محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٢٤ من سورة الشورى في ٩٨ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، و٦ أقوال من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٢٤ من سورة الشورى

٩٨ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَىَ عَلَى اللّهِ كَذِباً فَإِن يَشَإِ اللّهُ يَخْتِمْ عَلَىَ قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقّ الْحَقّ بِكَلِمَاتِهِ إِنّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصّدُورِ﴾.
يقول تعالى ذكره : أم يقول هؤلاء المشركون بالله : افْتَرَى محمد على اللّهِ كَذِبا فجاء بهذا الذي يتلوه علينا اختلاقا من قِبَل نفسه. وقوله : فَإنْ يَشأِ اللّهُ يا محمد يطبع على قلبك، فتنس هذا القرآن الذي أُنزل إليك. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : أمْ يَقُولُونَ افْتَرَى على الله كَذِبا، فإنْ يَشأ اللّهُ يَختْم على قَلْبكَ فينسيك القرآن.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله : فإنْ يَشأ اللّهُ يَخْتمْ على قَلْبكَ قال : إن يشأ الله أنساك ما قد أتاك.
حدثنا محمد، قال : حدثنا أحمد، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، في قول الله عزّ وجلّ : فإنْ يَشأ اللّهُ يَخْتمْ على قَلْبكَ قال : يطبع.
وقوله : ويَمْحُ اللّهُ الباطِلَ يقول : ويذهب الله بالباطل فيمحقه ويُحِقّ الحَقّ بكَلِماتِهِ التي أنزلها إليك يا محمد فيثبته.
وقوله : وَيمْحُ اللّهُ الباطِلَ في موضع رفع بالابتداء، ولكنه حُذفت منه الواو في المصحف، كما حُذفت من قوله : سَنَدْعُ الزّبانيَةَ ومن قوله : وَيَدْعُ الإنْسانُ بالشّرّ وليس بجزم على العطف على يختم.
وقوله : إنّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصّدُورِ يقول تعالى ذكره : إن الله ذو علم بما في صدور خلقه، وما تنطوي عليه ضمائرهم، لا يخفى عليه من أمورهم شيء، يقول لنبيه ﷺ : لو حدّثت نفسك أن تفتري على الله كذبا، لطبعت على قلبك، وأذهبت الذي آتيتك من وحيي، لأني أمحو الباطل فأذهبه، وأحقّ الحقّ، وإنما هذا إخبار من الله الكافرين به، الزاعمين أن محمدا افترى هذا القرآن من قِبل نفسه، فأخبرهم أنه إن فعل لفعل به ما أخبر به في هذه الآية.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قول الله عز وجل: (وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً) قال: يعمل حسنة.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: (وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نزدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا) قال: من يعمل خيرا نزد له. الاقتراف: العمل.
وقوله: (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ) يقول: إن الله غفور لذنوب عباده، شكور لحسناتهم وطاعتهم إياه.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ) للذنوب (شَكُورٌ) للحسنات يضاعفها.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ) قال: غفر لهم الذنوب، وشكر لهم نعما هو أعطاهم إياها، وجعلها فيهم.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٤)﴾
يقول تعالى ذكره: أم يقول هؤلاء المشركون بالله: (افْتَرَى) محمد (عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) فجاء بهذا الذي يتلوه علينا اختلاقا من قبل نفسه. وقوله: (فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ) يا محمد يطبع على قلبك، فتنس هذا القرآن الذي أُنزل إليك.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَشِّرْ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِالسَّنَاءِ وَالرِّفْعَةِ وَالنَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ فِي الْأَرْضِ فَمِنْ عَمِلَ مِنْهُمْ عَمَلَ الْآخِرَةِ لِلدُّنْيَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ» «١» وقوله جل وعلا: أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ أَيْ هُمْ لَا يَتَّبِعُونَ مَا شَرَعَ اللَّهُ لَكَ مِنَ الدِّينِ الْقَوِيمِ بَلْ يَتَّبِعُونَ مَا شَرَعَ لَهُمْ شَيَاطِينُهُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ مِنْ تَحْرِيمِ مَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ مِنَ الْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ وَالْوَصِيلَةِ وَالْحَامِ، وتحليل أكل الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَالْقِمَارِ إِلَى نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الضَّلَالَاتِ وَالْجَهَالَةِ الْبَاطِلَةِ الَّتِي كَانُوا قَدِ اخْتَرَعُوهَا فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ مِنَ التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ وَالْعِبَادَاتِ الْبَاطِلَةِ وَالْأَقْوَالِ الْفَاسِدَةِ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم قال: «رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ لُحَيِّ بْنِ قَمَعَةَ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ» «٢» لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ، وَكَانَ هَذَا الرَّجُلُ أَحَدَ مُلُوكِ خُزَاعَةَ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ فَعَلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ وَهُوَ الَّذِي حَمَلَ قُرَيْشًا عَلَى عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَبَّحَهُ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى:
وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ أَيْ لَعُوجِلُوا بِالْعُقُوبَةِ لَوْلَا مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْإِنْظَارِ إِلَى يَوْمِ الْمَعَادِ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أَيْ شَدِيدٌ مُوجِعٌ فِي جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا أَيْ فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ أَيِ الَّذِي يَخَافُونَ مِنْهُ وَاقِعٌ بِهِمْ لَا مَحَالَةَ هَذَا حَالُهُمْ يَوْمَ مَعَادِهِمْ وَهُمْ فِي هَذَا الْخَوْفِ وَالْوَجَلِ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ فَأَيْنَ هَذَا مِنْ هَذَا؟ أَيْنَ مَنْ هُوَ فِي الْعَرَصَاتِ فِي الذُّلِّ وَالْهَوَانِ وَالْخَوْفِ الْمُحَقَّقِ عَلَيْهِ بِظُلْمِهِ مِمَّنْ هُوَ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ فِيمَا يَشَاءُ مِنْ مَآكِلَ وَمُشَارِبَ وَمَلَابِسَ وَمَسَاكِنَ وَمَنَاظِرَ وَمَنَاكِحَ وَمَلَاذَّ فِيمَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خطر عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ. قَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ: حدثنا عمرو بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَبَّارُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيُّ عَنْ أَبِي طَيْبَةَ قَالَ إِنَّ الشَّرْبَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَتُظِلُّهُمُ السَّحَابَةُ فَتَقُولُ مَا أُمْطِرُكُمْ؟ قَالَ فَمَا يَدْعُو دَاعٍ مِنَ الْقَوْمِ بِشَيْءٍ إِلَّا أَمْطَرَتْهُمْ حَتَّى إِنَّ الْقَائِلَ منهم ليقول أمطرينا كواعب أترابا. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَرَفَةَ بِهِ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ أَيِ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَالنِّعْمَةُ التَّامَّةُ السَّابِغَةُ الشاملة العامة.

[سورة الشورى (٤٢) : الآيات ٢٣ الى ٢٤]

ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (٢٣) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٢٤)
يَقُولُ تَعَالَى لَمَّا ذكر روضات الجنات، لِعِبَادِهِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَيْ هَذَا حَاصِلٌ لَهُمْ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ ببشارة الله
(١) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ١٣٤.
(٢) أخرجه البخاري في المناقب باب ٩، ومسلم في الجنة حديث ٥٠.
تعالى لهم به. وقوله عز وجل: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى أَيْ قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَى هَذَا الْبَلَاغِ وَالنُّصْحِ لَكُمْ مَا لَا تُعْطُونِيهِ وَإِنَّمَا أَطْلُبُ مِنْكُمْ أَنْ تَكُفُّوا شَرَّكُمْ عَنِّي وَتَذَرُونِي أُبَلِّغُ رِسَالَاتِ رَبِّي إِنْ لَمْ تَنْصُرُونِي فَلَا تُؤْذُونِي بِمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنَ الْقَرَابَةِ.
قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ قال: سمعت طاوسا يحدث عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قُرْبَى آلِ مُحَمَّدٍ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:
عَجِلْتَ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَّا كَانَ لَهُ فِيهِمْ قَرَابَةٌ فَقَالَ إِلَّا أَنْ تَصِلُوا مَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنَ الْقَرَابَةِ «١»، انْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ، وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ عَنْ شُعْبَةَ بِهِ، وَهَكَذَا رَوَى عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ وَالضَّحَّاكُ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ وَالْعَوْفِيُّ وَيُوسُفُ بْنُ مِهْرَانَ وَغَيْرُ واحد عن ابن عباس رضي الله عنهما مِثْلَهُ، وَبِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ وَأَبُو مَالِكٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَغَيْرُهُمْ.
وقاله الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ القاسم بْنُ يَزِيدَ الطَّبَرَانِيُّ وَجَعْفَرٌ الْقَلَانِسِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا شَرِيكٍ عَنْ خُصَيْفٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا أَنْ تَوَدُّونِي فِي نَفْسِي لِقَرَابَتِي مِنْكُمْ وَتَحْفَظُوا الْقَرَابَةَ الَّتِي بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ» وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ «٢» عَنْ حَسَنِ بْنِ مُوسَى، حَدَّثَنَا قَزَعَةُ يَعْنِي ابن سويد وبن أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ قَزَعَةَ بْنِ سُوَيْدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
«لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَى مَا آتَيْتُكُمْ مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى أَجْرًا إِلَّا أَنْ تُوَادُّوا اللَّهَ وَأَنْ تَقَرَّبُوا إِلَيْهِ بِطَاعَتِهِ» وَهَكَذَا رَوَى قَتَادَةُ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ مِثْلَهُ وَهَذَا كَأَنَّهُ تَفْسِيرٌ بِقَوْلٍ ثَانٍ كَأَنَّهُ يَقُولُ إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى أَيْ إِلَّا أَنْ تَعْمَلُوا بِالطَّاعَةِ الَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ زُلْفَى. وَقَوْلٌ ثَالِثٌ وَهُوَ مَا حَكَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ رِوَايَةً عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ قَالَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنْ تَوَدُّونِي فِي قَرَابَتِي أَيْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِمْ وَتَبَرُّوهُمْ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ عَنْ أَبِي الدَّيْلَمِ قَالَ: لَمَّا جِيءَ بِعَلِيِّ بْنِ الحسين رضي الله عنه أَسِيرًا فَأُقِيمَ عَلَى دَرَجِ دِمَشْقَ قَامَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قَتَلَكُمْ وَاسْتَأْصَلَكُمْ وَقَطَعَ قَرْنَيِ الْفِتْنَةِ «٣» فَقَالَ لَهُ علي بن الحسين رضي الله عنه: أَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَقَرَأْتَ آلَ حم؟ قَالَ: قَرَأْتُ الْقُرْآنَ وَلَمْ أَقْرَأْ آلَ حم، قال: ما قرأت قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى
(١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٤٢ باب ١، وأحمد في المسند ١/ ٢٢٩، ٢٨٣.
(٢) المسند ١/ ٢٦٨.
(٣) أي استأصل الفتنة. [.....]
قال: وإنكم لأنتم هُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ: سألت عمرو بن شعيب عن قوله تبارك وتعالى: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى فَقَالَ: قُرْبَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَوَاهُمَا ابْنُ جَرِيرٍ «١».
ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ «٢» : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ، حَدَّثَنِي يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ عَنْ مِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَتِ الْأَنْصَارُ: فَعَلْنَا وَفَعَلْنَا وَكَأَنَّهُمْ فَخَرُوا، فقال ابن عباس أو العباس رضي الله عنهما- شَكَّ عَبْدُ السَّلَامِ- لَنَا الْفَضْلُ عَلَيْكُمْ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَاهُمْ فِي مَجَالِسِهِمْ فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَلَمْ تَكُونُوا أَذِلَّةً فَأَعَزَّكُمُ اللَّهُ بِي؟» قَالُوا بلى يا رسول الله قال صلى الله عليه وسلم: «أَلَمْ تَكُونُوا ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِي؟» قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «أَفَلَا تُجِيبُونِي؟» قَالُوا: مَا نَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ:
«أَلَا تَقُولُونَ أَلَمْ يُخْرِجْكَ قَوْمُكَ فَآوَيْنَاكَ أَوَلَمْ يُكَذِّبُوكَ فَصَدَّقْنَاكَ أَوَلَمْ يَخْذُلُوكَ فَنَصَرْنَاكَ» قَالَ:
فَمَا زال ﷺ يَقُولُ حَتَّى جَثَوْا عَلَى الرُّكَبِ، وَقَالُوا: أَمْوَالُنَا فِي أَيْدِينَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، قَالَ: فَنَزَلَتْ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ فِي قَسْمِ غَنَائِمِ حُنَيْنٍ قَرِيبٌ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ وَلَكِنْ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَذِكْرُ نُزُولِهَا فِي الْمَدِينَةِ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ وَلَيْسَ يَظْهَرُ بين هذه الآية وَبَيْنَ السِّيَاقِ مُنَاسَبَةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا علي بن الحسين، حدثنا رَجُلٌ سَمَّاهُ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْأَشْقَرُ عَنْ قَيْسٍ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآية قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَمَرَ الله بمودتهم؟ قال: «فاطمة وولدها رضي الله عنهما» وَهَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ فِيهِ مُبْهَمٌ لَا يُعْرَفُ عن شيخ شيعي مخترق وَهُوَ حُسَيْنٌ الْأَشْقَرُ وَلَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ فِي هذا المحل، وذكر نزول الْآيَةِ فِي الْمَدِينَةِ بَعِيدٌ فَإِنَّهَا مَكِّيَّةٌ وَلَمْ يكن إذ ذاك لفاطمة رضي الله عنها أولاد بالكلية فإنها لم تتزوج بعلي رضي الله عنه إِلَّا بَعْدَ بَدْرٍ مِنَ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الهجرة والحق تفسير هذه الآية بما فسرها به حَبْرُ الْأُمَّةِ وَتُرْجُمَانُ الْقُرْآنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا كما رواه عنه البخاري وَلَا تُنْكَرُ الْوَصَاةُ بِأَهْلِ الْبَيْتِ وَالْأَمْرُ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ وَاحْتِرَامِهِمْ وَإِكْرَامِهِمْ، فَإِنَّهُمْ مِنْ ذُرِّيَّةٍ طَاهِرَةٍ مِنْ أَشْرَفِ بَيْتٍ وُجِدَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَخْرًا وَحَسَبًا وَنَسَبًا، وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانُوا متبعين للسنة النبوية
(١) انظر تفسير الطبري ١١/ ١٤٤.
(٢) تفسير الطبري ١١/ ١٤٤.
الصَّحِيحَةِ الْوَاضِحَةِ الْجَلِيَّةِ، كَمَا كَانَ عَلَيْهِ سَلَفُهُمْ كَالْعَبَّاسِ وَبَنِيهِ وَعَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ وَذُرِّيَّتِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم قَالَ فِي خُطْبَتِهِ بِغَدِيرِ خُمٍّ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي، وَإِنَّهُمَا لَمْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» «١» وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «٢» : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ عَبْدِ الله بن الحارث عن العباس بن عبد المطلب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ قُرَيْشًا إِذَا لَقِيَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا لَقُوهُمْ بِبِشْرٍ حَسَنٍ، وَإِذَا لَقُونَا لَقُونَا بِوُجُوهٍ لَا نَعْرِفُهَا، قَالَ: فَغَضِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَضَبًا شَدِيدًا وَقَالَ «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَدْخُلُ قلب الرجل الإيمان حتى يحبكم لله ورسوله».
ثُمَّ قَالَ أَحْمَدُ «٣» : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ، قَالَ: دخل العباس رضي الله عنه على رسول الله ﷺ فَقَالَ: إِنَّا لَنَخْرُجُ فَنَرَى قُرَيْشًا تَحَدَّثُ، فَإِذَا رَأَوْنَا سَكَتُوا، فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ودر عرق بين عينيه ثم قال صلى الله عليه وسلم:
