جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
يقول تعالى ذكره لنبيه ﷺ : إنما يستأذنك يا محمد في التخلف خلافك، وترك الجهاد معك من غير عذر بين الذين لا يصدّقون بالله، ولا يقرّون بتوحيده. وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ يقول : وشكت قلوبهم في حقيقة وحدانية الله، وفي ثواب أهل طاعته، وعقابه أهل معاصيه. فَهُمْ فِي رَيْبهْمِ يَتردّدوَن يقول : في شكهم متحيرون، وفي ظلمة الحيرة مترددون، لا يعرفون حقّا من باطل، فيعملون على بصيرة. وهذه صفة المنافقين.
وكان جماعة من أهل العلم يرون أن هاتين الآيتين منسوختان بالآية التي ذكرت في سورة النور. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يحيى بن واضح، عن الحسين، عن يزيد، عن عكرمة والحسن البصري، قالا : قوله : لا يَسْتأذِنُكَ الّذِينَ يُؤمِنُونَ باللّهِ. . . إلى قوله : فَهُمْ في رَيْبِهِمْ يَتَرَدّدُونَ نسختهما الآية التي في النور : إنّمَا المُؤمِنُونَ الّذِينَ آمَنُوا باللّهِ. . . إلى : إنّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
وقد بيّنا الناسخ والمنسوخ بما أغنى عن إعادته ههنا.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
١٦٧٦٨- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: (لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله)، فهذا تعييرٌ للمنافقين حين استأذنوا في القُعود عن الجهاد من غير عُذْر، وعَذَر الله المؤمنين، فقال: (لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ)، [سورة النور: ٦٢].
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥)﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: إنما يستأذنك، يا محمد، في التخلف خِلافكَ، وترك الجهاد معك، من غير عذر بيِّنٍ، الذين لا يصدّقون بالله، ولا يقرّون بتوحيده = (وارتابت قلوبهم)، يقول: وشكت قلوبهم في حقيقة وحدانية الله، وفي ثواب أهل طاعته، وعقابه أهل معاصيه (٣) = (فهم في ريبهم يترددون)، يقول: في شكهم متحيِّرون، وفي ظلمة الحيرة متردِّدون، لا يعرفون حقًّا من باطل، فيعملون على بصيرة. وهذه صفة المنافقين.
(٢) انظر تفسير " التقوى " فيما سلف من فهارس اللغة (وقى).
(٣) انظر تفسير "الارتياب" و "الريب" فيما سلف ١١: ١٧٢، تعليق: ٣، والمراجع هناك = ثم ١١: ٢٨٠، تعليق: ١، والمراجع هناك.