فَقَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ والملأ هم : السادة والكبراء من الكافرين منهم : مَا نَرَاكَ إِلا بَشَرًا مِثْلَنَا أي : لست بملك، ولكنك بشر، فكيف أوحي إليك من دوننا ؟ ثم ما نراك١ اتبعك إلا أراذلنا٢ كالباعة والحاكة وأشباههم ولم يتبعك الأشراف ولا الرؤساء [ منا ]٣ ثم هؤلاء الذين اتبعوك لم يكن عن تَرَوّ منهم ولا فكرة ولا نظر، بل بمجرد ما دعوتهم أجابوك فاتبعوك٤ ؛ ولهذا قال : وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ أي : في أول بادئ الرأي، وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ يقولون : ما رأينا لكم علينا فضيلة في خَلْق ولا خُلُق، ولا رزق ولا حال، لَمَّا دخلتم في دينكم هذا، بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ أي : فيما تَدَّعونه٥ لكم من البر والصلاح والعبادة، والسعادة في الدار الآخرة إذا صرتم إليها.
هذا اعتراض الكافرين على نوح، عليه السلام، وأتباعه، وذلك دليل على جهلهم وقلة علمهم وعقلهم، فإنه ليس بعار على الحق رَذَالة من اتبعه، فإن الحق في نفسه صحيح، وسواء اتبعه الأشراف أو الأراذل٦ بل الحق الذي لا شك فيه أن أتباع الحق هم الأشراف، ولو كانوا فقراء، والذين يأبونه هم الأراذل، ولو كانوا أغنياء. ثم الواقع غالبا أن ما يتبع الحق ضعفاء الناس، والغالب على الأشراف والكبراء مخالفته، كما قال تعالى : وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ [ الزخرف : ٢٣ ]، ٧ ولما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان صخر بن حرب عن صفات النبي صلى الله عليه وسلم، قال له فيما قال : أشراف الناس اتبعوه أو ضعفاؤهم ؟ قال : بل ضعفاؤهم. فقال هرقل : هم أتباع الرسل.
وقولهم٨ بَادِيَ الرَّأَي ليس بمذمة ولا عيب ؛ لأن الحق إذا وضح لا يبقى للتروي٩ ولا للفكر مجال، بل لا بد من اتباع الحق والحالة هذه لكل ذي زكاء وذكاء ولا يفكر وينزوي هاهنا إلا عَيِيّ أو غبي١٠. والرسل، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، إنما جاءوا بأمر جلي واضح.
وقد جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" ما دعوت أحدًا إلى الإسلام إلا كانت له كَبْوَة، غير أبي بكر، فإنه لم يَتَلَعْثَم " ١١ أي : ما تردد ولا تروَّى، لأنه رأى أمرا جليا عظيما واضحا، فبادر إليه وسارع.
وقولهم : وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ هم لا يرون ذلك ؛ لأنهم عُمْي عن الحق، لا يسمعون ولا يبصرون : بل هم في ريبهم يترددون، في ظلمات الجهل يعمهون، وهم الأفاكون الكاذبون، الأقلون الأرذلون، وفي الآخرة هم الأخسرون.
٢ - في ت :"أرذلنا"..
٣ - زيادة من ت، أ..
٤ - في ت، أ :"واتبعوك"..
٥ - في ت :"تدعوهم"، وفي أ :"تدعونهم"..
٦ - في ت، أ :"الأرذال"..
٧ - في ت :"من نبي"..
٨ - في ت :"وقوله"..
٩ - في ت :"للروي"، وفي أ :"للردي"..
١٠ - في ت، أ :"غني"..
١١ - ذكره المؤلف في البداية والنهاية (٣/٢٧) عن ابن إسحاق وهو منقطع..
تفسير القرآن العظيم
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي
سامي سلامة