«والله لا يدخل قلب امرئ مسلم إِيمَانٌ حَتَّى يُحِبَّكُمْ لِلَّهِ وَلِقَرَابَتِي»، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ وَاقِدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أبي يحدث عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: ارْقُبُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ «٤». وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ الصِّدِّيقَ رضي الله عنه قال لعلي رضي الله عنه: وَاللَّهِ لِقَرَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي «٥»، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِلْعَبَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَاللَّهِ لَإِسْلَامُكَ يَوْمَ أَسْلَمْتَ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ إِسْلَامِ الْخَطَّابِ لَوْ أَسْلَمَ، لَأَنَّ إسلامك كان أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم مِنْ إِسْلَامِ الْخَطَّابِ. فَحَالُ الشَّيْخَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا هُوَ الْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، وَلِهَذَا كَانَا أَفْضَلَ الْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «٦» رَحِمَهُ اللَّهُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي حَيَّانَ التَّيْمِيِّ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ قَالَ: انْطَلَقْتُ أنا وحصين بْنُ مَيْسَرَةَ وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ إِلَى زَيْدِ بن أرقم رضي الله عنه، فلما جلسنا إليه قال حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ وَغَزَوْتَ مَعَهُ وَصَلَّيْتَ مَعَهُ، لَقَدْ رَأَيْتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زيد ما سمعت من
(١) أخرجه مسلم في فضائل الصحابة حديث ٣٦، ٣٧، والدارمي في فضائل القرآن باب ١.
(٢) المسند ١/ ٢٠٧.
(٣) المسند ١/ ٢٠٧، ٢٠٨.
(٤) أخرجه البخاري في فضائل الصحابة باب ١٢، ٢٢، ومسلم في الإيمان حديث ٢٠٥.
(٥) أخرجه البخاري في المغازي باب ٣٨.
(٦) المسند ٤/ ٢٦٦، ٢٦٧.
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا ابن أخي والله لقد كبر سِنِّي وَقَدِمَ عَهْدِي وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوهُ وَمَا لَا فَلَا تكلفونيه، ثم قال رضي الله عنه: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا خَطِيبًا فِينَا بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مكة والمدينة، فحمد الله تعالى وأثنى عليه وذكر ووعظ، ثم قال صلى الله عليه وسلم: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَنِي رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَإِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ تعالى فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا بِهِ» فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَرَغَّبَ فِيهِ وقال صلى الله عليه وسلم: «وأهل بيتي أذكركم فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟
قال: إن نساءه لسن من أهل بيته ولكن أهل بيته من حرم عليه الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟
قَالَ: هُمْ آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل العباس رضي الله عنهم، قال: أكل هؤلاء حرم عليه الصدقة؟ قال: نعم «١»، وهكذا رواه مسلم والنسائي من طرق يَزِيدَ بْنِ حَيَّانَ بِهِ.
وَقَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُنْذِرِ الْكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَالْأَعْمَشُ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أبي ثابت، عن زيد بن أرقم رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي: أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ ممدود من السماء إلى الأرض، والآخر عترة أهل بيتي ولن يفترقا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فيهما» «٢» تفرد بروايته ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ «٣» أَيْضًا: حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ جَعْفَرِ بن محمد بن الحسن عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عنهما قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ:
«يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي» تَفَرَّدَ بِهِ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَأَبِي سَعِيدٍ وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَحُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ رضي الله عنهم.
ثم قال الترمذي «٤» أيضا: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ النَّوْفَلِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عباس رضي الله عنهم، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «أحبوا الله تعالى لِمَا يَغْذُوكُمْ مِنْ نِعَمِهِ، وَأَحِبُّونِي بِحُبِّ اللَّهِ وَأَحِبُّوا أَهْلَ بَيْتِي بِحُبِّي» ثُمَّ قَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَدْ أَوْرَدْنَا أَحَادِيثَ أُخَرَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ
(١) أخرجه مسلم في فضائل الصحابة حديث ٣٧.
(٢) أخرجه الترمذي في المناقب باب ٣١.
(٣) كتاب المناقب باب ٣١.
(٤) كتاب المناقب باب ٣١.

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
{ ٢٤ } ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾
يعني أم يقول المكذبون للرسول ﷺ جرأة منهم وكذبا :﴿افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ فرموك بأشنع الأمور وأقبحها، وهو الافتراء على الله بادعاء النبوة والنسبة إلى الله ما هو بريء منه، وهم يعلمون صدقك وأمانتك، فكيف يتجرأون على هذا الكذب الصراح ؟
بل تجرأوا بذلك على الله تعالى، فإنه قدح في الله، حيث مكنك من هذه الدعوة العظيمة، المتضمنة -على موجب زعمهم- أكبر الفساد في الأرض، حيث مكنه الله من التصريح بالدعوة، ثم بنسبتها إليه، ثم يؤيده بالمعجزات الظاهرات، والأدلة القاهرات، والنصر المبين، والاستيلاء على من خالفه، وهو تعالى قادر على حسم هذه الدعوة من أصلها ومادتها، وهو أن يختم على قلب الرسول ﷺ فلا يعي شيئا ولا يدخل إليه خير، وإذا ختم على قلبه انحسم الأمر كله وانقطع.
فهذا دليل قاطع على صحة ما جاء به الرسول، وأقوى شهادة من الله له على ما قال، ولا يوجد شهادة أعظم منها ولا أكبر، ولهذا من حكمته ورحمته، وسنته الجارية، أنه يمحو الباطل ويزيله، وإن كان له صولة في بعض الأوقات، فإن عاقبته الاضمحلال.
﴿وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ الكونية، التي لا تغير ولا تبدل، ووعده الصادق، وكلماته الدينية التي تحقق ما شرعه من الحق، وتثبته في القلوب، وتبصر أولي الألباب، حتى إن من جملة إحقاقه تعالى الحق، أن يُقَيِّضَ له الباطل ليقاومه، فإذا قاومه، صال عليه الحق ببراهينه وبيناته، فظهر من نوره وهداه ما به يضمحل الباطل وينقمع، ويتبين بطلانه لكل أحد، ويظهر الحق كل الظهور لكل أحد.
﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي : بما فيها، وما اتصفت به من خير وشر، وما أكنته ولم تبده.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{٢٤} ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.
يعني أم يقول المكذبون للرسول ﷺ جرأة منهم وكذبا: ﴿افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ فرموك بأشنع الأمور وأقبحها، وهو الافتراء على الله بادعاء النبوة والنسبة إلى الله ما هو بريء منه، وهم يعلمون صدقك وأمانتك، فكيف يتجرأون على هذا الكذب الصراح؟
بل تجرأوا بذلك على الله تعالى، فإنه قدح في الله، حيث مكنك من هذه الدعوة العظيمة، المتضمنة -على موجب زعمهم- أكبر الفساد في الأرض، حيث مكنه الله من التصريح بالدعوة، ثم بنسبتها إليه، ثم يؤيده بالمعجزات الظاهرات، والأدلة القاهرات، والنصر المبين، والاستيلاء على من خالفه، وهو تعالى قادر على حسم هذه الدعوة من أصلها ومادتها، وهو أن يختم على قلب الرسول ﷺ فلا يعي شيئا ولا يدخل إليه خير، وإذا ختم على قلبه انحسم الأمر كله وانقطع.
فهذا دليل قاطع على صحة ما جاء به الرسول، وأقوى شهادة من الله له على ما قال، ولا يوجد شهادة أعظم منها ولا أكبر، ولهذا من حكمته ورحمته، وسنته الجارية، أنه يمحو الباطل ويزيله، وإن كان له صولة في بعض الأوقات، فإن عاقبته الاضمحلال.
﴿وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ الكونية، التي لا تغير ولا تبدل، ووعده الصادق، وكلماته الدينية التي تحقق ما شرعه من الحق، وتثبته في القلوب، وتبصر أولي الألباب، حتى إن من جملة إحقاقه تعالى الحق، أن يُقَيِّضَ له الباطل ليقاومه، فإذا قاومه، صال عليه الحق ببراهينه وبيناته، فظهر من نوره وهداه ما به يضمحل الباطل وينقمع، ويتبين بطلانه لكل أحد، ويظهر الحق كل الظهور لكل أحد.
﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: بما فيها، وما اتصفت به من خير وشر، وما أكنته ولم تبده.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (٩٨ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان معاني القرآن — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى تفسير القرآن — الصنعاني تفسير التستري — سهل التستري معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — المراغي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — دروزة التفسير الحديث — محمد عزة دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
افْتَرَى
اخْتَلَقَ.
يَخْتِمْ
يَطْبَعْ.

إعراب الآية ٢٤ من سورة الشورى

من كتاب: إعراب القرآن

[سورة الشورى (٤٢) : آية ٢٣]

ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (٢٣)
ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ مبتدأ وخبره وقراءة الكوفيين يُبَشِّرُ «١» وقد ذكرنا نظيره «٢» غير أن أبا عمرو بن العلاء قرأ هذا وحده يُبَشِّرُ «٣» وقرأ غيره «يبشّر» «٤» وأنكر هذا عليه قوم، وقالوا: ليس بين هذا وبين غيره فرق، والحجّة له ذلك أنه لم يقرأ بشيء شاذ ولا بعيد في العربية ولكن لما كانتا لغتين فصيحتين لم يقتصر على أحدهما فيتوهم السامع أنه لا يجوز غيرها فجاء بهما جميعا، وهكذا يفعل الحذّاق. وفي القرآن نظيره مما قد اجتمع عليه، وهو قوله جلّ وعزّ: فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ [البقرة: ٢٨٢] من أملّ يمل وفي موضع أخر فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الفرقان: ٥] من أملى يملي. قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى. قال أبو جعفر: قد ذكرنا معناه مستقصى.
فأما الإعراب فهذا موضع ذكره «المودّة» في موضع نصب لأنه استثناء ليس من الأول، وسيبويه «٥» يمثله بمعنى «لكن»، وكذا قال أبو إسحاق، قال: «أجرا» تمام الكلام كما قال جلّ وعزّ: قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ [الفرقان: ٥٧] ولو لم يكن استثناء ليس من الأول كانت المودة بدلا من أجر وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً شرط يقال: اقترف وقرف إذا كسب، وجواب الشرط. نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً.

[سورة الشورى (٤٢) : الآيات ٢٤ الى ٢٥]

أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٢٤) وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ (٢٥)
اختلف العلماء في تفسير هذا فقال أبو إسحاق: معنى يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ يربط على قلبك بالصبر على أذاهم. قال أبو جعفر: وهذا الذي قاله لا يشبه ظاهر الآية.
وقال غيره: فإن يشأ الله يختم على قلبك لو اقترفت واختلفوا في معنى يَخْتِمْ فقال بعضهم: أي يمنعك من التمييز. وقال بعضهم: معنى: ختم الله على قلبه جعل عليه علامة من سواد أو غيره تعرف الملائكة بها أنه معاقب، كما قال جلّ وعزّ: كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ [المطففين: ١٤] قال أبو جعفر: وفي التفسير أنه إذا عمل العبد خطيئة رين على قلبه فغطي منه شيء فإن زاد زيد في الرّين حتّى يسود قلبه فلا ينتفع بموعظة. وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ منقطع من الأول في موضع رفع. ويجب أن يكتب بالواو
(١) انظر تيسير الداني ١٥٧، والبحر المحيط ٧/ ٤٩٣.
(٢) انظر الآية ٩- الإسراء والكهف ٢.
(٣) انظر تيسير الداني ١٥٧، والبحر المحيط ٧/ ٤٩٣.
(٤) انظر تيسير الداني ١٥٧، والبحر المحيط ٧/ ٤٩٣. [.....]
(٥) انظر الكتاب ٢/ ٣٤٦.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٦ أقوال من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

٤ أقوال
١
قال مجاهد بن جبر: ﴿فَإنْ يَشَأ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾، يعني: يربط عليه بالصبر، حتّى لا يشقّ عليك أذاهم١٢
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٨‏/‏٣١٤، وتفسير البغوي ٧‏/‏١٩٢.
تعليقات المحققين
  1. ٢انتقد ابنُ عطية (٧/٥١٤) -مستندًا إلى السياق- قولَ مجاهد، فقال: «وقال مجاهد في كتاب الثعلبي وغيره: المعنى: ﴿فَإنْ يَشَإ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ بالصبر لأذى الكفار، ويربط عليه بالجلد. فهذا تأويل لا يتضمن الرد على مقالتهم». وبمعناه قول مقاتل.
٢
عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر- في قوله: ﴿فَإنْ يَشَأ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾، قال: إن يشأ الله أنساك ما قد آتاك١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏١٩١، وابن جرير ٢٠‏/‏٥٠٤ من طريق معمر وسعيد. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٣
عن إسماعيل السُّدّيّ -من طريق أسباط- في قوله: ﴿فَإنْ يَشَإ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾، قال: يطبع١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٠‏/‏٥٠٤.
تعليقات المحققين
  1. ٢لم يذكر ابنُ جرير (٢٠/٥٠٤) غير قول السُّدّي، وقتادة. ووجّه ابنُ عطية (٧/٥١٤) معنى الآية على ما جاء فيهما، فقال: «وقوله تعالى: ﴿فَإنْ يَشَإ اللَّهُ يَخْتِمْ﴾ معناه في قول قتادة وفرقة من المفسرين: ينسيك القرآن. والمراد: الرد على مقالة الكفار وبيان إبطالها، وذلك كأنه يقول: وكيف يصح أن تكون مفتريًا وأنت مِن الله بمرأى ومسمع، وهو قادر لو شاء على أن يختم على قلبك فلا تعقل ولا تنطق ولا يستمر افتراؤك؟! فمقصد اللفظ هذا المعنى، وحذف ما يدل عليه الظاهر اختصارًا واقتصارًا». ورجّح ابنُ القيم (٢/٤٢٦-٤٢٨) -مستندًا إلى اللغة، والسياق، ودلالة العقل- قول قتادة، وانتقد قول مجاهد من وجوه كثيرة: ١- أنّ هذا خرج جوابًا لهم وتكذيبًا لقولهم: إنّ محمدًا كذب على الله وافترى عليه هذا القرآن. فأجابهم بأحسن جواب، وهو أن الله تعالى قادر لا يعجزه شيء، فلو كان كما تقولون لختم على قلبه. ٢- أن مجرد الربط على قلبه بالصبر على أذاهم يصدر من المحقّ والمُبطل، فلا يدل ذلك على التمييز بينهما ولا يكون فيه ردّ لقولهم، فإن الصبر على أذى المكذّب لا يدل بمجرده على صدق المخبر. ٣- أن الرابط على قلب العبد لا يقال له: ختم على قلبه. ولا يُعرف هذا في عُرف المخاطب، ولا لغة العرب، ولا هو المعهود في القرآن. ٤- أنه لا دلالة في سياق الآية على الصبر بوجهٍ ما، لا بالمطابقة ولا التضمن، ولا اللزوم. ٥- أن الختم على القلب لا يستلزم الصبر، بل قد يختم على قلب العبد ويسلبه صبره، بل إذا ختم على القلب زال الصبر وضعف، بخلاف الربط على القلب فإنه يستلزم الصبر.
٤
قال مقاتل بن سليمان: قوله: ﴿أمْ يَقُولُونَ﴾ كفار مكة: إنّ محمدًا ﴿افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ حين زعم أنّ القرآن من عند الله، فشقّ على النبي ﷺ تكذيبهم إيّاه، يقول الله تعالى: ﴿فَإنْ يَشَإ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ يقول: يربِط على قلبك، فلا يدخل في قلبك المشقّة مِن قولهم: بأن محمدًا كذّاب مُفتَرٍ١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏٧٦٩.

