ﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔ

يريد: حيث ألقى موسى عصاه فتلقفت كل كذب وسحر جاء به فرعون فأحق الله الحق (١).
وذكرنا هذا المعنى في قوله: لِيُحِقَّ الْحَقَّ [الأنفال: ٨] الآية، وقوله تعالى: بِكَلِمَاتِهِ، قال الحسن: بوعده موسى (٢)، وقيل: بما سبق من حكمه في اللوح المحفوظ بأن ذلك يكون (٣).
٨٣ - قوله تعالى: فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ الآية، قال الفراء: فسر المفسرون الذرية: القليل (٤)، قال ابن الأنباري: من المفسرين من يذهب إلى أن الذرية معناها هاهنا تقليل عدد المؤمنين؛ لأن الأكابر وأولي الأنساب (٥) العالية ممن لم يؤمنوا كانوا أكثر عددًا من الذرية، وهذا قول ابن عباس في رواية قتادة قال: الذرية: القليل (٦).

(١) لم أعثر عليه.
(٢) ذكره هود بن محكم ٢/ ٢٠٤، والرازي ١٧/ ١٤٣ - ١٤٤ بلا نسبة.
(٣) ذكر نحوه الرازي ١٧/ ١٤٣ - ١٤٤، ولم يعين القائل، وللزمخشري في "الكشاف" ٢/ ٢٤٨ معنى هذا القول ولفظه: بأمره ومشيئته.
(٤) "معاني القرآن" ١/ ٤٧٦.
(٥) من (ى) وفي بقية النسخ: (الأسنان)، وما أثبته أولى بالسياق.
(٦) رواه ابن جرير ١١/ ١٤٩، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٧٥، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في"الدر المنثور" ٣/ ٥٦٥، وقد بين ابن عطية مراد ابن عباس فقال: هيئة قوله (فما آمن) يعطي تقليل المؤمنين به؛ لأنه نفى الإيمان ثم أوجبه للبعض، ولو كان الأكثر مؤمنًا لأوجب الإيمان أولاً ثم نفاه عن الأقل، وعلى هذا الوجه يترجح قول ابن عباس في الذرية: إنه القليك، لا أنه أراد أن لفظة (الذرية) هي بمعنى القليل كما ظنه مكي وغيره. "المحرر الوجيز" ٧/ ١٩٧ - ١٩٨.
وقد ذهب الزمخشري في "كشافه" ٢٤٨/ ٢، إلى أن هذا في أول أمر موسي، =

صفحة رقم 280

واختلفوا في هؤلاء الذرية من هم؛ فقال ابن عباس: كانوا ستمائة ألف من بني إسرائيل (١)، وعلى هذا سموا ذرية؛ لأن يعقوب عليه السلام دخل مصر في اثنين وسبعين إنسانًا، فتوالدوا بمصر حتى بلغوا ستمائة ألف، كانوا ذرية ذلك القوم الذين دخلوا مصر مع يعقوب من أولاده (٢)، وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء (٣).
وقال مجاهد: أراد بهم أولاد الذين أرسل إليهم موسى من بني إسرائيل، لطول الزمان هلك الآباء (٤)، وبقي الأبناء (٥)، وهذا القول اختيار

= وفي بداية دعوته، وهذا الرأي هو الظاهر من السياق، إذ إن الفاء في قوله تعالى: فَمَا آمَنَ للتعقيب، أي: إن الله أيد موسى بالمعجزة الكبرى وأبطل كيد السحرة وأظهر الحق فما آمن من بني إسرائيل في تلك اللحظة إلا القليل من الشباب خوفًا من بطش فرعون، ولا يعني هذا أن غيرهم لم يؤمن بعد، كما توهمه ابن عطية في "المحرر" ٧/ ١٩٨.
وبهذا يتبين الجواب عن القول بأن السحرة وبعض آل فرعون آمنوا، وكذلك القول بأن جميع بني إسرائيل تابعوا موسى وخرجوا معه من مصر، فكيف يقال بأنه لم يؤمن إلا القليل من ذرلة بني إسرائيل؟ فالآية تتحدث عمن آمن من قوم موسى في أول أمره والله أعلم.
(١) رواه ابن جرير ١١/ ٤٩١ - ١٥٠، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٧٥، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" ٣/ ٥٦٥، لكنهم لم يذكروا العدد، ورواه الثعلبي ٧/ ٢٣ أ، فذكر العدد ولم يذكر لفظ (من بني إسرائيل).
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" ٧/ ٢٣ أ، والسمرقندي ٢/ ١٠٧.
وهذا الخبر من القسم الثالث من أقسام الإسرائيليات وهو ما لم يرد في شرعنا ما يؤيده أو ينفيه فلا يصدق ولا يكذب.
(٣) رواه الثعلبي في "تفسيره" ٧/ ٢٣ أ.
(٤) في (ى) هلك الآباء فلم يؤمنوا وبقي إلخ، وهذه الزيادة غير موجودة في مصادر تخريج الأثر.
(٥) رواه الثعلبي ٧/ ٢٣/ أ، وبنحوه ابن جرير ١١/ ١٤٩ - ١٥٠، وابن أبي شيبة وابن =

صفحة رقم 281

إسحاق؛ لأنه قال: إنه (١) مكث يدعو الآباء فلم يؤمنوا وآمنت طائفة من أولادهم (٢)، وعلى هذين القولين (٣) (الهاء) في (قومه) كناية عن موسى.

= المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" ٣/ ٥٦٥، ومعناه: إن من أُرسل إليهم موسي من قومه لم يؤمنوا به، وطال الزمن حتى كان لهم ذرية آمنت به ثم هلك الآباء الذين لم يؤمنوا، وبقي الأبناء المؤمنون. وهذا القول غير صحيح لعدة أوجه:
أ- قول الله تعالى: وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ [الأعراف: ١٢٧]، يدل على أن قوم موسى صغارًا وكبارًا آمنوا به وتركوا ما كان يعبد فرعون.
ب- أن مواقف بني إسرائيل المخزية مع نبيهمِ موسى عليه السلام كأقوالهم فيما أخبر الله عنهم اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا، و لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً، و أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا، و فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا، وغير ذلك كثير، يدل دلالة واضحة أن جلّ بني إسرائيل آمنوا على كبر، وليس المؤمنون منهم ذريةً صغيرة نشأت على يد موسى وغذاها بغذاء الإيمان.
ج- أن المفسرين ذكروا أن الحكمة من ضرب التيه على بني إسرائيل هلاك الآباء ونشوء ذرية تتربى على عين موسى.
انظر: "تفسير ابن جرير" ١٠/ ١٩٧، "في ظلال القرآن" ٢/ ٨٧١، وقول مجاهد يقتضي أن هلاك الآباء كان في أرض مصر.
د- أن تاريخ بني إسرائيل لا يؤيد قول مجاهد هذا، إذ إن من تتبع قصة بني إسرائيل في القرآن الكريم وفي ما ورد من أخبارهم يعلم يقينًا أنهم أمة قد نالها من ذل فرعون وطغيانه ما جعلهم يأملون الخلاص من ظلمه على يد نبي منهم، فالعقل والعادة يقتضيان إطباقهم على الإيمان بموسى قناعة بما جاء به، أو رغبة في إصلاح دنياهم وتغيير أوضاعهم ودرء الظلم عنهم، ومجاهد يقول إن الآباء لم يؤمنوا.
(١) ساقط من (ح) و (ز).
(٢) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ٣٠، وليس في كلامه ما يدل على أنه اختار هذا القول، بل صدّره بقوله: قيل: إنه مكث... إلخ. وهو أسلوب يقتضي عادة عدم القناعة التامة.
(٣) في (ي): (الوجهين).

صفحة رقم 282

وقال ابن عباس في رواية عطية: هم ناس يسير من قوم فرعون آمنوا، منهم امرأة فرعون (١) وماشطة ابنته (٢)، ومؤمن آل فرعون (٣) ونفر

(١) هي آسية بنت مزاحم المؤمنة الصابرة زوج الطاغية فرعون، وقد جاء في شأنها عدة روايات تبين فضلها، منها:
أ- روى أحمد في "المسند" ١/ ٣١٦، والحاكم في "المستدرك" ٢/ ٥٩٤، وصححه ووافقه الذهبي عن رسول الله - ﷺ - قال: "أفضل نساء الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد - ﷺ -، ومريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون".
ب- وعن أبي هريرة أن فرعون وتد لامرأته أربعة أوتاد في يديها ورجليها، فكانوا إذا تفرقوا عنها أظلتها الملائكة.
قال السيوطي في "الدر المنثور" ٦/ ٣٧٧ - ٣٧٨: أخرجه أبو يعلى والبيهقي بسند صحيح اهـ، وقد رواه أيضًا الحاكم بنحوه في "المستدرك" ٢/ ٤٩٩، عن سلمان وصححه ووافقه الذهبي.
ج- روى الطبراني كما في "الدر المنثور" ٦/ ٣٧٨، عن سعد بن جنادة قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إن الله زوجني في الجنة مريم بنت عمران وامرأة فرعون وأخت موسى" لكن سنده ضعيف كما في "ضعيف الجامع الصغير" ٢/ ٩٠.
(٢) روى الإمام أحمد في "المسند" ١/ ٣٠٩، عن رسول الله - ﷺ - قال: "لما كانت الليلة التي أسري بي فيها أتت عليّ رائحة طيبة، فقلت يا جبريل: ما هذه الرائحة الطيبة؟ فقال: هذه ماشطة ابنة فرعون وأولادها، قال: قلت وما شأنها؟ قال: بينا هي تمشي ابنة فرعون ذات يوم إذ سقطت المدرى من يديها فقالت: بسم الله، فقالت لها ابنة فرعون: أبي؟ قالت: لا، ولكن ربي ورب أبيك الله، قالت: أخبره بذلك؟ قالت: نعم، فأخبرته فدعاها فقال: يا فلانة وإن لك ربًا غيري؟ قالت: نعم، ربي وربك، فأمر ببقرة من نحاس فأحميت ثم أمر بها أن تلقى هي وأولادها فيها، قالت: إن لي إليك حاجة، قال: وما حاجتك؟ قالت: أحب أن تجمع عظامي وعظام ولدي في ثوب واحد وتدفننا، قال: ذلك لك علينا من الحق".
(٣) قيل كان أسمه سمعان، وقيل كان اسمه حبيبًا. انظر: "معاني القرآن وإعرابه" =

صفحة رقم 283

يسير (١)، وروي عنه أيضًا: أنهم قوم كان (٢) آباؤهم من القبط وأمهاتهم من بني إسرائيل (٣).
قال الفراء: وهؤلاء إنما سموا ذرية؛ لأن أمهاتهم كن من غير جنس آبائهم، كما سمي أولاد الفرس الذين سقطوا إلى اليمن فتزوجوا نساء اليمن الأبناء (٤)، وعلى هذا الهاء في قَوْمَهِ تعود على فرعون (٥).
وقوله تعالى: عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ، قال الفراء: إنما قال: وَمَلَئِهِمْ وفرعون واحد؛ لأن الملك يُخبَر عنه بخبر الجمع؛ لأن الوهم يذهب إليه وإلى من معه من تُبّاعه (٦) كما يقال: قدم الخليفة فغلت

= ٤/ ٣٧١، "الدر المنثور" ٧/ ٢٨٥، وانظر قصته ومناظرته فرعون وقومه في سورة غافر، الآيات (٢٨ - ٤٥).
(١) رواه ابن جرير ١١/ ١٥٠ بلفظ: من قوم فرعون يسير، منهم امرأة فرعون ومؤمن آل فرعون وخازن فرعون وامرأة خازنه، ورواه الثعلبي ٧/ ٢٤ أ، والبغوي ٤/ ١٤٥ بنحو رواية ابن جرير وزادا: (وماشطته) هكذا والأثر من رواية عطية العوفي المسلسلة بـ"الضعفاء".
(٢) في (خ) و (ز): (كانوا).
(٣) رواه الثعلبي ٧/ ٢٣ أ، وبنحوه البغوي ٤/ ١٤٥.
(٤) "معاني القرآن" ١/ ٤٧٦، والفراء يعني أن هذا اصطلاح لبني إسرائيل كاصطلاح أهل اليمن على إطلاق الأبناء على أولاد الفرس من أمهات عرب، لا أن اللغة تقتضي ذلك.
(٥) رجح هذا القول ابن عطية في "المحرر الوجيز" ٧/ ١٩٨ - ١٩٩، بينما رده ابن جرير في "تفسيره" ١١/ ١٥٠، ورجح عود الضمير إلى موسى عليه السلام؛ لأنه أقرب مذكور يعود إليه الضمير ولظهور اسم فرعون في قوله تعالى: عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ ولو كان الضمير الأول يعود إليه لقال: على خوف منه.
(٦) في "لسان العرب" (تبع) ١/ ٤١٦: التابع: التالي، والجمع: تُبّع وتُنّاع وتبعة.

صفحة رقم 284

الأسعار وكثر الناس واتسعت الأموال يراد بمن معه (١)، وهذا معنى قول الزجاج: لأن فرعون (٢) ذو أصحاب يأتمرون له، قال الفراء وابن الأنباري: وقد يكون هذا من باب حذف المضاف؛ كأنه أريد بفرعون آل فرعون (٣)، وعلى القول الذي يقول الكناية [في قَوْمِهِ] (٤) تعود إلى فرعون جاز أن تعود الكناية في وَمَلَئِهِمْ إلى القوم.
وقوله (٥) تعالى: أَنْ يَفْتِنَهُمْ أي: يصرفهم عن دينهم بمحنة وبلية يوقعهم فيها، وهو إخبار عن فرعون؛ لأن الملأ كانوا على مثل ما كان عليه، وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ، قال ابن عباس: يريد: متطاول في أرض مصر (٦).
وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ الإسراف: الإبعاد في مجاوزة الحد، قال المفسرون: وإسرافه أنه كان عبدًا فادعى الربوبية (٧).

(١) "معاني القرآن" ١/ ٤٧٦ بمعناه.
(٢) في "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ٣٠: جاز أن يقال: (وملئهم) لأن فرعون.. إلخ.
(٣) انظر قول الفراء في "معاني القرآن" ١/ ٤٧٧، وانظر القول غير منسوب في "تفسير الرازي" ١٧/ ١٤٤ - ١٤٥، "التبيان" للعكبري ص ٤٤٣، قال العكبري: وهذا عندنا غلط؛ لأن المحذوف لا يعود إليه ضمير؛ إذ لو جاز ذلك لجاز أن تقول: زيد قاموا، وأنت تريد غلمان زيد قاموا، وانظر رد هذا القول أيضًا: "إعراب القرآن" للنحاس ٢/ ٧١ - ٧٢، "المحرر الوجيز" ٧/ ١٩٩.
(٤) ساقط من (ى).
(٥) بياض في (م).
(٦) "الوسيط" ٢/ ٥٥٦، "زاد المسير" ٤/ ٥٣.
(٧) انظر: "تفسير الثعلبي" ٧/ ٢٣ ب، والبغوي ٤/ ١٤٧، وابن الجوزي ٤/ ٥٣، ومعناه في "تفسير ابن جرير" ١١/ ١٥١.

صفحة رقم 285

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية