إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ورَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا واطْمَأَنُّواْ بِهَا والَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ ٧ أُوْلَـئِكَ مَأْواهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ٨ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ٩ دَعْواهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ١٠
هذه الآيات بيان لحال منكري البعث والغافلين، وحال المؤمنين الصالحين في الدنيا، وجزائهما في الآخرة، فيه تفصيل لما سبق في الآية الرابعة.
أُوْلَئِكَ مَأْواهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ الإشارة بأولئك إلى الفريقين، أي مأواهم في الآخرة دار العذاب ( النار ) بما كانوا يكسبون مدة حياتهم الدنيا من الخطايا والذنوب المدنسة لأنفسهم بخرافات الوثنية، وأعمال الشهوات الحيوانية، وظلمات المظالم الوحشية، واستمرارهم عليها الذي دنس أنفسهم وأحاط بها، فلم يعد لنور الحق والخير مكان فيها. والمأوى في أصل اللغة الملجأ الذي يأوي إليه المتعب أو الخائف أو المحتاج من مكان آمن أو إنسان نافع، كما ترى في استعمال أفعاله في جميع الآيات كقوله تعالى : ألم يجدك يتيما فآوى [ الضحى : ٦ ] إذ أوى الفتية إلى الكهف [ الكهف : ١٠ ] والذين آووا ونصروا [ الأنفال : ٧٢ ] آوى إليه أخاه [ يوسف : ٦٩ ] أو آوي إلى ركن شديد [ هود : ٨٠ ] الخ إلا لفظ المأوى فإنه أطلق على الجنة في ثلاث آيات، وعلى النار في بضع عشرة آية منها آية يونس هذه، وفي تسمية دار العذاب مأوى معنى دقيق في البلاغة دخيل في أعماقها، فائض من جميع أرجائها، يشعرك بأن أولئك المطمئنين بالشهوات والغافلين عن الآيات ليس لهم مصير يلجؤن إليه بعد هول الحساب إلا جهنم دار العذاب، فويل لمن كانت هذه الدار له كالملجأ والموئل، إذ لا مأوى له يلجأ إليه بعدها.
هذا بيان لجزاء الفريق الأول من المكلفين بقسميه، والقارئ والسامع له تستشرف نفسه لجزاء الفريق الآخر والعلم بسببه، وقد بينه بقوله : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ
تفسير المنار
رشيد رضا