واستجاب الحق سبحانه لدعوة موسى عليه السلام :
قال قد أجيبت دعوتهما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون( ٨٩ ) :
ويلاحظ أن الذي دعا هو موسى عليه السلام، ولكن قوله سبحانه : وقد أجيبت دعوتكما.. ( ٨٩ ) يدل على أن هارون-عليه السلام-قد دعا مع موسى.
وقد قلنا من قبل : إننا إن نظرنا إلى الأصالة في الرسالة لوجدنا موسى-عليه السلام- هو الأصيل فيها، وجاء هارون ليشد عضده( ١ )، وإن نظرنا إلى طبيعة الاثنين فكل منهما رسول، والاثنان لهما رسالة واحدة.
وما دام الحق سبحانه قد أرسل الاثنين لمهمة واحدة، فإن انفعل واحد منهما لشيء فلا بد أن ينفعل الآخر لنفس الشيء ؛ لذلك فلا يوجد ما يمنع أن هارون ساعة سمع أخاه داعيا بمثل هذا الدعاء، قد دعا هو أيضا بالدعاء نفسه، أو أنه-أي : هارون-قد دعا بهذا الدعاء سرا.
والدعاء معناه : أنك تفزع إلى من يقدر على تحقيق ما لا تقدر عليه، فأنت لا تدعو إلا في أمر عزّت عليك أسبابه ؛ فتقول : إن لي ربا أومن به، وهو يقدر على الأسباب لأنه خالق الأسباب، وقادر على أن يعطي بلا أسباب، والمؤمن الحق يستقبل الأحداث، لا بأسبابه، ولكن بقدرة من آمن به، وهو المسبب الأعلى سبحانه.
ولذلك تجد موسى عليه السلام ومعه قومه حين وصلوا إلى شاطئ البحر، وكان من خلفهم قوم فرعون يطاردونهم، فقال قوم موسى : .. إنا لمدركون( ٦١ ) [ الشعراء ]، فرد موسى عليه السلام : .. كلا إن معي ربي سيهدين( ٦٢ ) [ الشعراء ] : أي : لا ترتّبوا الأمر بترتيب البشر ؛ لأن معي رب البشر، فجاءه الإنقاذ : فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم( ٢ ) ( ٦٣ ) [ الشعراء ] : إذن : فالدعاء إنما يكون فزعا إلى من يقدر على أمر لا تقدر عليه.
والموضوع الذي كان يشغل موسى وهارون عليهما السلام هو بقاء آل فرعون على ضلالهم وإصرارهم على إضلال غيرهم، فلا بد أن يدعو كل منهما نفس الدعاء، ومثل هذا نجده في غير الرسل ونسميه " التخاطر "، أي : التقاء الخواطر في لحظة واحدة.
ومثال ذلك في التاريخ الإسلامي، لحظة أن كان سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه مشغولا بالتفكير في جيش المسلمين المقاتل في إحدى المعارك، وكان عمر في المدينة يخطب على المنبر، فإذا به يقول فجأة :" يا سارية( ٣ ) الجبل " وهي كلمة لا موضع لها في منطق الخطبة، ولكن كان فكره مشغولا بالقائد الذي يحارب، وسمع القائد-وهو على البعد-الأمر ؛ فانحاز إلى الجبل.
ويقال في هذه المسالة : إن الخاطر قد شغل مع الخاطر، مثلما تطلب أحدا في الهاتف فيرد عليك الشخص الذي تريد الكلام معه قائلا : لقد كنت على وشك أن اتصل بك هاتفيا، وهذا يعني أن الخاطرين قد انضبطا معا.
وإذا كان هذا ما يحدث في حياتنا العادية، فما بالنا بما يحدث في الأمور الصفائية ؛ وفي أرقى درجاتها وهي النبوة ؟
أو أن الذي دعا هو موسى وما كان هارون إلا مؤمنا( ٤ )، والمؤمن هو أحد الداعيين، وما دام الحق سبحانه قد قبل دعوة موسى عليه السلام، فقد قبل أيضا دعوة المؤمّن معه.
ويظن بعض الناس أن إجابة الدعوة هي تحقيق المطلوب فور الدعاء، ولكن الحقيقة أن إجابة الدعوة هي موافقة على الطلب، أما ميعاد إنجاز الطلب، فقد يتأجل بعض الوقت، مثلما حدث مع دعوة موسى عليه السلام على فرعون وملئه، فحين دعا موسى، وأمَّن هارون، جاءت إجابة الدعاء : قد أجيبت دعوتكما.. ( ٨٩ ) . بعد أربعين عاما، ويحقق الله سبحانه الطمس على المال.
فالسماء ليست موظفة عند من يدعو، وتقبل أي دعاء، ولكن قبول الدعوة يقتضي تحديد الميعاد الذي تنفذ فيه.
وهذه أمور من مشيئة الله سبحانه ؛ فالحق سبحانه وتعالى منزَّه عن أن يكون منفّذا لدعاء ما، ولكنه هو الذي بيده مقاليد كل أمر، فإذا ما أجيبت دعوة ما، فهو سبحانه بمشيئته يضع تنفيذ الدعوة في الميعاد الملائم ؛ لأنها لو أجيبت على الفور فقد تضر.
والحق سبحانه وتعالى هو القائل : ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا( ٥ )( ١١ ) [ الإسراء ] : لذلك يحدد الحق سبحانه ميعاد تطبيق الدعوة في مجال التنفيذ والواقع.
وهو سبحانه وتعالى يقول : .. سأريكم آياتي فلا تستعجلون( ٦ )( ٣٧ ) [ الأنبياء ].
والإنسان يعرف أنه قد يكون قد دعا بأشياء، فحقق الله سبحانه الدعاء وكان شرا، وكم من شيء يدعو به الإنسان ولم يحققه الله تعالى وكان عدم تحقيقه خيرا.
إذن : فالقدرة العليا رقيبة علينا، وتعلم ما في صالحنا ؛ لأننا لسنا آلهة تأمر بتنفيذ الدعوات، بل فوقنا الحكيم الأعلى سبحانه.
ولذلك نقول في بيان قول الحق سبحانه : ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم( ٧ ) بالخير لقضي إليهم أجلهم( ٨ ).. ( ١١ ) [ يونس ] : لأن الإنسان قد يدعو بالشر على نفسه( ٩ )، ألا تسمع أمًّا تدعو على ابنها أو ابنتها رغم حبها لهما، فلو استجاب الله لدعائها على أولادها الذين تحبهم أليس في ذلك شر بالنسبة للأم.
والولد قد يقول لأمه مغاضبا : يا رب تحدث لي حادثة ؛ حتى تستريحي مني. فهب أن الله استجاب لهذا الدعاء، أيرضي ذلك من دعا على نفسه أو يرضي أمه ؟
طبعا لا ؛ فإذا كان الله سبحانه قد أبطأ عليك بدعاء الشر فهذا خير لك، فعليك أن تأخذ إبطاء الله سبحانه عليك بدعاء الخير على أنه خير لك.
ولذلك شاء الحق سبحانه أن يقول لموسى وهارون عليهما السلام : .. قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون( ٨٩ ) [ يونس ] : أي : ابقيا على الطريق السوي، ولا تدخلا نفسيكما فيما لا علم لكما به. أليس الحق سبحانه هو القائل : ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين( ٤٥ ) قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك( ١٠ ) أن تكون من الجاهلين( ٤٦ ) [ هود ] : أي : كن مؤدَّبا مع ربك حين تدعو وتنفّس عن نفسك، ودع لحكمة الحكيم الإجابة أو عدمها، وقد تكون الإجابة فورية أو مؤجَّلة إلى حين أوانها، وكلاهما خير.
٢ الفرق: الجزء. والطود: الجبل الكبير.[تفسير ابن كثير:(٣/٣٣٦)]..
٣ هو سارية بن زنيم الدئلي. أمَّره عمر بن الخطاب على جيش وسيره إلى فارس سنة ٢٣ هـ، فرفع في خاطر عمر وهو يخطب يوم الجمعة أن الجيش المذكور لاقى العدو وهم في بطن واد قد هموا بالهزيمة وبالقرب منهم جبل فقال في أثناء خطبته " يا سارية: الجبل، الجبل" ورفع صوته فألقاه الله في سمع سارية فانحاز بالناس إلى الجبل، وقاتلوا العدو من جانب واحد، ففتح الله عليهم وانتصروا.[الإصابة في تمييز الصحابة للابن حجر العسقلاني: ٢/٥٣، ٥٢]..
٤ التأمين: هو قولهم آمين وراء الداعي. ومنه التأمين في الصلاة وراء الإمام...
٥ عجولا: صيغة مبالغة من العجل والعجلة وهو السرعة. والمراد: أن الإنسان مجبول على حب الخير، وعلى العجلة في طلبه لنفسه، ويلح في الدعاء، حتى لو كان الأمر شرا وهو يظن بجهله أنهى خير. قال تعالى:خلق الإنسان من عجل..(٣٧)[الأنبياء]. وقال تعالى:أتى أمر الله فلا تستعجلوه..(١)[النحل]..
٦ عجل يعجل-عجلا وعجلة. واستعجل استعجالا. قال تعالى:أعجلتم أمر ربكم..(١٥٠)[الأعراف] وقال:وما أعجلك عن قومك يا موسى(٨٣)[طه] وعجل الأمر: طلبه قبل أوانه بدافع الشهوة. وعجل الأمر: سبقه.[القاموس القويم].
.
٧ عجل يعجل-عجلا وعجلة. واستعجل استعجالا. قال تعالى:أعجلتم أمر ربكم..(١٥٠)[الأعراف] وقال:وما أعجلك عن قومك يا موسى(٨٣)[طه] وعجل الأمر: طلبه قبل أوانه بدافع الشهوة. وعجل الأمر: سبقه.[القاموس القويم]..
٨ الأجل: المدة من الزمن، والمراد: العمر..
٩ عجل. ثبت في صحيح مسلم النهي عن الدعاء على النفس والأولاد والأموال، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بطن بواط وهو يطلب المجدي بن عمرو الجهني، وكان الناضح يعتقبه منا الخمسة والستة والسبعة، فدارت عقبة رجل من الأنصار على ناضح له فأناخه فركبه ثم بعثه فتلدن عليه بعض التلدن فقال له: شأ لعنك الله. فقال صلى الله عليه وسلم:"من هذا اللاعن بعيره"؟ قال: أنا يا رسول الله. قال:"انزل عنه فلا تصحبنا بملعون، ولا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، ولا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم: أخرجه مسلم (٣٠٠٩)..
١٠ الوعظ: النصح بالطاعة والعمل الصالح الإرشاد على الخير. قال ابن سيده: هو تذكيرك للإنسان بما يليّن قلبه من ثواب وعقاب.[ذكره ابن منظور في اللسان مادة: وعظ]. قال القرطبي في تفسيره(٤/٣٣٦٦):إني أعظك..(٤٦)[هود]. أي: إني أنهاك عن هذا السؤال وأحذرك لئلا تكون من الجاهلين. أي: الآثمين. قال ابن العربي: وهذه زيادة من الله وموعظة يرفع بها نوحا عن مقام الجاهلين..
تفسير الشعراوي
الشعراوي