ويأتي لنا الحق سبحانه بالدليل القاطع على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتبع إلا ما يوحى إليه فيقول : إن أتبع إلا ما يوحي إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم( ١٥ ) [ يونس ]، ويأتي الأمر بالرد من الحق سبحانه على الكافرين :
قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون( ١٦ ) :
وهنا يبلغ محمد صلى الله عليه وسلم هؤلاء الذين طلبوا تغيير القرآن أو تبديله : لقد عشت طوال عمري معكم، ولم تكن لي قوة بلاغة أو قوة شعر، أو قوة أدب. فمن له موهبة لا يكتمها إلى أن يبلغ الأربعين، ورأيتم أنه صلى الله عليه وسلم لم يجلس إلى معلم، بل عندما اتهمتموه وقلتم : إنما يعلمه بشر... ( ١٠٣ ) [ النحل ]، وفضحكم الحق سبحانه بأن أنزل في القرآن قوله تعالى :
لسان الذي يلحدون إليه( ١ ) أعجمي( ٢ ) وهذا لسان عربي مبين( ١٠٣ ) [ النحل ]، ولم يخرج النبي صلى الله عليه وسلم من شبه الجزيرة العربية، ولم يقرأ مؤلفات أحد. فمن أين جاء القرآن إذن ؟
لقد جاء من الله سبحانه، وعليكم أن تعقلوا ذلك، ولا داعي للاتهام بأن القرآن من عند محمد ؛ لأنكم لم تجربوه خطيبا أو شاعرا، بل كل ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد أن نزلت عليه الرسالة، هو بلاغ من عند الله.
وبطبيعة الحال لا يمكن أن ينسب الكمال إلى إنسان فينفيه، فالعادة أن يسرق شاعر-مثلا- قصيدة من شاعر آخر، أو أن ينتحل( ٣ ) كاتب مقالة من آخر. لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يبلغكم أن كمال القرآن ليس من عنده، بل هو مجرد مبلغ له، وكان يجب أن يعقلوا تلك القضية بمقدماتها ونتائجها ؛ فلا يلقوا لأفكارهم العنان( ٤ ) ؛ ليكذبوا ويعاندوا، فالأمر بسيط جدا( ٥ ).
يقول الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم : قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون( ١٦ ) [ يونس ].
إذن : فالمقدمة التي يريد الحق سبحانه وتعالى أن يقنع بها الكافرين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أرسله الله رسولا من أنفسهم( ٦ )، فإن قلت : إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم.. ( ١٦٤ ) [ آل عمران ] : أي : أنه صلى الله عليه وسلم من جنس الناس، لا من جنس الملائكة، أو من أنفسهم أي : من أمة العرب، لا من أمة العجم، أو من أنفسهم أي : من قبيلتهم التي يكذب أصحابها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إذن : فحياته صلى الله عليه وسلم معروفة معلومة لكم، لم يغب عنكم فترة ؛ لتقولوا بعث بعثة ؛ ليتعلم علما من مكان آخر، ولم يجلس إلى معلم عندكم ولا إلى معلم خارجكم، ولم يتل كتابا، فإذا كان الأمر كذلك، فيجب أن تأخذوا من هذا مقدمة وتقولوا : فمن أين جاءت له هذه الحكمة فجأة ؟
أنتم تعلمون أن المواهب والعبقريات لا تنشأ في الأربعينات، ولكن مخايل العبقرية إنما تنشأ في نهاية العقد الثاني وأوائل العقد الثالث، فمن الذي أخر العبقرية عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقول هذا القول البليغ الذي أعجزكم، وأنتم أمة البلاغة وأمة الفصاحة المرتاضون( ٧ ) عليها من قديم، وعجزتم أمام ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ؟.
كان يجب أن تقولوا : لم نعرف عنه أنه يعلم شيئا من هذا، فإذا حل لكم اللغز وأوضح لكم : أن القرآن ليس من عندي ؛ كان يجب أن تصدقوه ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم يعزوه إلى خالقه وربه سبحانه. والدليل على أنكم مضطربون في الحكم أنكم ساعة يقول لكم : القرآن بلاغ عن الله، تكذبونه، وتقولون : لا، بل هو من عندك، فإذا فتر عنه الوحي مرة قلتم : قلاه( ٨ ) ربه. لماذا اقتنعتم بأن له ربا يصله بالوحي ويهجره بلا وحي ؟
أنتم-إذن-أنكرتم حالة الوصل بالوحي، واعترفتم بالإله الخالق عندما غاب عنه الوحي، وكان يجب أن تنتبهوا وتعودوا إلى عقولكم ؛ لتحكموا على هذه الأشياء، وقد ذكر الحق سبحانه ذلك الأمر في كثير من آياته، يقول سبحانه : وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم( ٩ ) أيهم يكفل( ١٠ ) مريم( ٤٤ ) [ آل عمران ]، ويقول سبحانه : وما كنت بجانب الغربي( ١١ ) إذ قضينا إلى موسى الأمر.. ( ٤٤ ) [ القصص ].
ويقول سبحانه : وما كنت ثاويا( ١٢ ) في أهل مدين.. ( ٤٥ ) [ القصص ]، ويقول سبحانه :
وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون( ٤٨ ) [ العنكبوت ].
فمن أين جاءت تلك البلاغة ؟ كان يجب أن تأخذوا هذه المقدمات ؛ لتحكموا بأنه صادق في البلاغ عن الله ؛ لذلك ينهي الحق سبحانه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها بقوله : أفلا تعقلون .
وحين ينبهك الحق سبحانه وتعالى إلى أن تستعمل عقلك، فهذا دليل على الثقة في أنك إذا استعملت عقلك ؛ وصلت إلى القضية المرادة. والله سبحانه وتعالى منزه عن خديعة عباده. فمن يخدع الإنسان هو من يحاول أن يصيب عقله بالغفلة، ولكن الذي ينبه العقل هو من يعلم أن دليل الحقيقة المناسبة لما يقول، يمكن الوصول إليه بالعقل.
وقول الحق سبحانه في آخر الآية : أفلا تعقلون يدلنا على أن القضية التي كذبوا فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم نشأت من عدم استعمال عقولهم، فلو أنهم استعملوا عقولهم في استخدام المقدمات المحسة التي يؤمنون بها ويسلمون ؛ لانتهوا إلى القضية الإيمانية التي يقولها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولو أنهم فكروا وقالوا : محمد نشأ بيننا ولم نعرف له قراءة، ولا تلاوة كتاب ولا جلوسا إلى معلم، ولم يغب عنا فترة ليتعلم، وظل مدة طويلة إلى سن الأربعين ولم يرتض على قول ولا على بلاغة ولا على بيان ؛ فمن أين جاءته هذه الدفعة القوية ؟
كان يجب أن يسألوه هو عنها : من أين جاءتك هذه ؟ وما دام قد قال لهم : إنها جاءته من عند الله، فكان يجب أن يصدقوه.
ومهمة العقل دائما مأخوذة من اشتقاقه، " فالعقل " ( ١٣ ) مأخوذ من " عقال " البعير. وعقال البعير هو الحبل الذي يربط به ساقي الجمل ؛ حتى لا ينهض ويقوم ؛ لنوفر له حركته فيما نحب أن يتحرك فيه، فبدلا من أن يسير هكذا بدون غرض، وبدون قصد، فنحن نربط ساقيه ؛ ليرتاح ولا يتحرك، إلى أن نحتاجه في حركة.
إذن : فالعقل إنما جاء ؛ ليحكم الملكات ؛ لأن كل ملكة لها نزوع إلى شيء، فالعين لها ملكة أن ترى كل شيء، فيقول لها العقل : لا داعي أن تشاهدي ذلك ؛ لأنه منظر سيؤذيك، والأذن تحب أن تسمع كل قول، فيقول لها العقل : لا تسمعي إلى ذلك ؛ حتى لا يضرك( ١٤ ).
إذن : فالعقل هو الضابط على بقية الجوارح. وكذلك كلمة " الحكمة "، مأخوذة من " الحكمة " ( ١٥ ) وهي في " اللجام " الذي يوضع في فم الفرس ؛ حتى لا يجمح، وتظل حركته محسوبة ؛ فلا يتحرك إلا إلى الاتجاه الذي تريده.
إذن : شاء الحق سبحانه أن يميز الإنسان بالعقل والحكمة ؛ ليقيم الموازين لملكات النفس ؛ فخذوا المقدمات المحسة التي تؤمنون بها وتشهدونها وتسلمونها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لتستنبطوا أنه جاء بكلامه من عند الله تعالى.
٢ عجم: العجم والعجم: خلاف العرب والعرب. ورجل عجمي أو أعجمي: غير عربي. قال أبو إسحاق: الأعجم: الذي لا يفصح ولا يبين كلامه وإن كان عربيا. والعجمى هو الذي من جنس العجم أفصح أو لم يفصح. قال تعالى:ولو نزلناه على بعض الأعجمين(١٩٨) فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين(١٩٩)[الشعراء]..
٣ ينتحل الشيء: ينسبه إلى نفسه. نحله القول: نسبه إليه. ونحل الشاعر قصيدة إذا نسبت إليه وهي من قيل غيره.[لسان العرب: مادة نحل]..
٤ العنان: عنان اللجام: السير الذي تمسك به الدابة، والجمع: أعنة. والعنان: الحبل. والمراد هنا: تشبيه الأفكار بالبعير الذي له عقال أو عنان؛ إذا أرخيته له سار وانطلق كما يشاء ويهوى على غير هدى. والعنان للدواب كالعقل للإنسان فإذا فسد العقل ضل صاحبه، وإذا لم يعقل الإنسان أفكاره يضل.[لسان العرب: مادة (عنن)-بتصرف]..
٥ فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان أميا لا يقرأ ولا يكتب، يقول الحق سبحانه:وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لأرتاب المبطلون(٤٨)[العنكبوت]..
٦ وفي هذا يقول الحق سبحانه:لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم(١٢٨)[التوبة]..
٧ المرتاضون: الذين لهم دربة، قد ذللت ألسنتهم على الفصاحة والبلاغة..
٨ قلاه ربه: أبغضه وتركه. ولذلك قال له ربه:ما وعدك ربك وما قلى(٣)[الضحى].
.
٩ أقلامهم: سهامهم، وقيل: أقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة. قال الزجاج: الأقلام هنا: القداح. وهي قداح جعلوا عليها علامات يعرفون بها من يكفل مريم، على جهة القرعة، وإنما قيل للسهم: القلم؛ لأنه يقلم، أي: يبرى. وكل ما قطعت منه شيئا بعد شيء فقد قلمته، من ذلك القلم الذي يكتب به، وإنما سمي قلما؛ لأنه قلم مرة بعد مرة، ومن هذا قيل: قلمت أظافري. قال تعالى:ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله..(٢٧)[لقمان].[لسان العرب: مادة (قلم)-بتصرف]..
١٠ يكفل: يعول، والكافل: العائل. قال تعالى:وكفلها زكريا..(٣٧)[آل عمران]..
١١ الغربي: الجبل الغربي الذي كلم الله سبحانه نبيه موسى عليه السلام عنده من الشجرة التي هي شرقية على شاطئ الوادي المقدس (طوى).[تفسير ابن كثير: ٣/٣٩١-بتصرف]..
١٢ ثاويا: مقيما والثواء: الإقامة، ثويت بالمكان: أقمت فيه. قال تعالى:ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين..(١٥١)[آل عمران]. [لسان العرب: مادة (ثوا)-بتصرف]..
١٣ العقل: النهى، ضد الحمق، وعقل يعقل فهو عاقل. قال ابن الأنباري: الرجل العاقل هو الجامع لأمره ورأيه، مأخوذ من عقلت البعير إذا جمعت قوائمه، وقيل: العاقل هو الذي يحبس نفسه ويردها عن هواها. والعقل: التثبت في الأمور..
١٤ وقد قال سبحانه:عن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا(٣٦)[الإسراء]..
١٥ حكمة اللجام: ما أحاط بحنكي الفرس، سميت بذلك لأنها تمنعه من الجري الشديد. وقيل: الحكمة حديدة في اللجام تكون على أنف الفرس وحنكه تمنعه من مخالفة راكبه. [لسان العرب: مادة (حكم)].
وعن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:{ما من آدمي إلا في رأسه حكمة بيد ملك، فإذا تواضع قيل للملك: ارفع حكمته، وإذا تكبر قيل للملك: ضع حكمته" أخرجه الطبراني في معجمه الكبير (١٢٩٣٩) وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/٨٢) وقال: إسناده حسن..
تفسير الشعراوي
الشعراوي