ﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋ

ويبين الحق سبحانه هنا أنه حين أخذ تلك الأقوام بالعذاب لم يظلمهم ؛ لأن معنى الظلم أن يكون الإنسان الحق، فتسلبه هذا الحق.
وفي واقع الأمر أن تلك الأمم التي كفرت وأخذها الله بالعذاب، هي التي ظلمت نفسها بالشرك، وكذبت تلك الأقوام الرسل الذين جاءوا وفي يد كل منهم دليل الصدق وأمارات الرسالة.
وهكذا ظلم هؤلاء الكفار أنفسهم ؛ لذلك لابد أن نعلم أن الحق سبحانه منزه عن أن يظلم أحدا.
وهم حين أشركوا بالله -تعالى- آلهة أخرى، لماذا لم تتحرك تلك الآلهة المزعومة وتتدخل لتحمي من آمنوا بها ؟ !
ويخبرنا الحق سبحانه أن الحجارة التي عبدوها تلعنهم، وهم في النار، وهذه الأحجار تكون وقودا للنار.
والحق سبحانه يقول عن النار : فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة١... ( ٢٤ ) [ البقرة ] : وهؤلاء الذين عبدوا واحدا من الناس أو بعضا من الأصنام، إنما تجنوا، بالجهل على هذا الإنسان الذي عبدوه أو تلك الأحجار التي صلوا لها أو قدسوها.
والشاعر المسلم تأمل غار حراء وغار ثور –وكلاهما من الأحجار- فوجد أن غار حراء قد شهد نزول الوحي على الرسول صلى الله عليه وسلم، وغار ثور حمى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اختفى فيه ومعه الصديق أبو بكر في أثناء الهجرة من مكة إلى المدينة، فتخيل الشاعر أن غار ثور قد حسد غار حراء وقال :
كَمْ حسدناَ حراء حين يَرى الرُّوحَ **** أميناً يغْزُوكَ بالأنْوارِ
فَحِراءٌ وثَوْرٌ صَارَا سَوَاءً **** بِهما تشفّع لأمة الأحجار
فغار حراء شهد جبريل وهو يهبط بالنور على محمد صلى الله عليه وسلم، لكن غار ثور نال أيضا الشرف لحمايته الرسول في الهجرة.
ويقول الشاعر على لسان الأحجار :
عَبَدُونَا وَنحْنُ أعبَدُ**** لله مِنَ القَائِمِينَ بالأسحارِ٢.
قد تجنّوْا جَهْلاً كَمَا قَد تجنّوْا **** على ابنِ مريمَ والحوَاري٣
للمغَالي جزاؤه والمغَالي فيه **** تنجيه رحْمَةُ الغفّارِ
وهكذا لا تغني عنهم آلهتهم المعبودة شيئا سواء أكانت بشرا أم حجارة، لم تغن عنهم شيئا ولم ترفع عنهم العذاب الذي تلقوه عقابا في الدنيا وسعيرا في الآخرة، وإذا كانوا قد دعوهم من دون الله في الدنيا، فحين جاء العذاب لم تتقدم تلك الآلهة لتحميهم من العذاب.
وينهي الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله : .. وما زادوهم غير تتبيب ( ١٠١ ) [ هود : أي : أن تخلي تلك الآلهة التي أشركوها مع الله تعالى أو عبدوها من دون الله. هذا التخلي يزيدهم ألما وإهلاكا نفسيا وتخسيرا، لأن التتبيب هو القطع والهلاك.
والحق سبحانه يقول : تبت يدا أبي لهب وتب٤ ( ١ ) [ المسد ] : كذلك الأخذ الذي أخذ الله به القرى التي كذبت أنبياءها.
لذلك يقول الحق سبحانه بعد ذلك :
وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد٥ ( ١٠٢ ) :

١ - الوقود: ما يشتعل به النار من حطب وغيره. قال تعالى: النار ذا الوقود (٥) [البروج] أي: ذات الحطب الذي يلقي فيها ليزيدها اشتعالا؛ وذلك يدل على حرص الكفار القاعدين حولها على زيادة اشتعالها ليعذبوا بها المؤمنين أشد العذاب- كما حدث في قصة أصحاب الأخدود- ولكن النار في الآخرة يكون وقودها الناس والحجارة، والمراد بالناس هنا: الكفار والعصاة الذين يكون مصيرهم إلى النار. قال تعالى: .. وأولئك هم وقود النار (١٠) [آل عمران]. [القاموس القويم ٢/ ٣٤٨] بتصرف..
٢ - الأسحار: جمع السحر. بفتح السين والحاء. وهو الجزء الأخير من الليل إلى مطلع الفجر. قال تعالى: .. والمستغفرين بالأسحار (١٧) [آل عمران]، وقال: وبالأسحار هم يستغفرون (١٨) [الذاريات]. [القاموس القويم ١/ ٣٠٥]..
٣ - الحواري: هم الحواريون، وهم الخلصاء والأصفياء للأنبياء، قال تعالى: قال الحواريون نحن أنصار الله..(٥٢) [آل عمران] والحواري: الخالص النقي من كل شيء. [القاموس القويم ١/١٧٧]..
٤ - تب يتب تبا وتبابا: خسر وهلك، قال تعالى: {تبت يدا أبي لهب وتب (١) [المسد] وهو دعاء عليه بالخسران والهلاك، ودعا عليه أولا بان تهلك يداه لأنهما آلة البطش والإيذاء. [القاموس القويم ١/٩٦]..

٥ - الأليم: المؤلم شديد الإيلام والوجع. قال تعالى: .. ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون (١٠) [البقرة]. والألم: الوجع الشديد. [القاموس القويم ١/ ٢٦] بتصرف..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير