و( بادي الرأي ) : ظرف ل( اتبعك )، على حذف مضاف أي : وقت حدوث أول رأيهم. وهو من البدء أي : الحدوث، أو من البُدُوِّ، أي : الظهور. أي : اتبعوك في ظاهر الرأي دون التعمق في النظر.
فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نَراك إلا بشراً مثلنا ؛ لا مزية لك علينا تخصك بالنبوءة ووجوب الطاعة، وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلُنا ؛ أخساؤنا وسُقَّاطنا ؛ جمع أرذل. بادِيَ الرأي ؛ من أول الرأي من غير تفكر ولا تدبر، أي : اتبعك هؤلاء بادي الرأي من غير ترو. أو ظاهراً رأيهم خفيفاً عقلهم، وإنما استرذلوهم، لأجل فقرهم، جهلاً منهم، واعتقاداً أن الشرف هو المال والجاه. وليس الأمر كذلك. بل الشرف إنما هو بالإيمان والطاعة، ومعرفة الحق. وقيل : إنهم كانوا حاكة وحجامين. وقيل : أراذل في أفعالهم، لقوله : وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُون [ الشعراء : ١١٢ ]، ثم قالوا : وما نَرى لكم أي : لك ولمتبعيك علينا من فضلٍ يؤهلكم للنبوءة، واستحقاق المتابعة. بل نظنكم كاذبين ؛ أنت في دعوى النبوءة، وهم في دعوى العلم بصدقك. فغلب المخاطب على الغائبين.
الإشارة : تكذيب الصادقين سنة ماضية، وأتباع الخصوص موسومون بالذلة والقلة، وهم أتباع الرسل والأولياء وهم أيضاً جُل أهل الجنة ؛ لأن المصطفى صلى الله عليه وسلم قال :" أَهلُ الجَنَّة كُلُّ ضَعِيفٍ مُستَضعَفٍ " ١. وقالت الجنة : مَا لِيَ لا يَدخُلُني إلا سُقَّطُ الناس ؟ فقال لها الحق تعالى :" أنتِ رَحمَتي أَرحَمُ بِك مَنْ أَشاء " حسبما في الصحيح.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي