ﭙﭚﭛﭜ ﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤ

[سورة قريش (١٠٦) : آية ٣]

فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ (٣)
اعْلَمْ أَنَّ الْإِنْعَامَ عَلَى قِسْمَيْنِ أَحَدُهُمَا: دَفْعُ الضَّرَرِ وَالثَّانِي: جَلْبُ النَّفْعِ وَالْأَوَّلُ أَهَمُّ وَأَقْدَمُ، وَلِذَلِكَ قَالُوا:
دَفْعُ الضَّرَرِ عَنِ النَّفْسِ وَاجِبٌ أَمَّا جَلْبُ النَّفْعِ [فَإِنَّهُ] غَيْرُ وَاجِبٍ، فَلِهَذَا السَّبَبِ بَيَّنَ تَعَالَى نِعْمَةَ دَفْعِ الضَّرَرِ فِي سُورَةِ الْفِيلِ وَنِعْمَةَ جَلْبِ النَّفْعِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ، وَلَمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ الْإِنْعَامَ لَا بُدَّ وَأَنْ يُقَابَلَ بِالشُّكْرِ وَالْعُبُودِيَّةِ، لَا جَرَمَ أَتْبَعَ ذِكْرَ النِّعْمَةِ بِطَلَبِ العبودية فقال: لْيَعْبُدُوا
وهاهنا مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: ذَكَرْنَا أَنَّ الْعِبَادَةَ هِيَ التَّذَلُّلُ وَالْخُضُوعُ لِلْمَعْبُودِ عَلَى غَايَةِ مَا يَكُونُ ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ: أَرَادَ فَلْيُوَحِّدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي حَفِظَ الْبَيْتَ دُونَ الْأَوْثَانِ، وَلِأَنَّ التَّوْحِيدَ مِفْتَاحُ الْعِبَادَاتِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْمُرَادُ الْعِبَادَاتُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِأَعْمَالِ الْجَوَارِحِ/ ثُمَّ ذَكَرَ كُلَّ قِسْمٍ مِنْ أَقْسَامِ الْعِبَادَاتِ، وَالْأَوْلَى حَمْلُهُ عَلَى الْكُلِّ لِأَنَّ اللَّفْظَ مُتَنَاوِلٌ لِلْكُلِّ إِلَّا مَا أَخْرَجَهُ الدَّلِيلُ، وَفِي الْآيَةِ وَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ معنى لْيَعْبُدُوا
أَيْ فَلْيَتْرُكُوا رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ وَلْيَشْتَغِلُوا بِعِبَادَةِ رَبِّ هَذَا الْبَيْتِ فَإِنَّهُ يُطْعِمُهُمْ مِنْ جُوعٍ وَيُؤَمِّنُهُمْ مِنْ خَوْفٍ، وَلَعَلَّ تَخْصِيصَ لَفْظِ الرَّبِّ تَقْرِيرٌ لِمَا قَالُوهُ لِأَبْرَهَةَ: إِنَّ لِلْبَيْتِ رَبًّا سَيَحْفَظُهُ، وَلَمْ يُعَوِّلُوا فِي ذَلِكَ عَلَى الْأَصْنَامِ فَلَزِمَهُمْ لِإِقْرَارِهِمْ أَنْ لَا يَعْبُدُوا سِوَاهُ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَمَّا عَوَّلْتُمْ فِي الْحِفْظِ عَلَيَّ فَاصْرِفُوا الْعِبَادَةَ وَالْخِدْمَةَ إِلَيَّ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الْإِشَارَةُ إِلَى الْبَيْتِ فِي هَذَا النَّظْمِ تُفِيدُ التَّعْظِيمَ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ تَارَةً أَضَافَ الْعَبْدَ إِلَى نَفْسِهِ فَيَقُولُ: يا عِبادِيَ
[العنكبوت: ٥٦] وَتَارَةً يُضِيفُ نَفْسَهُ إِلَى الْعَبْدِ فَيَقُولُ: وَإِلهُكُمْ [البقرة: ١٦٣] كَذَا فِي الْبَيْتِ [تَارَةً] يُضِيفُ نَفْسَهُ إِلَى البيت وهو قوله: لْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ
وَتَارَةً يُضِيفُ الْبَيْتَ إِلَى نفسه فيقول: طَهِّرا بَيْتِيَ [البقرة: ١٢٥].
[سورة قريش (١٠٦) : آية ٤]
الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وفي هذه الْإِطْعَامِ وُجُوهٌ أَحَدُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا آمَنَهُمْ بِالْحَرَمِ حَتَّى لَا يَتَعَرَّضَ لَهُمْ فِي رِحْلَتَيْهِمْ كان ذلك سبب إطعامهم بعد ما كَانُوا فِيهِ مِنَ الْجُوعِ ثَانِيهَا: قَالَ مُقَاتِلٌ: شَقَّ عَلَيْهِمُ الذَّهَابُ إِلَى الْيَمَنِ وَالشَّامِ فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ لِطَلَبِ الرِّزْقِ، فَقَذَفَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قُلُوبِ الْحَبَشَةِ أَنْ يَحْمِلُوا الطَّعَامَ فِي السُّفُنِ إِلَى مَكَّةَ فَحَمَلُوهُ، وَجَعَلَ أَهْلُ مَكَّةَ يَخْرُجُونَ إِلَيْهِمْ بِالْإِبِلِ وَالْخَمْرِ، وَيَشْتَرُونَ طَعَامَهُمْ مِنْ جُدَّةَ عَلَى مَسِيرَةِ لَيْلَتَيْنِ وَتَتَابَعَ ذَلِكَ، فَكَفَاهُمُ اللَّهُ مَؤُونَةَ الرِّحْلَتَيْنِ ثَالِثُهَا: قَالَ الْكَلْبِيُّ: هَذِهِ الْآيَةُ مَعْنَاهَا أَنَّهُمْ
لَمَّا كَذَّبُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ» فَاشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْقَحْطُ وَأَصَابَهُمُ الْجَهْدُ فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ ادْعُ اللَّهَ فَإِنَّا مُؤْمِنُونَ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْصَبَتِ الْبِلَادُ وَأَخْصَبَ أَهْلُ مَكَّةَ بَعْدَ الْقَحْطِ،
فَذَاكَ قَوْلُهُ: أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ ثُمَّ فِي الْآيَةِ سُؤَالَاتٌ:
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: الْعِبَادَةُ إِنَّمَا وَجَبَتْ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَعْطَى أُصُولَ النعم، والإطعام ليس من أصول النعم، فلما عَلَّلَ وُجُوبَ الْعِبَادَةِ بِالْإِطْعَامِ؟ وَالْجَوَابُ: مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ إِنْعَامَهُ عَلَيْهِمْ بِحَبْسِ الْفِيلِ وَإِرْسَالِ الطَّيْرِ وَإِهْلَاكِ الْحَبَشَةِ، وَبَيَّنَ أَنَّهُ تَعَالَى فَعَلَ ذَلِكَ لِإِيلَافِهِمْ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِالْعِبَادَةِ، فَكَأَنَّ السَّائِلَ يَقُولُ: لَكِنْ نَحْنُ مُحْتَاجُونَ إِلَى كَسْبِ الطَّعَامِ وَالذَّبِّ عَنِ النَّفْسِ، فَلَوِ اشتغلنا بالعبادة فمن ذا الذي أيطعمنا، فقال: الذي

صفحة رقم 298

أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ قَبْلَ أَنْ يَعْبُدُوهُ، أَلَا يُطْعِمُهُمْ إِذَا عَبَدُوهُ! وَثَانِيهَا: أَنَّهُ تَعَالَى بَعْدَ أَنْ أَعْطَى الْعَبْدَ أُصُولَ النِّعَمِ أَسَاءَ الْعَبْدُ إِلَيْهِ، ثُمَّ إِنَّهُ يُطْعِمُهُمْ مَعَ ذَلِكَ، فَكَأَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: إِذَا لَمْ تَسْتَحِ مِنْ أُصُولِ النِّعَمِ أَلَا تَسْتَحِي مِنْ إِحْسَانِي إِلَيْكَ بَعْدَ إِسَاءَتِكَ وَثَالِثُهَا: إِنَّمَا ذَكَرَ الْإِنْعَامَ لِأَنَّ الْبَهِيمَةَ تُطِيعُ مَنْ يَعْلِفُهَا، فَكَأَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: لَسْتُ دُونَ الْبَهِيمَةِ.
السُّؤَالُ الثَّانِي: أَلَيْسَ أَنَّهُ جَعَلَ الدُّنْيَا مِلْكًا لَنَا بِقَوْلِهِ: خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً [الْبَقَرَةِ: ٢٩] فَكَيْفَ تَحْسُنُ الْمِنَّةُ عَلَيْنَا بِأَنْ أَعْطَانَا مِلْكَنَا؟ الْجَوَابُ: انْظُرْ فِي الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا قَبْلَ الْأَكْلِ حَتَّى يَتِمَّ الطَّعَامُ وَيَتَهَيَّأَ، وَفِي الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا بَعْدَ الْأَكْلِ حَتَّى يَتِمَّ الِانْتِفَاعُ بِالطَّعَامِ الْمَأْكُولِ، فَإِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْأَفْلَاكِ وَالْكَوَاكِبِ، وَلَا بُدَّ مِنَ الْعَنَاصِرِ الْأَرْبَعَةِ حَتَّى يَتِمَّ ذَلِكَ الطَّعَامُ، وَلَا بُدَّ مِنْ جُمْلَةِ الْأَعْضَاءِ عَلَى اخْتِلَافِ أَشْكَالِهَا وَصُوَرِهَا حَتَّى يَتِمَّ الِانْتِفَاعُ بِالطَّعَامِ، وَحِينَئِذٍ تَعْلَمُ أَنَّ الْإِطْعَامَ يُنَاسِبُ الْأَمْرَ بِالطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ.
السُّؤَالُ الثَّالِثُ: الْمِنَّةُ بِالْإِطْعَامِ لَا تَلِيقُ بِمَنْ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الْكَرَمِ، فَكَيْفَ بِأَكْرَمِ الْأَكْرَمِينَ؟ الْجَوَابُ: لَيْسَ الْغَرَضُ مِنْهُ الْمِنَّةَ، بَلِ الْإِرْشَادَ إِلَى الْأَصْلَحِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنَ الْأَكْلِ تَقْوِيَةَ الشَّهْوَةِ الْمَانِعَةِ عَنِ الطَّاعَةِ، بَلْ تَقْوِيَةَ الْبِنْيَةِ عَلَى أَدَاءِ الطَّاعَاتِ، فَكَأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْأَمْرِ بِالْعِبَادَةِ ذَلِكَ.
السُّؤَالُ الرَّابِعُ: مَا الْفَائِدَةُ فِي قَوْلِهِ: مِنْ جُوعٍ؟ الْجَوَابُ: فِيهِ فَوَائِدُ أَحَدُهَا: التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ أَمْرَ الْجُوعِ شَدِيدٌ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا [الشُّورَى: ٢٨]
وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَصْبَحَ آمِنًا فِي سِرْبِهِ» الْحَدِيثَ
وَثَانِيهَا: تَذْكِيرُهُمُ الْحَالَةَ الْأُولَى الرَّدِيئَةَ الْمُؤْلِمَةَ وَهِيَ الْجُوعُ حَتَّى يَعْرِفُوا قَدْرَ النِّعْمَةِ الْحَاضِرَةِ وَثَالِثُهَا: التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ خَيْرَ الطَّعَامِ مَا سَدَّ الْجَوْعَةَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ: وَأَشْبَعَهُمْ لِأَنَّ الطَّعَامَ يُزِيلُ الْجُوعَ، أَمَّا الْإِشْبَاعُ فَإِنَّهُ يُورِثُ البطنة.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ فَفِي تَفْسِيرِهِ وُجُوهٌ أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ كَانُوا يُسَافِرُونَ آمِنِينَ لَا يَتَعَرَّضُ لَهُمْ أَحَدٌ، وَلَا يُغِيرُ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ لَا فِي سَفَرِهِمْ وَلَا فِي حَضَرِهِمْ، وَكَانَ غَيْرُهُمْ لَا يَأْمَنُونَ مِنَ الْغَارَةِ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً [الْعَنْكَبُوتِ: ٦٧] ثَانِيهَا: أَنَّهُ آمَنَهُمْ مِنْ زَحْمَةِ أَصْحَابِ الْفِيلِ وَثَالِثُهَا: قَالَ الضحاك والربيع: وآمنهم من خوف الجزام، فَلَا يُصِيبُهُمْ بِبَلْدَتِهِمْ الْجُذَامُ، وَرَابِعُهَا:
آمَنَهُمْ مِنْ خَوْفِ أَنْ تَكُونَ الْخِلَافَةُ فِي غَيْرِهِمْ «١» وَخَامِسُهَا: آمَنَهُمْ بِالْإِسْلَامِ، فَقَدْ كَانُوا فِي الْكُفْرِ يَتَفَكَّرُونَ، فَيَعْلَمُونَ أَنَّ الدِّينَ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، إِلَّا أَنَّهُمْ مَا كَانُوا يَعْرِفُونَ الدِّينَ الَّذِي يَجِبُ عَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِهِ وَسَادِسُهَا: أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعِ الْجَهْلِ بِطَعَامِ الْوَحْيِ، وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفِ الضَّلَالِ بِبَيَانِ الْهُدَى، كَأَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ:
يَا أَهْلَ مَكَّةَ كُنْتُمْ قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ تُسَمَّوْنَ جُهَّالَ الْعَرَبِ وَأَجْلَافَهُمْ، وَمَنْ كَانَ يُنَازِعُكُمْ كَانُوا يُسَمَّوْنَ أَهْلَ الْكِتَابِ، ثُمَّ أَنْزَلْتُ الْوَحْيَ عَلَى نَبِيِّكُمْ، وَعَلَّمْتُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ حتى صرتم الآن تسمون/ أهل العلم

(١) أقول والأسف يملأ الفؤاد ويقض الجوانح ويمزق الأكباد: إن هذا الوجه الرابع لا محل لذكره الآن، فقد أصبحت الخلافة الإسلامية أثرا بعد عين، وانقرض ظلها وزوى، فلم يعد للمسلمين خليفة من قريش ولا من غيرهم، والأمل معقود في الجامعة العربية أن توفق إلى رد هذا الحق المسلوب، وإعادة هذا السلطان الضائع الذي قضى عليه الاستعمار والمستعمرون، ليشيع التفكك والاضطراب، وتعم الفوضى بين المسلمين والعياذ بالله (عبد الله الصاوي).

صفحة رقم 299

وَالْقُرْآنِ، وَأُولَئِكَ يُسَمَّوْنَ جُهَّالَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، ثُمَّ إِطْعَامُ الطَّعَامِ الَّذِي يَكُونُ غِذَاءَ الْجَسَدِ يُوجِبُ الشُّكْرَ، فَإِطْعَامُ الطَّعَامِ الَّذِي هُوَ غِذَاءُ الرُّوحِ، أَلَا يَكُونُ مُوجِبًا لِلشُّكْرِ! وَفِي الْآيَةِ سُؤَالَاتٌ:
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: عَنْ جُوعٍ وَعَنْ خَوْفٍ؟ قُلْنَا: لِأَنَّ مَعْنَى عَنْ أَنَّهُ جَعَلَ الْجُوعَ بَعِيدًا عَنْهُمْ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَّبْعِيدُ مَسْبُوقًا بِمُقَاسَاةِ الْجُوعِ زَمَانًا، ثُمَّ يَصْرِفُهُ عَنْهُ، وَ (مِنْ) لَا تَقْتَضِي ذلك، بل معناه أنهم عند ما يَجُوعُونَ يُطْعَمُونَ، وَحِينَ مَا يَخَافُونَ يُؤَمَّنُونَ.
السُّؤَالُ الثَّانِي: لِمَ قَالَ: مِنْ جُوعٍ مِنْ خَوْفٍ عَلَى سَبِيلِ التَّنْكِيرِ؟ الْجَوَابُ: الْمُرَادُ مِنَ التَّنْكِيرِ التَّعْظِيمُ. أَمَّا الْجُوعُ فَلِمَا رَوَيْنَا: أَنَّهُ أَصَابَتْهُمْ شِدَّةٌ حَتَّى أَكَلُوا الْجِيَفَ وَالْعِظَامَ الْمُحْرَقَةَ وَأَمَّا الْخَوْفُ، فَهُوَ الْخَوْفُ الشَّدِيدُ الْحَاصِلُ مِنْ أَصْحَابِ الْفِيلِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ التَّنْكِيرِ التَّحْقِيرَ، يَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا لَمْ يُجَوِّزْ لِغَايَةِ كَرَمِهِ إِبْقَاءَهُمْ فِي ذَلِكَ الْجُوعِ الْقَلِيلِ وَالْخَوْفِ الْقَلِيلِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ فِي كَرَمِهِ لَوْ عَبَدُوهُ أَنْ يُهْمِلَ أَمْرَهُمْ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُ أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ دُونَ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ دُونَ خَوْفٍ، لِيَكُونَ الْجُوعُ الثَّانِي وَالْخَوْفُ الثَّانِي مُذَكِّرًا مَا كَانُوا فِيهِ أَوَّلًا مِنْ أَنْوَاعِ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ، حَتَّى يَكُونُوا شَاكِرِينَ مِنْ وَجْهٍ، وَصَابِرِينَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، فَيَسْتَحِقُّوا ثَوَابَ الْخَصْلَتَيْنِ.
السُّؤَالُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا أَطْعَمَهُمْ وَآمَنَهُمْ إِجَابَةً لِدَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَمَّا فِي الْإِطْعَامِ فَهُوَ قَوْلُهُ: وَارْزُقْ أَهْلَهُ [الْبَقَرَةِ: ١٢٦] وَأَمَّا الْأَمَانُ فَهُوَ قَوْلُهُ: اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً [إِبْرَاهِيمَ: ٣٥] وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ ذَلِكَ مِنَّةً عَلَى إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَكَيْفَ جَعَلَهُ مِنَّةً عَلَى أُولَئِكَ الْحَاضِرِينَ؟ وَالْجَوَابُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا قَالَ: إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قال إبراهيم: وَمِنْ ذُرِّيَّتِي فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [الْبَقَرَةِ: ١٢٤] فَنَادَى إِبْرَاهِيمُ بِهَذَا الْأَدَبِ، فَحِينَ قَالَ: رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ قيده بقوله: مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ فقال الله: لا حاجة إلى هذا التقيد، بَلْ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا، فَكَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: أَمَّا نِعْمَةُ الْأَمَانِ فَهِيَ دِينِيَّةٌ فَلَا تَحْصُلُ إِلَّا لِمَنْ كَانَ تَقِيًّا، وَأَمَّا نِعْمَةُ الدُّنْيَا فَهِيَ تَصِلُ إِلَى الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ وَالصَّالِحِ وَالطَّالِحِ، وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ كَانَ إِطْعَامُ الْكَافِرِ مِنَ الْجُوعِ، وَأَمَانُهُ مِنَ الْخَوْفِ إِنْعَامًا مِنَ اللَّهِ ابْتِدَاءً عَلَيْهِ لَا بِدَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ، فَزَالَ السُّؤَالُ. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وصحبه وسلم.

صفحة رقم 300

مفاتيح الغيب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي

الناشر دار إحياء التراث العربي - بيروت
سنة النشر 1420
الطبعة الثالثة
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية