قال تعالى : قد أجيَبت دعوتُكما يعني موسى وهارون، وكان يُؤمِّن على دعاء أخيه، فاستقيما أي : اثبتا على ما أنتما عليه من الاستقامة والدعوة وإلزام الحجة، ولا تستعجلا، فإن ما طلبتما كائن ولكن في وقته، روي أنه مكث فيهم بعد الدعاء أربعين سنة، ولا تتبعانِّ سبيلَ الذين لا يعلمون : طريق الجهلة في استعجال الأشياء قبل وقتها، أو في عدم الوثوق والاطمئنان بوعدنا، وقرأ ابن ذكوان :" ولا تتبعان " بالنون الخفيفة وكسرها لالتقاء الساكنين، وهو قليل، قال ابن مالك :
وَلم تَقَعْ خَفِيفَةٌ بَعدَ الأَلفْ ***. . .
ويحتمل أن تكون نون الرفع، و " لا " نافية، أي : والأمر لا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون.
الإشارة : دعاء الأولياء على الظالم مشروع بعد الإذن الإلهامي على ما يفهمونه، وقد مكث الشيخ أبو الحسن سنين لم يدع على ابن البراء حتى كان سنة في عرفة، فقال : الآن أًذن لي في الدعاء على ابن البراء... الخ. فإن لم يكن إذن فالصبر أوْلى، بل الأولى الدعاء له بالهداية، حتى يأخذ الله بيده ؛ وهذا مقام الصديقين، فإذا وقع الدعاء مطلقاً وتأخرت الإجابة فلا يستعجل، فيكون تبع سبيل الذين لا يعلمون، وفي الحكم :" لا يكن تأخرُ أمدِ العطاءِ مع الإلحاحِ في الدعاء موجباً ليأسك، فقد ضمن لك الإجابة فيما يختار لك لا فيما تختار أنت لنفسك، وفي الوقت الذين يريد، لا في الوقت الذي تريد "، وقال أيضاً :" لا يشككنَّك في الوعد عدم وقوع الموعود وإن تعين زمنه ؛ لئلا يكون ذلك قَدْحاً في بصيرتك، وإخماداً لنور سريرتك " وبالله التوفيق.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي