قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨٩)
هَذَا إِخْبَارٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَمَّا دَعَا بِهِ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، عَلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئه، لَمَّا أَبَوْا قَبُولَ الْحَقِّ وَاسْتَمَرُّوا عَلَى ضَلَالِهِمْ وَكُفْرِهِمْ مُعَانِدِينَ جَاحِدِينَ، ظُلْمًا وَعُلُوًّا وَتَكَبُّرًا وَعُتُوًّا، قَالَ: رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً أَيْ: مِنْ أَثَاثِ الدُّنْيَا وَمَتَاعِهَا، وَأَمْوَالًا أَيْ: جَزِيلَةً كَثِيرَةً، فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيَضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ -بِفَتْحِ الْيَاءِ -أَيْ: أَعْطَيْتَهُمْ ذَلِكَ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِمَا أَرْسَلْتَنِي بِهِ إِلَيْهِمُ اسْتِدْرَاجًا مِنْكَ لَهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ
وَقَرَأَ آخَرُونَ: لِيُضِلُّوا بِضَمِّ الْيَاءِ، أَيْ: لِيَفْتَتِنَ بِمَا أَعْطَيْتَهُمْ مَنْ شِئْتَ مِنْ خَلْقِكَ، لِيَظُنَّ مَنْ أَغْوَيْتَهُ أَنَّكَ إِنَّمَا أَعْطَيْتَ هَؤُلَاءِ هَذَا لِحُبِّكَ إِيَّاهُمْ (١) وَاعْتِنَائِكَ بِهِمْ.
رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ: أَيْ: أَهْلِكْهَا. وَقَالَ الضَّحَّاكُ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: جَعَلَهَا اللَّهُ حِجَارَةً مَنْقُوشَةً كَهَيْئَةِ مَا كَانَتْ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: بَلَغَنَا أَنَّ زُرُوعَهُمْ تَحَوَّلَتْ حِجَارَةً.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظي: اجْعَلْ (٢) سُكَّرهم حِجَارَةً.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْر، عَنْ أَبِي مَعْشَر، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ: أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ قَرَأَ سُورَةَ يُونُسَ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ إِلَى قَوْلِهِ: اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ إِلَى آخِرِهَا [فَقَالَ لَهُ: عُمَرُ يَا أَبَا حَمْزَةَ (٣) أَيُّ شَيْءٍ الطَّمْسُ؟ قَالَ: عَادَتْ أَمْوَالُهُمْ كُلُّهَا حِجَارَةً] (٤) فَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لِغُلَامٍ لَهُ: ائْتِنِي بِكِيسٍ. [فَجَاءَهُ بِكِيسٍ] (٥) فَإِذَا فِيهِ حِمَّصٌ وَبَيْضٌ، قَدْ قُطِعَ حَوْلَ حِجَارَةٍ.
وَقَوْلُهُ: وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيِ اطْبَعْ عَلَيْهَا، فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ
وَهَذِهِ الدَّعْوَةُ كَانَتْ مِنْ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، غَضَبًا لِلَّهِ وَلِدِينِهِ عَلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ، الَّذِينَ تبين له
(٢) في ت: "جعل".
(٣) في ت: "يا أبا جمرة".
(٤) زيادة من ت، أ.
(٥) زيادة من ت، أ.
تفسير القرآن العظيم
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي
سامي سلامة