وهذا بقدر الله ومشيئته، كما قال تعالى :
وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذالِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
يقول الحق جل جلاله : ولو شاء ربك لجعل الناسَ أمةً واحدة ، متفقين على الإيمان أو الكفران، لكن مقتضى الحكمة وجود الاختلاف ؛ ليظهر مقتضيات الأسماء في عالم الشهادة ؛ فاسمه : الرحيم والكريم يقتضي وجود من يستحق الكرم والرحمة، وهم : أهل الإيمان. واسمه : المنتقم والقهار يقتضي وجود من يستحق الانتقام والقهرية، وهم أهل الكفر والعصيان. قال البيضاوي : وفيه دليل ظاهر على أن الأمر غير الإرادة، وأنه تعالى لم يرد الإيمان من كل أحد، وأن ما أراد يجب وقوعه. ه.
ولا يزالون مختلفين ؛ بعضهم على الحق، وهم أهل الرحمة والكرم ؛ وبعضهم على الباطل، وهم أهل القهرية والانتقام. أو مختلفين في الأديان والملل والمذاهب.
وأما قول من قال :[ ما زالت الصوفية بخير ما اختلفوا، فإذا اتفقوا فلا خير فيهم ]، فالمراد بالاختلاف : تغيير بعضهم على بعض، عند ظهور نقص أو عيب أو ذنب. فإذا اتفقوا وسكت بعضهم عن بعض فلا خير فيهم. وقوله عليه الصلاة والسلام :" خلاف أمتي رحمة ". المراد : الاختلاف في الفروع كاختلاف المذاهب ؛ ففي ذلك رخصة لأهل الاضطرار ؛ لأن من قلد عالماً لقي الله سالماً. والله تعالى أعلم. مَذاهبُ الناس على اختلاف ومذاهب القوم على ائتلاف
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي