وقوله : ما نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنا وَما نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنا ٢٧
رفعَتَ الأراذل بالاتِّباع وقد وقع الفعل في أوَّل الكلام على اسمه. ولا تكاد العرب تجعل المردود بإلاَّ إلا على المبتدأ لا على راجِع ذكره. وهو جائز. فمن البيّن الذي لا نظر فيه أن تقول : ما قام أحد إلاّ زيد. وإن قلت : ما أحد قام إلا زيد فرفعت زيداً بما عاد في فعل أحد فهو قليل وهو جائز. وإنما بَعُد على المبتدأ لأنه كناية، والكناية لا يُفرق فيها بين أحدٍ وبين عبد الله، فلما قبح أن تقول : ما قام هو إلاّ زيد، وحسن : ما قام أحد إلا زيد تبيَّن ذلك لأن أحداً كأنّه ليسَ في الكلام فحسُن الردّ على الفعل. ولا يقال للمعرفة أو الكناية أَحد إذْ شاكل المعرفة كأنه ليس في الكلام ؛ ألا ترى أنك تقول ما مررت بأحد إلا بزيد ( فكأنك قلت : ما مررت إلا بزيد ) لأن أحداً لا يُتَصوّر في الوهم أنه مَعْمود له. وقبيح أن تقول : ليس أحد مررت به إلاّ بزيد لأن الهاء لها صورة كصورة المعرفة، وأنت لا تقول : ما قمت إلا زيد فهذا وجه قبحه. كذلك قال :( ما نراك ) ثم كأنه حذف ( نراك ) وقال :( ما اتَّبعك إلا الذين هم أراذلنا ) فإبْن على هذا ما ورد عليك إن شاء الله.
( بَادِيَ الرَّأْيِ ) لا تهمز ( بادي ) لأن المعنى فيما يظهر لنا [ و ] يبدو. ولو قرأت ( بادئ الرأي ) فهمزت تريد أوّل الرأي لكان صوابا. أنشدني بعضهم :
| أضحى لخالي شبهي بادى بدي | وصار للفحل لساني ويدى |
| فقالوا ما تريد فقلت ألهو | إلى الإصباح آثِر ذي أَثِير |
معاني القرآن
أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الديلمي الفراء