ويقول الحق سبحانه بعد ذلك :
فما آمن لموسى إلا ذرية( ١ ) من قومه على خوف من فرعون وملئهم( ٢ ) أن يفتنهم( ٣ ) وإن فرعون لعال( ٤ ) في الأرض وإنه لمن المسرفين( ٥ )( ٨٣ ) :
وإذا كان السحرة-وهم عدة فرعون وعتاده لمواجهة موسى-أعلنوا الإيمان، فعاقبهم الفرعون وقال : آمنتم له قبل أن آذن لكم.. ( ٧١ ) [ طه ] : فهذا يدل على أن فكرة الألوهية كانت ما تزال مسيطرة على عقله ؛ ولذلك خاف الناس من إعلان الإيمان ؛ ولذلك قال الحق سبحانه : فما آمن لموسى إلا ذرية.. ( ٨٣ ) [ يونس ] : وكلمة " ذرية " تفيد الصغار الذين لم تلمسهم خميرة من الفساد الذي كان منتشرا، كما أن الصغار يتمتعون بطاقة من النقاء، ويعيشون في خلوّ من المشاكل، ولم يصلوا على مرتبة السيادة التي يحرص عليها، ومع ذلك فهم قد آمنوا : على خوف( ٦ ) من فرعون وملئهم.. ( ٨٣ ) [ يونس ] : وكلمة على خوف تفيد الاستعلاء، مثل قولنا :" على الفرس " أو " على الكرسي " ويكون المستعلي في هذه الحالة متمكنا من " المستعلي عليه " ؛ ومن يستعلي إنما يركب المستعلي، ويحمل المستعلي العبء.
ولكن من استعمالات " على " أنها تأتي بمعنى " مع ".
ومثال ذلك هو قول الحق سبحانه : ويطعمون الطعام على حبه.. ( ٨ ) [ الإنسان ] : أي : ويطعمون الطعام مع حبه.
وحين يأتي الحق سبحانه بحرف مقام حرف آخر فلا بد من علة لذلك. ومثال ذلك هو قول الحق سبحانه وتعالى : فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل.. ( ٧١ ) [ طه ] : جاء الحق سبحانه بالحرف " في " بدلا من " على " ؛ ليدل على أن عملية الصلب ستكون تصليبا قويا، بحيث تدخل أجزاء المصلوب في المصلوب فيه.
وكذلك قول الحق سبحانه وتعالى : ويطعمون الطعام على حبه.. ( ٨ ) [ الإنسان ] : فكأنهم هم المستعلون على الحب ؛ ليذهب بهم حيث يريدون.
وكذلك قول الحق سبحانه وتعالى : على خوف.. ( ٨٣ ) [ يونس ] : أي : أنهم فوق الخوف يسير بهم إلى دهاليز توقع الآلام( ٧ ).
وهم هنا آمنوا : على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم.. ( ٨٣ ) [ يونس ] : والكلام هنا من الحق الأعلى سبحانه يبين لنا أن الخوف ليس من فرعون ؛ لأن فرعون إنما يمارس التخويف بمن حوله، فمثلهم مثل زوار الفجر في أي دولة لا تقيم وزنا لكرامة الإنسان.
وفرعون في وضعه ومكانته لا يباشر التعذيب بنفسه، بل يقوم به زبانيته.
والإشارة هنا تدل على الخوف من شيعة فرعون وملئهم.
وقال الحق سبحانه هنا : يفتنهم ، ولم يقل :" يفتنوهم " ؛ ليدلنا على ملحظ أن الزبانية لا يصنعون التعذيب لشهوة عندهم، بل يمارسون التعذيب لشهوة عند الفرعون. وهكذا جاء الضمير مرة جمعا، ومرة مفردا ؛ ليكون كل لفظ في القرآن جاذبا لمعناه.
وحين أراد المفسرون أن يوضحوا معنى ( ذرية ) قالوا( ٨ ) : إن المقصود بها امرأة فرعون( آسية )، وخازن فرعون، وامرأة الخازن، وماشطة فرعون، ومن آمن من قوم موسى-عليه السلام-وكتم إيمانه.
كل هؤلاء منعتهم خشية عذاب فرعون من إعلان الإيمان برسالة موسى ؛ لأن فرعون كان جبارا في الأرض، مدعيا للألوهية، وإذا ما رأى فرعون إنسانا يخدش ادعاءه للألوهية ؛ فلا بد أن يبطش به بطشة فاتكة.
لذلك كانوا على خوف من هذا البطش، فقد سبق وأن ذبح فرعون-بواسطة زبانيته-أبناء بني إسرائيل واستحيا نساءهم( ٩ )، وهم خافوا من هؤلاء الزبانية الذين نفذوا ما أراده فرعون.
ولذلك جاء الضمير مرة تعبيرا عن الجمع في قوله سبحانه وتعالى : وملئهم.. ( ٨٣ ) [ يونس ] : وجاء الضمير مفردا معبرا عن فرعون الآمر في قوله سبحانه وتعالى : أن يفتنهم.. ( ٨٣ ) [ يونس ] : فهم خافوا أن يفتنهم فرعون بالتعذيب الذي يقوم به أعوانه.
والحق سبحانه وتعالى هو القائل : .. وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين( ٨٣ ) [ يونس ] : والمسرف : هو الذي يتجاوز الحدود. وهو قد تجاوز في إسرافه وادعى الألوهية.
وقد قال الحق سبحانه ما جاء على لسان فرعون : .. أنا ربكم الأعلى( ٢٤ ) [ النازعات ].
وقال الحق سبحانه أيضا : وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري.. ( ٣٨ ) [ القصص ] : وعلا فرعون في الأرض علو طاغية من البشر على غيره من البشر المستضعفين.
وقال الحق سبحانه على لسان فرعون : أليس لي ملك مصر( ١٠ ) وهذه الأنهار تجري من تحتي.. ( ٥١ ) [ الزخرف ] : إذن : فقد كان فرعون مسرفا أشد الإسراف.
٢ ملئهم: آل فرعون والمقربون منه والموافقون له..
٣ يفتنهم: يصرفهم عن دينهم بتعذيبه لهم..
٤ عال في الأرض: جبار مستكبر. والمراد بالأرض هنا أرض مصر..
٥ المسرفين: المتجاوزين الحد بإدعاء الربوبية.[تفسير الجلالين: ص ١٨٦]..
٦ الخوف هو الفزع حدوث مكروه، أو فوت أمر محبوب، والخوف ضد الأمن، قال تعالى:الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف(٤)[قريش] وقال:فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم(١٨٢)[البقرة] أي: فزع لتوقعه ظلم الموصى وجوره خوفه جعله يخاف. قال تعالى:.. ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا(٦٠)[الإسراء] وخوفه فلانا أي: جعله يخافه يتعدى لمفعولين قال تعالى:إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه..(١٧٥)[آل عمران]..
٧ من معاني الحرف (على): الاستعلاء؛ وهو أكثر معانيه استعمالا، نحو قوله تعالى:تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض..(٢٥٣)[البقرة]. والظرفية؛ نحو قوله تعالى:ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها..(١٥)[القصص] أي: في حين غفلة. والمصاحبة؛ نحو قوله تعالى:.. وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم(٦)[الرعد] أي: مع ظلمهم؛ ونحو قوله تعالى:ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا(٨)[الإنسان]. أي: مع حبهم للمال. ومن معانيها أيضا: أن تكون بمعنى (من) نحو قوله تعالى:ويل للمطففين(١) الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون(٢)[المطففين] أي: من الناس. ومن معاني (على) أيضا: المجاوزة، والتعليل، والإضراب، وأن تكون بمعنى الباء. انظر تفصيل ذلك في [النحو الوافي:(٢/٥٠٩-٥١٢)]..
٨ هذا قول ابن عباس، ذكره القرطبي في تفسيره(٤/٣٢٩٦) وعلى هذا يكون الضمير في قومه عائدا على فرعون. وقد ذكر القرطبي قولا آخرا-ونسبه للفراء-يجعل الضمير يحتمل عوده على موسى وفرعون في نفس الوقت، باعتبار أن الذرية أقوام آباؤهم من القبط أي: آل فرعون وأمهاتهم من بني إسرائيل..
٩ ساقطة استحياء النساء: أي: تركهم أحياء. وقد كان بنو إسرائيل واقعين تحت الإيذاء والاستضعاف من قبل أن يأتيهم موسى، فبطش فرعون بهم كان مستمرا، ولذلك قالوا لموسى:قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا..(١٢٩)[الأعراف]، وقد قال سبحانه عن فترة إيذاء فرعون لبني إسرائيل قبل مجيء موسى:إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين(٤)[القصص]..
١٠ المصر: البلد العظيم، قال تعالى:واهبطوا مصرا..(٦١)[البقرة] أي: بلدا عظيما كبيرا.
ومصر بغير تنوين هي بلادنا العزيزة، قال تعالى:وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته..(٢١)[يوسف] [القاموس القويم]..
تفسير الشعراوي
الشعراوي