ويقول الحق سبحانه بعد ذلك :
ألا إن لله ما في السماوات والأرض ألا إن وعد( ١ ) الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون( ٥٥ ) :
و " ألا " في اللغة يقال عنها " أداة تنبيه " وهي تنبه السامع أن المتكلم سيقول بعدها كلاما في غاية الأهمية، والمتكلم-كما نعلم- يملك زمام لسانه، بحكم وضعه كمتكلم، لكن السامع يكون في وضع المفاجأ.
وقد يتكلم متكلم بما دار في ذهنه ليبرزه على لسانه للمخاطب، ولكن المخاطب يفاجأ، وإلى أن ينتبه قد تفوته كلمة أو اثنتان مما يقوله المتكلم.
والله سبحانه وتعالى يريد ألا يفوت السامع لقوله أي كلمة، فأتى بأداة تنبيه تنبه إلى الخبر القادم بعدها، وهو قول الحق سبحانه : إن لله ما في السماوات والأرض.. ( ٥٥ ) [ يونس ] : هكذا شاء الحق سبحانه أن تأتي أداة التنبيه سابقة للقضية الكلية، وهي أنه سبحانه مالك كل شيء، فهو الذي خلق الكون، وخلق الإنسان الخليفة، وسخر الكون للإنسان الخليفة، وأمر الأسباب أن تخضع لمسببات عمل العامل ؛ فكل من يجتهد ويأتي بالأسباب ؛ فهي تعطيه، سواء أكان مؤمنا أو كافرا.
وإذا خدمت الأسباب الإنسان، وكان هذا الإنسان غافلا عن ربه أو عن الإيمان به، ويظن أن الأسباب قد دانت له بقوته، ويفتن بتلك الأسباب، ويقول مثلما قال قارون : إنما أوتيته( ٢ ) على علم عندي.. ( ٧٨ ) [ القصص ].
فالذي نسى مسبب الأسباب، وارتبط بالأسباب مباشرة، فهو ينال العذاب، وإن لم يكن في الدنيا ففي الآخرة ؛ فكأن الحق سبحانه ينبههم : تنبهوا أيها الجاهلون، وافهموا هذه القضية الكبرى : إن لله ما في السماوات والأرض.. ( ٥٥ ) [ يونس ].
فإياك أيها الإنسان أن تغتر بالأسباب، أو أنك بأسبابك أخذت غير ما يريده الله لك، فهو سبحانه الذي أعطاك وقدر لك، وكل الأسباب تتفاعل لك بعطاء وتقدير من الله عز وجل.
وفي أغيار الكون الدليل على ذلك، ففكرك الذي تخطط به قد تصيبه آفة الجنون، والجوارح مثل اليد أو القدم أو اللسان أو العين أو الأذن قد تصاب أي منها بمرض ؛ فلا تعرف كيف تتصرف.
وكل ما تأتي فيه الأغيار ؛ فهو ليس من ذاتك، وكل ما تملكه موهوب لك من مسبب الأسباب.
فإياك أن تنظر إلى الأسباب، وتنسى المسبب ؛ لأن لله ملك الأشياء التي تحوزها والأدوات التي تحوز بها ؛ بدليل أنه سبحانه حين يشاء يسلبها منك، فتنبه أيها الغافل، وإياك أن تظن أن الأسباب هي الفاعلة، بدليل أن الله سبحانه وتعالى يخلق الأسباب ؛ ثم يشاء ألا تأتي بنتائجها، كمن يضع بذور القطن-مثلا- ويحرث الأرض، ويرويها في مواعيدها، ثم تأتي دودة القطن لتأكل المحصول. إذن : فمرد كل مملوك إلى الله تعالى.
واعلم أن هناك ملكا، وأن هناك ملكا، والملك( ٣ ) هو ما تملكه ؛ جلبابا ؛ أو بيتا، أو حمارا، إلى غير ذلك، أما الملك فهو أن تملك من له ملك، وتسيطر عليه، فالقمة-إذن-في الملك.
وانظر إلى قول الحق سبحانه : قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء.. ( ٢٦ ) [ آل عمران ] : إذن " فالملك في الدنيا كله لله سبحانه.
وكلمة " ألا " جاءت في أول الآية-التي نحن بصدد خواطرنا عنها- لتنبه الغافل عن الحق ؛ لأن الأسباب استجابت له وأعطته النتائج، فاغتر بها، فيجعل الله سبحانه الأسباب تختلف في بعض الأشياء ؛ ليظل الإنسان مربوطا بالمسبب.
ويقول الحق سبحانه في نفس الآية : إلا إن وعد الله حق.. ( ٥٥ ) [ يونس ] : والوعد إن كان في خير فهو بشارة بخير يقع، وإن كان بشر فهو إنذار بشر يقع ؛ ويغلب عليه كلمة " الوعيد ". إذن : ففي غالب الأمر تأتي كلمة " وعد " للاثنين : الخير والشر، أما كلمة " وعيد " فلا تأتي إلا في الشر.
والوعد : هو إخبار بشيء سيحدث من الذي يملك أن يحدث الشيء. وإنفاذ الوعد له عناصر : أولها الفاعل، وثانيها المفعول، وثالثها الزمان، ورابعها المكان، ثم السبب.
والحدث يحتاج إلى قدرة، فإن قلت :" آتيك غدا في المكان الفلاني لأكلمك في موضوع كذا " فماذا تملك أنت من عناصر هذا الحدث ؛ إنك لا تضمن حياتك إلى الغد، ولا يملك سماعك حياته، وكذلك المكان الذي تحدد فيه اللقاء قد يصيبه ما يدمره، والموضوع الذي تريد أن تتحدث فيه، قد يأتي لك خاطر ألا تتحدث فيه من قبل أن يتم اللقاء.
وهب أن كل العناصر اجتمعت، فماذا تملك أنت أو غيرك من عناصر الوعد ؟ لا شيء أبدا.
ولذلك يعلم الله سبحانه خلقه الأدب إعطاء الوعود، التي لا يملكونها، فيقول سبحانه : ولا تقولن( ٤ ) لشيء إني فاعل ذلك غدا( ٢٣ ) إلا أن يشاء الله.. ( ٢٤ ) [ الكهف ]. وحين تقدم المشيئة فإن حدث لك ما يمنع إنفاذ الوعد فلن تكون كذابا.
وهكذا يعلمنا ربنا صيانة أخبارنا عن الكذب، وجعلنا نتكلم في نطاق قدراتنا، وقدراتنا لا يوجد فيها عنصر من عناصر الحدث، لكن إذا قال الله سبحانه، ووعد، فلا راد لما وعد به سبحانه ؛ لأنه منزه عن أن يخلف الميعاد ؛ لأن عناصر كل الأحداث تخضع لمشيئته سبحانه، ولا تتأبى عليه( ٥ )، ووعده حق وثابت. أما أنت فتتحكم فيك الأغيار التي يجريها الحق سبحانه عليك.
وهب أنك أردت أن تبني بيتا، وقلت للمهندس المواصفات الخاصة التي تريدها في هذا البيت، لكن المهندس لم يستطع أن يشتري من الأسواق بعضا من المواد التي حددتها أنت، فأنت-إذن-قد أردت ما لا يملك المهندس تصرفا فيه.
لكن الأمر يختلف بالنسبة للخالق الأعلى سبحانه ؛ فهو الذي يملك كل شيء، وهو حين يعد يصير وعده محتم النفاذ، ولكن الكافرين ينكرون ذلك ؛ ولذلك قال الله سبحانه : ولكن أكثرهم لا يعلمون( ٥٥ ) [ يونس ]أي : أنهم لا يعلمون هذه الحقيقة، فقد سبق أن قالوا : متى هذا الوعد.. ( ٤٨ ) [ يونس ]، أو أن أكثرهم لا يعلمون تعني : أن الإنسان يجب ألا يضع نفسه في موعد دون أن يقدم المشيئة ؛ لأنه لا يملك من عناصر أي وعد إلا ما يشاؤه الله تعالى.
٢ وقد قال سبحانه:إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين(٧٦)[القصص]. وقارون هو ابن عم موسى عليه السلام، أعطاه الله من الأموال المودعة في الخزائن حتى أن مفاتيحها لا تستطيع الجماعة من الناس حملها لكثرتها وثقلها، فأهلكه الله ببغيه وفرحه بماله وتعظمه على الناس، وقوله:إنما أوتيته على علم عندي..(٧٨)[القصص] فكان جزاؤه:فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين(٨١)[القصص]..
٣ الملك: في الأعيان والمحسوسات حقيقة، وفي المعاني مجاز، فمن الملك الحقيقي قال تعالى:إني وجدت امرأة تملكهم..(٢٣)[النمل]، ومن المجاز قوله:أمن يملك السمع والأبصار..(٣١)[يونس].
ومالك اسم فاعل، وجمعه مالكون، قال الحق:فهم لها مالكون..(٧١)[يس] ومملوك اسم مفعول كقوله تعالى:ضرب الله مثلا عبدا مملوكا..(٧٥)[النحل] والملك مصدر، قال تعالى:قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا..(٨٧)[طه] أي: بإرادتنا واختيارنا. والملك مصدر بمعنى السلطان، قال تعالى:على ملك سليمان..(١٠٢)[البقرة] أي: على عهد ملك سليمان. والملك: الحاكم، قال تعالى:وقال الملك ائتوني به استخلصه لنفسي..(٥٤)[يوسف] هو فرعون، وقرئ ملم يوم الدين، ومالك يوم الدين. والملك والمالك والمليك من أسماء الله الحسنى، والملكوت: الملك العظيم، وهو لله خاصة، قال الحق:{بيده ملكوت كل شيء..(٨٣)[يس] والملك واحد الملائكة "القاموس القويم- بتصرف"..
٤ ذكر محمد بن إسحاق أن كفار قريش وفدا منهم إلى أحبار لليهود يسألونه عن صفة الرسول صلى الله عليه وسلم قائلين لهم: إنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم ما ليس عندنا من علم الأنبياء، فأوصى اليهود كفار قريش بسؤال محمد صلى الله عليه وسلم عن ثلاثة أمور، منها:"سلوه عن فتية في الدهر الأول ما كان من أمرهم فإنهم قد كان لهم حديث عجيب" فسألوه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أخبركم غدا عما سألتم عنه" ولم يستثن-أي: لم يقل: إن شاء الله، فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة ليلة لا يوحى إليه في ذلك شيء فنزلت هذه الآية. ذكره ابن كثير في تفسيره(٣/٧١)..
٥ التأبى: هو الامتناع وعدم الانصياع. والإباء: أشد الامتناع.[اللسان: مادة أبى]..
تفسير الشعراوي
الشعراوي