العبرة بقصص الأمم الظالمة وبما آل إليه أمرها :
ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ ( ١٠٠ ) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ مِن شَيْءٍ لِّمَّا جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ( ١٠١ ) وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ( هود : ١٠٠-١٠٢ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر قصص الأمم الماضية والقرون السالفة مع الرسل الذين أرسلوا إليهم، نبه إلى ما في ذكرها من عظة واعتبار بقوله : منها قائم وحصيد فالسامع لها والقارئ يلين قلبه، وتخضع نفسه، فيحمله ذلك على النظر والاعتبار بها- إلى ما في إخباره صلى الله عليه وسلم بها من غير مطالعة كتب ولا مدارسة مع معلّم، من عظيم الدلالة على نبوته، إذ أن هذا لا يكون إلا بوحي من العلّي الأعلى أتاه به روح القدس.
الإيضاح :
وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم أي وما كان إهلاكهم بغير جُرْم استحقوا به الهلاك، ولكن ظلموا أنفسهم بشركهم وإفسادهم في الأرض وإصرارهم على ذلك حتى لم يبق فيهم استعداد لقبول الحق، ولو بقوا زمانا ما ازدادوا إلا ظلما وفجورا وفسادا في الأرض كما قال نوح عليه السلام : إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا ( نوح : ٢٧ ).
وقد بالغ رسلهم في وعظهم وإرشادهم فما زادهم ذلك إلا عتوّا واستكبارا، وأنذروهم بالنّذر فما زادهم ذلك إلا إصرارا وعنادا، ثقة منهم بأن آلهتهم تدفع عنهم كل مخوف وتعبد عنهم كل محذور، جهلا منهم بما كانوا يعملون، ومن ثم قال :
فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك أي فما نفعتهم ولا دفعت بأس الله عنهم آلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله ويطلبون منها أن تدفع عنهم الضر بنفسها أو بشفاعتها عنده- لما جاء عذاب ربك تصديقا لما أنذرهم به رسله.
وما زادوهم غير تتبيب يقال تبّبه تتبيبا : أهلكه، وتبّ فلان وتبت يده : خسر أو هلك وتبّا، لفلان : دعاء عليه بالهلاك، أي وما زادوهم إلا هلاكا وتدميرا، إذ أنهم باتكالهم عليهم ازدادوا كفرا وإصرارا على الظلم والفساد، ظنا منهم أنهم ينتقمون لهم من الرسل كما حكى الله تعالى عن بعضهم قوله : إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء ( هود : ٥٤ ).
تفسير المراغي
المراغي