جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
يقول تعالى ذكره : وقطعنا ببني إسرائيل البحر بعد الآيات التي أري ناهموها والعبر التي عاينوها على يدي نبيّ الله موسى، فلم تزجرهم تلك الاَيات ولم تعظهم تلك العبر والبينات حتى قالوا مع معاينتهم من الحجج ما يحقّ أن يذكر معها البهائم، إذ مرّوا على قوم يعكفون على أصنام لهم، يقومون على مثل لهم يعبدونها من دون الله، اجعل لنا يا موسى إلها، يقول : مثالاً نعبده وصنما نتخذه إلها، كما لهؤلاء القوم أصنام يعبدونها، ولا تنبغي العبادة لشيء سوى الله الواحد القهار. وقال موسى صلوات الله عليه : إنكم أيها القوم قوم تجهلون عظمة الله وواجب حقه عليكم، ولا تعلمون أنه لا تجوز العبادة لشيء سوى الله الذي له ملك السموات والأرض.
وذكر عن ابن جريج في ذلك ما :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج : وَجاوَزْنا بِبَنِي إسْرَائِيلَ البَحْرَ فأتَوْا على قَوْمٍ يَعْكُفُونَ على أصْنامٍ لَهُمْ قال ابن جريج : على أصنام لهم، قال : تماثيل بقر، فلما كان عجل السامريّ شبه لهم أنه من تلك البقر، فذلك كان أوّل شأن العجل قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إلَها كمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قال إنّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ.
وقيل : إن القوم الذين كانوا عكوفا على أصنام لهم، الذين ذكرهم الله في هذه الآية، قوم كانوا من لخم. ذكر من قال ذلك.
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا بشر بن عمرو، قال : حدثنا العباس بن المفضل، عن أبي العوّام، عن قتادة : فَأتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ على أصْنامٍ لَهُمْ قال : على لخم، وقيل إنهم كانوا من الكنعانيين الذين أُمر موسى عليه السلام بقتالهم.
وقد حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري أن أبا واقد الليثي، قال : خرجنا مع رسول الله ﷺ قِبَل حنين، فمررنا بِسْدرَة، قلت : يا نبيّ الله اجعل لنا هذه ذات أنواط كما للكفار ذات أنواط وكان الكفار ينوطون سلاحهم بسدرة يعكفون حولها. فقال النبيّ ﷺ :«اللّهُ أكْبَرُ هَذَا كمَا قالَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ لِمُوسَى : اجْعَلْ لَنا إلَها كمَا لَهمْ آلهَةٌ، إنّكُمْ سَترْكَبُونَ سُنَنَ الّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ».
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن الزهريّ، عن سنان ابن أبي سنان، عن واقد الليثي، قال : خرجنا مع رسول الله ﷺ قبل حنين، فمررنا بسدرة، فقلنا : يا نبيّ الله اجعل لنا هذه ذات أنواط، فذكر نحوه.
حدثني المثنى، قال : حدثنا الحجاج، قال : حدثنا حماد، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن سنان ابن أبي سنان، عن أبي واقد الليثي، عن رسول الله ﷺ، نحوه.
حدثنا ابن صالح، قال : ثني الليث، قال : ثني عقيل، عن ابن شهاب، قال : أخبرني سنان بن أبي سنان الديلي، عن أبي واقد الليثي : أنهم خرجوا من مكة مع رسول الله ﷺ إلى حنين، قال : وكان للكفار سدرة يعكفون عندها ويعلقون بها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط قال : فمررنا بسدرة خضراء عظيمة، قال : فقلنا يا رسول الله : اجعل لنا ذات أنواط قال :«قُلْتُمْ وَالّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ما قالَ قَوْمُ مِوسَى : اجْعَلْ لَنا إلَها كمَا لَهُمْ آلِهَةٌ، قالَ إنّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ أنّها السّنَنُ لَترْكَبُنّ سُننَ مَنْ كانَ قَبْلَكُمْ ».
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وقطعنا ببني إسرائيل البحر بعد الآيات التي أريناهموها، والعبر التي عاينوها على يدي نبيّ الله موسى، فلم تزجرهم تلك الآيات، ولم تعظهم تلك العبر والبينات! حتى قالوا = مع معاينتهم من الحجج ما يحق أن يذكُرَ معها البهائم، إذ مرُّوا على قوم يعكفون على أصنام لهم، يقول: يقومون على مُثُل لهم يعبدونها من دون الله (١) = "اجعل لنا" يا موسى "إلهًا"، يقول: مثالا نعبده وصنما نتخذُه إلهًا، كما لهؤلاء القوم أصنامٌ يعبدونها. ولا تنبغي العبادة لشيء سوى الله الواحد القهار. وقال موسى صلوات الله عليه: إنكم أيها القوم قوم تجهلون عظمة الله وواجبَ حقه عليكم، ولا تعلمون أنه لا تجوز العبادة لشيء سوى الله الذي له ملك السموات والأرض.
* * *
وذكر عن ابن جريج في ذلك ما: -
١٥٠٥٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج: (وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم)، قال ابن جريج: "على أصنام لهم"، قال: تماثيل بقر. فلما كان عجل السامريّ شبِّه لهم أنه من تلك البقر، فذلك كان أوّل شأن العجل: (قالوا يا موسى اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون)،
* * *
* ذكر من قال ذلك:
١٥٠٥٤ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا بشر بن عمرو قال، حدثنا العباس بن المفضل، عن أبي العوام، عن قتادة: (فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم)، قال: على لخم. (١)
* * *
وقيل: إنهم كانوا من الكنعانيين الذين أمر موسى عليه السلام بقتالهم. وقد:-
١٥٠٥٥ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري: أن أبا واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ قبل حنين، فمررنا بِسدْرة، (٢) قلت: يا نبي الله، اجعل لنا هذه ذاتُ أنواط كما للكفار ذاتُ أنواط! وكان الكفار ينوطون سلاحهم بسدرة يعكفون حولها (٣) = فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الله أكبر! هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى: "اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة"، إنكم ستركبون سنن الذين من قبلكم. (٤)
١٥٠٥٦ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا
(٢) ((السدرة))، وواحدتها ((سدرة))، هو شجر النبق.
(٣) ((ناط الشيء ينوطه نوطا))، علقه. و ((الأنواط)) ما يعلق على الهودج أو غيره، وهي المعاليق.
(٤) الأثر: ١٥٠٥٥ - خبر أبي واقد الليثى، في ((ذات أنواط))، رواه أبو جعفر من أربع طرق، هذا أولها، وهو خبر مرسل، لأن الزهري لم يسنده. وسيأتي تخريجه في الذي يليه.
١٥٠٥٧- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا حماد، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن سنان بن أبي سنان، عن أبي واقد الليثي، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، نحوه. (٢)
١٥٠٥٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا ابن صالح قال، حدثني الليث قال، حدثني عقيل، عن ابن شهاب قال، أخبرني سنان بن أبي سنان الديلي، عن أبي واقد الليثي: أنهم خرجوا من مكة مع رسول الله ﷺ إلى حنين، قال: وكان للكفار سدرة يعكفون عندها، ويعلقون بها أسلحتهم، يقال لها "ذات أنواط، قال: فمررنا بسدرة خضراء عظيمة، قال: فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط. قال: "قلتم والذي نفسي بيده، ما قال قوم موسى: "اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون"، إنها السنن، لتركبن سَنَنَ من كان قبلكم. (٣)
* * *
(٢) الأثر: ١٥٠٥٧ - رواه ابن إسحق في سيرته ٤: ٨٤، عن ((أبي واقد الليثى، الحارث بن مالك قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين، ونحن حديثو عهد بكفر))، وفي المطبوعة الحلبية ((أن الحارث بن مالك))، بزيادة ((أن))، وهي زيادة فاسدة، ليست في سائر النسخ.
(٣) الأثر: ١٥٠٥٨ - ((ابن صالح)) : هو ((عبد الله بن صالح الجهني المصري))، ((أبو صالح))، كاتب الليث بن سعد. وأسقط في المطبوعة والمخطوطة [حدثني المثنى قال]، وأبو جعفر لم يدرك أبا صالح، وإنما يروى عنه عن طريق ((المثنى))، كما سلف في إسناده الدائر في التفسير، وأقربه: ١٥٠٥٠: ((حدثنا المثنى، قال: حدثنا عبد الله بن صالح)). وقد رواه البخاري كما سترى عن أبي صالح مباشرة، فلذلك ثبت أنه قد سقط من الإسناد: [حدثني المثنى] فزدتها، وانظر مثل هذا الإسناد فيما سلف: ٢٣٥٠. والليث هو ((الليث بن سعد)) الإمام. و ((عقيل)) هو ((عقيل بن خالد الأيلي))، مضى برقم: ١٩، ٢٣٥٠، ثقة ثبت حجة. وهذا الخبر رواه أحمد من طريق حجاج، عن ليث بن سعد، بنحوه، ورواه البخاري مختصراً في تاريخه ٢/٢/١٦٤ قال: ((وقال لنا أبو صالح حدثني الليث، حدثني عقيل، عن ابن شهاب، أخبرني سنان بن أبي سنان الدؤلى، ثم الجدرى، عن أبي واقد الليثى، سمع النبي صلى الله عليه وسلم: لتركبن سنن من قبلكم)). وزاد أحمد طريقاً أخرى في مسنده لخبر أبي واقد، طريق مالك بن أنس، عن الزهري، عن سنان ابن أبي سنان (المسند رقم ٥: ٢١٨). ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده: ١٩١ من طريق إبراهيم بن سعد الزهرى، عن [الزهرى]، عن سنان بن أبي سنان، نحوه. وفي المسند إسقاط [الزهرى]. وخرجه السيوطي في الدر المنشور ٣: ١١٤، وزاد نسبته لابن أبي شيبة، والنسائي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردوية. و ((السنن)) (بفتحتين) : نهج الطريق.