ﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯ

وبعد ذلك يقول الحق سبحانه :
وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين( ٣٧ ) :
وحين تستمع للقرآن وما فيه من سر الأعداد والإخبار بالمغيبات التي لا تخضع لمنطق الزمان، ولا لمنطق المكان، فالفطرة السليمة توق أن هذا القرآن لا يمكن أن يفترى، بل لا بد أن قائله ومنزله عليم خبير ؛ لأن القرآن جاء مصدقا لما بين يديه من الكتب السابقة.
أي : أن ما به دائما هو أمام الناس، أو مواجه لهم، وهو كتاب مصدق للكتب السابقة من قبل تحريفها كالتوراة والإنجيل والزبور( ١ )، وهي الكتب التي سبقت القرآن نزولا، لا واقعا، فجاء القرآن مصدقا لها.
أي : هي تصدقه، وهو يصدقها من قبل تحريفها، وهي الكتب التي بشرت بمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا، مثلما جاء في القرآن عن تصديق عيسى عليه السلام بمجيء محمد عليه الصلاة والسلام : ومبشرا برسول يأتي من بعده اسمه أحمد.. ( ٦ ) [ الصف ] : فلما جاء أحمد ( محمد صلى الله عليه وسلم ) ونزل عليه القرآن صدق الإنجيل في قوله هذا، وما جاء في القرآن من عقائد أصيلة هي عقائد جاءت بها كل الكتب السماوية، فالحق سبحانه يقول : إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داوود زبورا( ١٦٣ ) [ النساء ]، ويقول الحق سبحانه : شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه.. ( ١٣ ) [ الشورى ] : إذن : فهنالك أصول جاءت بها كل الكتب السماوية، وهناك كذلك أخبار أخبرت عن حدوثها الكتب السماوية، وأبلغنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن وفيه تلك الأخبار، فمن أين جاء محمد صلى الله عليه وسلم بتلك العقائد الصحيحة، وتلك الأخبار الموجودة في الكتب السابقة، وهو صلى الله عليه وسلم لم يكن من أهل الكتاب، ولا علم منهم شيئا( ٢ ) ؟
إذن : فعندما يقول محمد صلى الله عليه وسلم ما جاء ذكره في الكتب السابقة على القرآن، فهذه الكتب مصدقة لما جاء به محمد صلى اله عليه وسلم ؛ لأن هذه الأخبار قد وقعت، وهذا تأكيد لصدقه ؛ لأنه بشهادة أهل زمانه لم يجلس إلى معلم، ولم يقرأ كتابا، وتاريخه وسيرته معروفة ؛ لأنه من أنفسكم، ولم يعلم عنه أنه قد زاول كلاما بليغا، أو خطب في قوم قبل الرسالة، أو قال شعرا.
وبعد ذلك فوجئ هو-كما فوجئتم أنتم-بمجيء هذا البيان الرائع، فمن أين جاء به ؟
أنتم تقولون إنه هو الذي جاء به، لكنه صلى الله عليه وسلم ينسب الرفعة لصاحبها، ويعلن أنه صلى الله عليه وسلم مبلغ فقط، فيقول ما أمره الله به أن يقوله : قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون( ١٦ ) [ يونس ].
ويحض القرآن الكريم النبي صلى الله عليه وسلم أن يسألهم : هل لاحظوا على كلماته-من قبل- البلاغة والفصاحة أو الشعر ؟ !
ولننظر في " ماكنات " ( ٣ ) القرآن الكريم، وهي الآيات التي يقول فيها الحق سبحانه : وما كنت مثل قوله سبحانه : ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم( ٤ ) أيهم يكفل مريم.. ( ٤٤ ) [ آل عمران ] : وهذا أمر ثابت في الأخبار، وقوله الحق سبحانه : وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين( ٤٤ ) [ القصص ] : والوحي إلى موسى-عليه السلام- والمكان الذي نزل فيه ذلك الوحي أمر ثابت في الأخبار.
وقول الحق سبحانه : ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل مدين( ٥ ) تتلو عليهم آياتنا ولكن كنا مرسلين( ٤٥ ) [ القصص ] : وكثير من هذه الآيات تجعل محمدا صلى الله عليه وسلم وكأنه يسأل المعاصرين له : كيف أخبرت بوقائع وأخبار لم أكن موجودا في زمانها أو مكانها ؟
لابد-إذن- أن الله الحق-سبحانه-هو الذي أخبرني بما وافق ما عندكم من أخبار.
وبعد ذلك جاء القرآن الكريم مصدقا لما بين يديه : فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه.. ( ٩٧ ) [ البقرة ] : أي : أنه الكتاب الذي يضم صدق كل حدث قادم ؛ لأن القرآن خرق حجب وحجز الماضي والمستقبل.
ونحن نعلم أن الأشياء الغيبية تحدث بسببين ؛ الأول : أن يتكلم عن شيء سبق الزمان الذي نزل فيه، فهو يتكلم في الماضي الذي لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل الاطلاع والتعلم ليعرفه ويعلمه.
وكذلك خرق القرآن الكريم حجب الحاضر الذي عاصر نزوله، هذا الحاضر الذي قد يكون محجوبا بالمكان.
وأضرب هذا المثل-ولله المثل الأعلى- فقد يحدث حادث في الإسكندرية في نفس الوقت الذي تكون أنت فيه موجودا بالقاهرة، وأنت لا تعلم هذا الحدث ؛ لأنه محجوب عنك ببعد المكان، وحاجز المكان يتمثل-غالبا- في الأمور الحاضرة، أما أمور المستقبل فهي محجوبة عنا بالزمان والمكان معا.
وحين يخبرنا القرآن بحدث ماض لم يشهده رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يتعلمه، ولم يقرأ عنه ؛ إذن : فالقرآن إنما يخرق أمامنا حجاب الزمن الماضي. وإذا أخبر القرآن بحدث حاضر في غير مكان نزوره على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا خرق لحجاب المكان مثل قول الحق سبحانه : ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول.. ( ٨ ) [ المجادلة ] : وحين سمع المنافقون والكفار هذا القول الكريم، لم ينكروا أنهم قالوا في أنفسهم ما جاء به القرآن، وهكذا خرق القرآن حاجز المكان في أنفسهم هم.
إذن : فأخبار الغيب في القرآن إما خرق لزمان ماض أو خرق لزمان الحال، وإما خرق لزمان ومكان الاستقبال.
ونحن نعلم أن القرآن كان ينزل والمسلمون ضعاف، لا يستطيعون حماية أنفسهم، ولا أحد يجير على أحد، ويتجه النبي صلى الله عليه وسلم على الطائف ليعرض الإسلام على أهلها، لعله يلتمس لهم مجيرا من أهل الطائف ؛ ولكنه صلى الله عليه وسلم لا يجد إلا الإيذاء والإعراض( ٦ )، ويوصي بعضا من صحابته أن يهاجروا على الحبشة( ٧ ). وفي ظل كل هذه الأزمات، ينزل قول القرآن : سيهزم الجمع ويولون الدبر.. ( ٤٥ ) [ القمر ] : حتى إن عمر بن الخطاب-رضي الله عنه-يتساءل : أي جمع هذا الذي يهزم، ونحن غير قادرين على حماية أنفسنا ؟ ثم تأتي غزوة بدر ويشهد عمر هزيمة وفرار مقاتلي قريش ؛ فيرى رأى العين صدق ما جاء به الوحي من قبل( ٨ ).
وهكذا تأكد الجميع أن القرآن الكريم غير مفترى، فكيف يتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه افتراه ؟
وإذا كان هذا القرآن مفترى، فلماذا لا تفترون مثله ؟ وفيكم الشعراء والبلغاء والخطباء ؟ ! ولم يقل محمد صلى الله عليه وسلم أنه بليغ أو خطيب أو شاعر، ولم يطلب القرآن الكريم منهم أن يأتوا بواحد مثل محمد صلى الله عليه وسلم، لا صلة له بالبلاغة أو الفصاحة، بل يطلب منهم أن يأتوا بالفصحاء كلهم، ويدعوهم أن يقولوا مثل آية واحدة من القرآن.
وإن قالوا : إن ما جاء به هو السحر، وإن محمدا ساحر قد سحر العبيد والضعاف، وأدخلهم في الإسلام، فلماذا لم يسحركم محمد ؟
إن بقاءكم من غير سحر يدل على أن إطلاقكم كلمة السحر على ما جاء به دعوى كاذبة.
ثم يقول الحق سبحانه : وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين.. ( ٣٧ ) [ يونس ] : فالقرآن قد جاء فيه تفصيل كل الأحكام الصالحة على قيام الساعة، أما الكتب السابقة على القرآن فكانت تضم الأحكام المناسبة لزمانها، ولأمكنة نزولها.
وهو كتاب لا يرب فيه أي : لا شك فيه، يكشف الكفار، ويفضح ارتيابهم وكذبهم، فهم قد اعترفوا بعظمة القرآن وقالوا : لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم.. ( ٣١ ) [ الزخرف ] : إذن : فهم قد عرفوا أن القرآن لا عيب فيه، ولا ريب، حتى من الكافرين به. ويأتي الرد على قولهم بالافتراء، في قول الحق سبحانه :
أم يقولن افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين( ٣٨ ) :

١ الزبور: هو كتاب داود عليه السلام. وأصله: كل كتاب مزبور أي: مكتوب. قال تعالى:ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا..(٥٥)[الإسراء]..
٢ من وفي هذا يقول الحق سبحانه:وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لأرتاب المبطلون(٤٨)[العنكبوت]..
٣ "ماكنات" القرآن هي الآيات التي وردت فيها لفظة:ما كنت، وهذا في إحدى عشرة آية هي:[آل عمران: ٤٤]، [هود: ٤٩]، [يوسف: ١٠٣]، [قصص: ٨٦، ٤٦، ٤٥، ٤٤]،[العنكبوت: ٤٨]،[الشورى: ٥٨]..
٤ الأقلام هنا: القداح، وهي قداح جعلوا عليها علامات يعرفون بها من يكفل مريم على جهة القرعة، وإنما قيل للقدح: القلم لأنه يقلم أي: يبرى.[اللسان مادة: قلم]..
٥ ثاويا: مقيما، ومدين: قرية شعيب عليه السلام..
٦ كان هذا بعد وفاة عمه أبي طالب، الذي كان مدافعا عنه، حاميا له من أذى المشركين، ولكن أهل الطائف قعدوا له صلى الله عليه وسلم صفين على طريقه، وجعلوا لا يرفع رجليه ولا يضعهما إلا ضربوهما بالحجارة حتى أدموا رجليه.[دلائل النبوة للبيهقي٢/٤١٥]. عند ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اللهم إني اشكوا إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي". منحه الله الإسراء فوق العقل البشري، والمعراج فوق الفوق؛ وذلك لحمايته له ورعايته لدينه..
٧ عن أم سلمة أنها قالت:"لما ضاقت علينا مكة، وأوذي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفتنوا ورأوا ما يصيبهم من البلاء والفتنة في دينهم، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يستطيع دفع ذلك عنهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في منعة من قومه ومن عمه، لا يصل إليه شيء مما يكره مما ينال أصحابه، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن بأرض الحبشة ملكا لا يظلم أحد عنده، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجا ومخرجا مما أنتم فيه" حديث طويل أخرجه البيهقي في دلائل النبوة(٢/٣٠١) وأورده ابن هشام في السيرة بنحوه (١/٣٢١)..
٨ عن عكرمة قال: لما نزلت:سيهزم الجمع ويولون الدبر(٤٥)[القمر] قال عمر: أي جمع يهزم؟ أي: أي جمع يغلب؟ قال عمر: فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يثب في الدرع وهو يقول:سيهزم الجمع ويولون الدبر(٤٥)[القمر] فعرفت تأويلها يومئذ. ذكره ابن كثير في تفسيره (٤/٢٦٦) وعزاه لابن أبي حاتم..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير