيّ، قال: أقبل موسى إلى أهله، فسار بهم نحو مصر حتى أتاها ليلًا، فتَضَيَّف على أُمِّه، وهو لا يعرفهم، في ليلةٍ كانوا يأكلون منها الطَفَيْشَلَ، فنزل في جانب الدار، فجاء هارون، فلمّا أبصر ضيفه سأل عنه أُمَّه، فأخبرته أنّه ضيفٌ، فدعاه، فأكل معه، فلمّا قعدا فتحدَّثا، فسأله هارون: مَن أنت؟ قال: أنا موسى. فقام كلُّ واحدٍ منهما إلى صاحبه، فاعتنقه، فلمّا أن تعارفا قال له موسى: يا هارون، انطلق معي إلى فرعون؛ فإن الله قد أرسلنا إليه. قال هارون: سمعًا وطاعةً. فقامت أمُّهما، فصاحت، وقالت: أنشدكما بالله ألا تذهبا إلى فرعون فيقتلكما. فأبَيا، فانطلقا إليه ليلًا، فأتيا الباب، فضرباه، ففزع فرعون، وفزع البوّاب، فقال فرعون: مَن هذا الذي يضرب بابي هذه الساعة؟ فأشرف عليهما البوابُ، فكلمهما، فقال له موسى: ﴿إنا رسول رب العالمين﴾. ففزع البواب، فأتى فرعونَ، فأخبره، فقال: إنّ ههنا إنسانًا مجنونًا يزعم أنّه رسول رب العالمين. فقال: أدخِله. فدخل، فقال: إني رسول رب العالمين. قال فرعون: ﴿وما رب العالمين﴾. قال: ﴿ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى﴾ [طه:٥٠]. قال: ﴿إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين﴾ [الأعراف:١٠٦-١٠٧]. والثعبان: الذَّكَر مِن الحيّات، فاتحةً فمَها، واضِعةً لحيها الأسفل في الأرض، والأعلى على سور القصر، ثم توجهت نحو فرعون لتأخذه، فلما رآها ذعر منها، ووثب، فأحدث، ولم يكن يُحْدِث قبل ذلك، وصاح: يا موسى، خذها، وأنا أومن بك، وأُرسِلُ معك بني إسرائيل. فأخذها موسى، فصارت عصًا، فقالت السَّحَرة في نجواهم: ﴿إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما﴾ [طه:٦٣]. فالتقى موسى وأميرُ السحرة، فقال له موسى: أرأيت إن غلبتُك غدًا أتُؤْمِنُ بي، وتشهد أنّ ما جئتُ به حقٌّ؟ قال الساحر: لآتين غدًا بسحرٍ لا يغلبه سِحرٌ، فواللهِ، لئن غلبتني لأؤمِنَنَّ لك، ولأشهدن أنّك حقٌّ. وفرعون ينظر إليهما
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «لَمّا فرغ اللهُ مِن خلق السماوات والأرض خلق الصور، فأعطاه إسرافيل، فهو واضِعُه على فِيه، شاخِصٌ ببصره إلى العرش، ينتظر متى يُؤمَر». قال أبو هريرة: يا رسول الله، وما الصور؟ قال: «قرن». قال: وكيف هو؟ قال: «قرن عظيم ينفخ فيه ثلاث نفخات؛ الأولى: نفخة الفزع، والثانية: نفخة الصعق، والثالثة: نفخة القيام لرب العالمين؛ يأمر الله عز وجل إسرافيل بالنفخة الأولى، فيقول: انفخ نفخة الفزع. فيفزع أهل السماوات والأرض إلا من شاء الله، ويأمره الله فيديمها ويطولها فلا يفتر، وهي التي يقول الله: ﴿ما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق﴾ [ص:١٥]، فيسير الله الجبال فتكون سرابًا، وترج الأرض بأهلها رجًّا، وهي التي يقول الله: ﴿يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة قلوب يومئذ واجفة﴾ [النازعات:٦-٧]. فتكون الأرض كالسفينة الموبقة في البحر تضربها الأمواج، تكفأ بأهلها، أو كالقنديل المُعَلَّق بالعرش، ترجحه الأرواح، فيميد الناس على ظهرها، فتُذْهِل المراضع، وتضع الحوامل، وتشيب الولدان، وتطير الشياطين هاربة حتى تأتي الأقطار، فتلقاها الملائكة، فتضرب وجوهها فترجع، ويولي الناس مدبرين، ينادي بعضهم بعضًا، وهو الذي يقول الله: ﴿يوم التناد يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد﴾ [غافر:٣٢-٣٣]. فبينما هم على ذلك، إذ تصدَّعَتِ الأرضُ مِن قُطر إلى قُطْر، فرأوا أمرًا عظيمًا، وأخذهم لذلك مِن الكرب ما الله أعلم به، ثم نظروا إلى السماء فإذا هي كالمهل، ثم خُسِف شمسها، وخُسِف قمرها، وانتثرت نجومها، ثم كَشَطت عنهم». قال رسول الله ﷺ: «والأموات لا يعلمون بشيء مِن ذلك». فقال أبو هريرة: فمن [ثَمَّ] استثنى الله حين يقول: ﴿ففزع من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله﴾. قال: «أولئك الشهداء، وإنّما يَصِل الفزع إلى الأحياء، أولئك أحياء عند ربهم يرزقون، وقاهم الله فزع ذلك اليوم وآمَنَهم، وهو عذاب الله يبعثه على شِرار خلقه، وهو الذي يقول: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم﴾ إلى قوله: ﴿ولكن عذاب الله شديد﴾»
اختُلف في معنى: «النجوم» التي أقسم بمواقعها في هذه الآية على قولين: الأول: أنها نجوم السماء. وفي مواقعها ثلاثة أقوال: أحدها: منازلها. ثانيها: مساقطها. ثالثها: انتثارها عند قيام الساعة. الثاني: أنها آيات القرآن، ومواقعها: نزولها شيئًا بعد شيء. ووجَّه ابنُ القيم (٣/١١٥) قول مَن قال: إنها نجوم السماء، ومواقعها: مساقطها. بقوله: «وعلى هذا فتكون المناسبة بين ذِكر النجوم في القسم وبين المُقسم عليه وهو القرآن من وجوه: أحدها: أنّ النجوم جعلها الله يُهتدى بها في ظلمات البر والبحر، وآيات القرآن يُهتدى بها في ظلمات الجهل والغي، فتلك هداية في الظلمات الحسية، وآيات القرآن في الظلمات المعنوية؛ فجمع بين الهدايتين، مع ما في النجوم من الرجوم للشياطين، وفي آيات القرآن من رجوم شياطين الإنس والجن، والنجوم آياته المشهودة المعاينة، والقرآن آياته المتلوة السمعية، مع ما في مواقعها عند الغروب من العِبرة والدلالة على آياته القرآنية ومواقعها عند النزول». وعلَّق ابنُ عطية (٨/٢٠٩) على القول الثاني بقوله: «ويؤيد هذا القول عوْد الضمير على القرآن في قوله سبحانه: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾، وذلك أنّ ذِكْرَه لم يتقدم إلا على هذا التأويل، ومَن لا يتأول هذا التأويل يقول: إنّ الضمير يعود على القرآن وإن لم يتقدم له ذِكر لشهرة الأمر ووضوح المعنى، كقوله تعالى: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢]، و﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] وغير ذلك». ورجَّح ابن جرير (٢٢/٣٦١) -مستندًا إلى الأغلب في اللغة- أنه قسمٌ بمساقط النجوم ومغايبها في السماء، وهو قول مجاهد من طريق ابن أبي نجيح، وقول الحسن، وقتادة من طريق سعيد، وعلَّل ذلك بقوله: «وذلك أن المواقع جمع موقع، والموقع المَفْعِل، من وقَع يَقَعُ مَوقِعًا، فالأغلب من معانيه والأظهر من تأويله ما قلنا في ذلك، ولذلك قلنا: هو أوْلى معانيه به». وزاد ابن عطية (ينظر: ٨/٢١٠) قولًا أنّ مواقع النجوم: عند الانقضاض إثر العفاريت
عن وهْب بن مُنَبِّه -من طريق عبد الصمد بن مَعْقِل- قال: إنّ عيسى لَمّا أعلمه اللهُ أنّه خارجٌ مِن الدينا جَزِع مِن الموت، وشقَّ عليه، فدعا الحواريين، فصنع لهم طعامًا، فقال: احضروني الليلة، فإنّ لي إليكم حاجة. فلما اجتمعوا إليه من الليلة عَشّاهم، وقام يخدمهم، فلمّا فرغوا من الطعام أخذ يغسل أيديهم، ويُوَضِّيهم بيده، ويمسح أيديَهم بثيابه، فتعاظموا ذلك، وتكارهوه، فقال: ألا مَن رَدَّ عَلَيَّ شيئًا الليلة مما أصنع فليس مِنِّي ولا أنا منه. فأقَرُّوه، حتى إذا فرغ من ذلك قال: أمّا ما صنعتُ بكم الليلةَ مِمّا خدمتكم فلا يَتَعَظَّمُ بعضُكم على بعض، ولْيَبْذِل بعضُكم نفسَه لبعضٍ كما بذلت نفسي لكم، وأمّا حاجتي التي اسْتَعَنتُكم عليها فتدعون لي الله، وتجتهدون في الدعاء أن يُؤَخِّر أجلي. فلمّا نصبوا أنفسهم للدعاء، وأرادوا أن يجتهدوا؛ أخذهم النوم، حتى لم يستطيعوا دعاءً، فجعل يوقظهم، ويقول: سبحان الله! ما تصبرون لي ليلةً واحدة تُعِينُونني فيها! قالوا: واللهِ، ما ندري ما لنا، لقد كنا نَسْمَر فنُكْثِر السَّمَر، وما نُطِيق الليلةَ سَمَرًا، وما نريد دعاءً إلا حيل بيننا وبينه. فقال: يذهب بالراعي، وتتفرق الغنم. وجعل يأتي بكلامٍ نحو هذا ينعي به نفسه، ثم قال: الحقّ لَيَكْفُرَنُّ بي أحدُكم قبل أن يصيح الديكُ ثلاث مرات، ولَيبيعني أحدُكم بدراهم يسيرة، وليَأْكُلَنَّ ثمني. فخرجوا، وتفرَّقوا، وكانت اليهود تطلبه، فأخذوا شمعون أحد الحواريين، فقالوا: هذا مِن أصحابه. فجحد، وقال: ما أنا بصاحبه. فتركوه، ثم أخذه آخرون، فجحد كذلك، ثم سمع صوت ديك فبكى وأحزنه، فلمّا أصبح أتى أحدُ الحواريين إلى اليهود، فقال: ما تجعلون لي إن دللتكم على المسيح؟ فجعلوا له ثلاثين درهمًا، فأخذها، ودلَّهم عليه -وكان شُبِّه عليهم قبل ذلك-، فأخذوه، واستوثقوا منه، وربطوه بالحبل، فجعلوا يقودونه، ويقولون: أنت كنت تحيي الموتى، وتبرئ المجنون، أفلا تُنجِي نفسك مِن هذا الحبل؟! ويبصُقون عليه، ويلقون عليه الشوك، حتى أتَوْا به الخَشَبَةَ التي أرادوا أن يصلبوه عليها، فرفعه الله إليه، وصلبوا ما شُبِّه لهم، فمكث سبعًا. ثُمَّ إنّ أُمَّه والمرأة التي كان يُداويها عيسى فأبرأها الله مِن الجنون جاءتا تبكيان حيث المصلوب، فجاءهما عيسى، فقال: علام تبكيان؟ قالتا: عليك. قال: إنِّي قد رفعني الله إليه، ولم يُصِبني إلا خيرٌ، وإنّ هذا شيءٌ شُبِّه لهم، فَأْمُرا الحواريين أن يلقوني إلى مكان كذا وكذا. فألقوه إلى ذلك المكان أحد عشر، وقعد الذي كان باعه ودَلَّ عليه اليهود، فسأل عنه أصحابَه، فقالوا: إنّه ندِم على ما صنع، فاختنق، وقتل نفسه. قال: لو تاب تاب الله عليه. ثم سألهم عن غلام يتبعهم يُقال له: يُحَنّا. فقال: هو معكم، فانطلِقوا، فإنّه سيصبح كلُّ إنسان منكم يحدث بلغة قوم، فلينذرهم، وليَدْعُهم
عن عبد الله بن عمرو، وأم سلمة، وعائشة، وأم هانئ، وابن عباس، دخل حديث بعضهم في بعض، قالوا: أُسرِي برسول الله ﷺ ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الأول قبل الهجرة بسنة مِن شِعبِ أبي طالب إلى بيت المقدس، قال رسول الله ﷺ: «حُمِلتُ على دابة بيضاء بين الحمار وبين البغل، في فخذها جناحان، تَحفِزُ بهما رجليها، فلما دَنَوتُ لأركبها شَمَسَتْ، فوضع جبريل يده على مَعرَفَتِها، ثم قال: ألا تستحيين -يا بُراق- مِمّا تصنعين؟! واللهِ، ما ركب عليك عبد لله قبل محمد أكرم على الله منه. فاستَحيَت حتى ارْفَضَّتْ عَرَقًا، ثم قَرَّت حتى ركَبِتُها، فعمِلَتْ بأُذُنَيها، وقبضت الأرض حتى كان مُنتَهى وقعِ حافِرِها طَرفُها، وكانت طويلة الظهر طويلة الأذنين، وخرج معي جبريل لا يَفُوتُني ولا أفُوتُه، حتى أنتهى بي إلى بيت المقدس، فأتى البُراقُ إلى موقفِه الذي كان يقف، فربطه فيه، وكان مَربِطَ الأنبياء، رأيت الأنبياء جُمِعوا لي، فرأيت إبراهيم وموسى وعيسى، فظننت أنّه لا بد أن يكون لهم إمام، فقدمني جبريل حتى صَلَّيت بين أيديهم، وسألتُهم فقالوا: بُعِثنا بالتوحيد». وقال بعضهم: فُقِد النَّبي ﷺ تلك الليلة، فتَفَرَّقَت بنو عبد المطلب يطلُبونه ويَلتَمِسونه، وخرج العباس حتى إذا بلغ ذا طوى، فجعل يصرخ: يا محمد، يا محمد. فأجابه رسول الله ﷺ: «لبيك». فقال: ابن أخي، عَنَّيت قومك منذ الليلة، فأين كنت؟ قال: «أتيت من بيت المقدس». قال: في ليلتك؟! قال: «نعم». قال: هل أصابك إلا خير؟ قال: «ما أصابني إلا خير». وقالت أم هانئ: ما أُسرِي به إلا من بيتنا، نام عندنا تلك الليلة، صلّى العشاء ثم نام، فلما كان قبل الفجر أنبَهناه للصبح، فقام، فلما صلى الصبح قال: «يا أم هانئ، لقد صلَّيت معكم العشاء كما رأيتِ بهذا الوادي، ثم قد جئت بيت المقدس، فصليت فيه، ثم صليت الغداة معكم». ثم قام ليخرج، فقلت: لا تُحَدِّث هذا الناس فيُكَذِّبوك ويُؤذُوك. فقال: «واللهِ، لَأُحَدِّثَنَّهم». فأخبرَهم، فتعجَّبوا، وقالوا: لم نسمع بمثل هذا قط. وقال رسول الله ﷺ لجبريل: «يا جبريل، إنّ قومي لا يُصَدِّقوني». قال: يُصَدِّقُك أبو بكر، وهو الصِّدِّيق. «وافتتن ناسٌ كثير كانوا قد صلَّوا وأسلَموا، وقمتُ في الحِجر، فجَلّى الله لي بيت المقدس، فطَفِقت أُخبِرُهم عن آياته وأنا أنظر إليه، فقال بعضهم: كم للمسجد من باب؟ ولم أكن عددت أبوابه، فجعلت أنظر إليها، وأعُدُّها بابًا بابًا، وأُعلِمُهم، وأخبرتُهم عن عيرات لهم في الطريق، وعلامات فيها، فوجَدوا ذلك كما أخبرتهم». وأنزل الله: ﴿وما جعلنا الرءيا التي أريناك إلا فتنة للناس﴾. قال: كانت رؤيا عين، رآها بعينه
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا﴾، قال: كانوا عشرة رهطٍ تَخَلَّفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فلمّا حَضَر رجوعُ رسول الله ﷺ أوثَق سبعةٌ منهم أنفسَهم بسَواري المسجد، وكان مَمَرُّ النبيِّ ﷺ إذا رجع في المسجد عليهم، فلمّا رآهم قال: «مَن هؤلاء المُوثِقون أنفسَهم؟». قالوا: هذا أبو لُبابة وأصحابٌ له، تخلَّفوا عنك، يا رسول الله، أوثَقوا أنفسَهم، وحلَفوا أنهم لا يُطلِقُهم أحدٌ حتى يُطْلقهم النبيُّ ﷺ، ويَعْذِرَهم. قال: «وأنا أُقسِمُ بالله لا أُطلِقُهم ولا أعذِرُهم حتى يكون الله تعالى هو الذي يُطلِقُهم، رَغِبوا عنِّي، وتخلَّفوا عن الغزو مع المسلمين». فلمّا بلغهم ذلك قالوا: ونحن لا نُطلِق أنفسَنا حتى يكون اللهُ هو الذي يُطلِقُنا. فأنزل الله عز وجل: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا عسى الله أن يتوب عليهم﴾. و«عسى» من الله واجبٌ، ﴿إن الله غفور رحيم﴾. فلمّا نزلت أرسل إليهم النبيُّ ﷺ، فأطلَقهم، وعَذرهم، فجاءوا بأموالهم، فقالوا: يا رسول الله، هذه أموالُنا فتَصدَّق بها عَنّا، واستغفِر لنا. قال: «ما أُمِرتُ أن آخُذ أموالَكم». فأنزل الله عز وجل: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم﴾ يقول: استغفِر لهم، ﴿إن صلاتك سكن لهم﴾ يقول: رحمةٌ لهم. فأخذ منهم الصَّدَقة، واسْتَغْفَر لهم. وكان ثلاثةُ نفرٍ منهم لم يُوثِقوا أنفسَهم بالسَّواري، فأُرجِئوا سَبْتَةً لا يدرون أيُعَذَّبون أو يُتابُ عليهم؛ فأنزل الله عز وجل: ﴿لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة﴾ إلى آخر الآية [التوبة:١١٧]. وقوله: ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾ إلى: ﴿ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم﴾ [التوبة:١١٨]. يعني: إن استقاموا