قراءات

قول واحد
١
عن النضر، عن هارون: ﴿يَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ﴾ كُتِبَت على الوصل، وهي مستأنفة، وليست بمجازاة. ألا ترى أنه قال: ﴿ويُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه إسحاق البستي ص٣٠٣. وهي قراءة العشرة وصلًا ووقفًا.

تفسير الآية

قول واحد
١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ويَمْحُ اللَّهُ﴾ إن شاء ﴿الباطِلَ﴾ الذي يقولون: بأنك كذّاب مفترٍ، من قلبك، ﴿ويُحِقُّ﴾ الله ﴿الحَقَّ﴾ وهو الإسلام ﴿بِكَلِماتِهِ﴾ يعني: القرآن الذي أنزل عليه، ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ يعني: القلوب، يعلم ما في قلب محمد ﷺ مِن الحُزن من قولهم بتكذيبهم إيّاه١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏٧٧٠.
التفسير بالمأثور لسورة الشورى كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٢٤ من سورة الشورى

وقفتانِ في هذه الآية

  • {فإن يشأ الله يختم على قلبك} وعيد شديد من مالك القلوب بالختم على ملك الأعضاء ثم تأمل لمن خوطب به هذا التهديد

    — محمد بن عبدالعزيز الخضيري

  • ما دلالة تنكير الكذب أو تعريفه؟(د.فاضل السامرائي) نكّر الكذب ليشمل كل كذب عام لأن المعرفة ما دلّ على شيء معين. الكذب يقصد شيئاً معيناً بأمر معين هنالك أمر في السياق يقصده فذكر الكذب، فلما يقول الكذب فهو كذب عن أمر معين بالذات مذكور في السياق أما عندما يقول كذب فيشمل كل كذب مثل قوله تعالى (كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (93) فَمَنِ افْتَرَىَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (94) آل عمران) الكلام عن الطعام، أمر معين، هو حرّم على نفسه وكذب على الله وقال حرّم كذا قال فاتوا بالتوراة في هذه المسألة مسألة الطعام فقال (فَمَنِ افْتَرَىَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ) لأن الكذب في مسألة معينة محددة. هذا التعريف. التنكير: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (92) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (93) الأنعام) ليس هنالك مسألة معينة ذكرها فهذه عامة، كذب يشمل كل كذب وليس الكذب في مسألة معينة. (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِن يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (24) الشورى) لم يقل ما هو الشيء. إذن التنكير في اللغة يفيد العموم والشمول.

    — فاضل السامرائي

ترجمات معاني الآية ٢٤ من سورة الشورى

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(24) Or do they say, "He has invented about Allāh a lie"? But if Allāh willed, He could seal over your heart.[1422] And Allāh eliminates falsehood and establishes the truth by His words. Indeed, He is Knowing of that within the breasts.
[1422]- i.e., He could make you forget the Qur’ān and deprive you of it.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال