ﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤ

ثم وصف نفسه الأقدس بما هو ثمرة الرحلتين، ومظهر لزيادة شرف البيت بقوله تعالى : الذي أطعمهم أي : قريشاً بحمل الميرة إلى مكة بالرحلتين إطعاماً، مبتدأ من جوع أي : عظيم فيه غيرهم من العرب، أو كانوا هم فيه قبل ذلك ؛ لأنّ بلدهم ليس بذي زرع فهم عرضة للفقر الذي ينشأ عنه الجوع، فكفاهم ذلك وحده، ولم يشركه أحد في كفايتهم فليس من الشكر إشراكهم غيره معه في عبادته، ولا من البر بأبيهم إبراهيم عليه السلام الذي دعا لهم بالرزق بقوله عليه السلام : وارزقهم من الثمرات [ إبراهيم : ٣٧ ] ونهى أشدّ النهي عن عبادة الأصنام، ولم يقل أشبعهم ؛ لأنه ليس كلهم كان يشبع منهم طالب لأكثر مما هو عنده، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب وآمنهم أي : تخصيصاً لهم من خوف أي : شديد جدّاً من أصحاب الفيل الذين أرادوا خراب البيت الذي به نظامهم، وما ينال من حولهم من التخطف بالقتل والنهب والغارات، ومن الجذام بدعوة أبيهم إبراهيم عليه السلام، ومن الطاعن والدخان بتأمين النبيّ صلى الله عليه وسلم.
وعن ابن زيد : كانت العرب يغير بعضها على بعض، ويسبي بعضهم بعضاً، فأمنت قريش ذلك لمكان الحرم. وقيل : شق عليهم السفر في الشتاء والصيف، فألقى الله تعالى في قلوب الحبشة أن يحملوا إليهم طعاماً في السفن، فحملوا فخافت قريش منهم، وظنوا أنهم قدموا لحربهم، فخرجوا إليهم متحرزين، فإذا هم قد جلبوا إليهم الطعام، وأعانوهم بالأقوات، فكان أهل مكة يخرجون إلى جدّة بالإبل والحمر فيشترون الطعام على مسيرة ليلتين. وقيل : إنّ قريشاً لما كذبوا النبيّ صلى الله عليه وسلم دعا عليهم فقال :«اللهم اجعلها عليهم سنين كسنين يوسف »، فاشتدّ القحط فقالوا : يا محمد، ادع الله لنا، فإنا مؤمنون. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخصبت تبالة وجرش من بلاد اليمن، فحملوا الطعام إلى مكة وأخصب أهلها ». وقال الضحاك والربيع في قوله تعالى : وآمنهم من خوف ، أي : من خوف الحبشة. وقال عليّ : وآمنهم من خوف أن تكون الخلافة إلا فيهم. قال الزمخشريّ : من بدع التفاسير وآمنهم من خوف أن تكون الخلافة في غيرهم اه. لكن إن ثبت ذلك عن علي كرم الله وجهه فليس كما قال، وقيل : كفاهم أخذ الإيلاف من الملوك.

السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير

عرض الكتاب
المؤلف

الشربيني

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير