وبعد ذلك يقول الحق سبحانه :
فلا تك في مرية(١) مما يعبد هؤلاء ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص(٢) ( ١٠٩ ) :
فهل كان الرسول صلى الله عليه وسلم في مرية ؟
هل كان الرسول صلى الله عليه وسلم في شك ؟
لا، ولكنه قول الآمر الأعلى سبحانه للأدنى، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في صدد هذا الأمر ؛ وبذلك ينصرف أمر الحق سبحانه إلى الدوام.
مثلما قال الحق سبحانه للنبي صلى الله عليه وسلم : أقم الصلاة.. ( ٧٨ ) [ الإسراء ].
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يقيم الصلاة قبلها، ولكن قول الحق سبحانه هنا إنما يمثل بداية التشريع.
ومثل هذا أيضا قول الحق سبحانه في خطاب النبي صلى الله عليه وسلم : يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين... ( ١ ) [ الأحزاب ].
فهل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتقي الله ؟
نقول : لا، إنما هو لإدامة التقوى، فإنه إذا أمر الأعلى الأدنى بأمر هو بصدد فعله، انصرف هذا الأمر إلى الدوام، واتباع أمته للتقوى والإعراض عن النفاق والكفر، وهو خطاب للرسول وأمته، فللرسول الدوام والترقي والحصانة، ولأمته الاتباع لمنهج الله.
ومثل هذا قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا... ( ١٥٣ ) [ البقرة ] : وهو سبحانه يناديهم بالإيمان ؛ لأنهم اعتقدوا اعتقاد الألوهية الواحدة، ومن يسمع منهم هذا الخطاب عليه أن يداوم على الإيمان.
وما دام قد آمن بالإله الواحد قبل الخطاب، فقد استحق أن ينال التكريم من الحق سبحانه بأن يخاطبه ويصفه بأنه من المؤمنين، فإذا نودي عليهم بهذه الصفة فهي علامة السمو المقبول.
وإذا طلبت الصفة ممن توجد الصفة فيه، فاعلم أنه سبحانه يطلب دوام الصفة فيه واستمرارها، وفي الاستمرارية ارتقاء.
وقول الحق سبحانه هنا : مما يعبد هؤلاء.. ( ١٠٩ ) [ هود ] : نجد أن التحقيق لا يثبت لهم عبادة(٣) ؛ لأن معنى العبادة ائتمار عابد بأمر معبود. وهؤلاء إنما يعبدون الأصنام، وليس للأصنام منهج يسير عليه من آمنوا بها.
ولكن الحق سبحانه أثبت لهم هنا أنهم عبدوا الأصنام، وهم قد قالوا من قبل : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى(٤)... ( ٣ ) [ الزمر ].
وهو إيمان فقد حجية التعقل الإيمان، أي : أن تستقبل أنت بذاتك القضية الإيمانية وتناقشها لتدخل عليها باقتناع ذاتك.
وهم قد دخلوا إلى الإيمان بعبادة الأصنام باقتناع الغير، وهم الآباء، فإيمانهم إيمان تقليد، وفي التقليد جفاف الفطرة السليمة وهو لا ينفع.
ونحن نعلم أن الحق سبحانه وتعالى قد جعل النسب في الكون إما ليثبت نسبة إيجابية، أو نسبة سلبية(٥).
ما يعبدون.. ( ١٠٩ ) [ هود ] : أي : على ما قالوا إنه عبادة، ولكنه ليس عبادة، لأن العبادة تقتضي أمرا ونهيا، وليس للأصنام أوامر أو نواه، وعبادتهم هي عبادة تقليدية للآباء ؛ ولذلك قالوا : بل نتبع ما ألفينا(٦) عليه آباءنا.. ( ١٧٠ ) [ البقرة ] : ولذلك يقرر الحق سبحانه هنا جزاءهم، فيقول تعالى : .. وإنا لموفوهم(٧) نصيبهم(٨) غير منقوص ( ١٠٩ ) [ هود ] : أي : سنعطيهم جزاءهم كاملا ؛ لأنهم يفسدون في الكون، رغم أن الحق سبحانه قد جعل لكم منهم حق الاختيار في أن يفعل الشيء أو لا يفعله، وإن لم تنضبط حركة الاختيار، فالتوازن الاجتماعي يصير إلى اختلال.
ومادام للإنسان حق الاختيار ؛ فقد أنزل الحق سبحانه له المنهج الذي يضم التكاليف الإيمانية.
وهم حين قلدوا الآباء قد ساروا في طريق إفساد الكون ؛ لذلك يوفيهم الحق سبحانه نصيبهم من العذاب.
والمفهوم من كلمة " النصيب " (٩) أنها للرزق، ويذكرها الحق سبحانه هنا لتقرير نصيب من العذاب، وفي هذا تهكم عليهم، وسخرية منهم.
٢ - النقص: مصدر نقص. قال تعالى: ولنبلوكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات..(١٥٥) [البقرة]، ومنقوص: اسم مفعول منه، قال تعالى: .. وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص (١٠٩) [هود] أي: كاملا، لا ننقص منه شيئا. [القاموس القويم: مادة [نقص]]..
٣ - عبد الله يعبده، عبادة وعبودة: أطاعه فهو عابد اسم فاعل. وعبده بالتضعيف، سخره وأذله، يقول الحق سبحانه: وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل (٢٢) [الشعراء] والعبد بالنسبة للناس الرقيق المملوك، ويجمع على جموع منها: عباد، وعبيد وعبد- وعبد، والعبد بالنسبة لله الإنسان الحر أو الرقيق، فكلاهما مملوك لله خاضع لحكمه وإرادته، وعباد الأصنام هم عباد الأفكار هي تخريف وتحريف عن الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وكل عابد لفكرة منحرفة، فهو منحرف عن الحقيقة [القاموس القويم ١/ ٣، ٤ بتصرف]..
٤ - الزلفى: القرب، والمنزلة، والدرجة قال تعالى: وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى..(٣٧) [سبأ] أي: قربا، مفعول مطلق مرادف، أو تقربكم درجة ومنزلة قريبة منا. [القاموس القويم: مادة [ز ل ف]]..
٥ - فالكون فيه ألفاظ مفردة نعرف معانيها مثل: السماء، والأرض، ونفهم تصور الشيء، أما عندما نذكر لهذا الشيء صفة فهذا معناه النسبة، مثل قولنا: الأرض كروية. [مستنبط من كلام فضيلة الشيخ]..
٦ - ألفى الشيء: وجده قال تعالى: إنهم ألفوا آباءهم ضالين (٦٩) [الصافات]، وقال تعالى: وألفيا سيدها لدا الباب..(٢٥) [يوسف] أي: وجداه. [القاموس القويم: مادة [ل ف ي]]...
٧ - وفى إليه حقه: أوصله إليه كاملا، ويتعدى لمفعولين فيقال: وفاه حقه، واسم الفاعل، موف: اسم منقوص. [القاموس القويم: ٢/ ٣٤٧]..
٨ - قال القرطبي في تفسيره [٤/ ٣٤٢٣]:
"فيه ثلاث أقوال:
أحدها: نصيبهم من الرزق، قاله أبو العالية.
الثاني: نصيبهم من العذاب. قاله ابن زيد.
الثالث: ما وعدوا به من خير أو شر. قاله ابن عباس"..
٩ - النصيب: القسم والحصة من الشيء. قال تعالى: أولئك لهم نصيب مما كسبوا..(٢٠٢) [البقرة]
أي: لهم حظ وقسم وحصة هي حق لهم من كسبهم. [القاموس القويم: مادة [ن ص ب]]..
تفسير الشعراوي
الشعراوي