ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩ

قوله تعالى : ويا قوم لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً .
الضَّمير في " عَلَيْهِ " يجوزُ أن يعود على الإنذار والمفهوم من " نَذِيرٌ "، وأن يعودَ على الدِّين الذي هو الملَّة، وأن يعود على التَّبليغ.
وهذا جوابٌ على الشُّبهةِ الثانية، وهي قولهم : اتَّبَعَك الأرَاذل، فقال : أنا لا أطلبُ على تبليغِ الرِّسالةِ مالاً حتَّى يتفاوت الحالُ بسبب كون المستجيب فقيراً، أو غنياً، وإنما أجري علَى هذه الطاعة على رب العالمين، وإذا كان كذلك فسواء كان غنياً أو فقيراً، لم يتفاوت الحال في ذلك.
ويحتمل أنَّه قال لهم : إنكم لمَّا نظرتم إلى هذه الأمور وجدتُمُوني فقيراً، وظننتم أنِّي إنما أتيت بهذه الأمور لأتوسَّل بها إلى أخذ أموالكم، وهذا الظَّن منكم خطأ، وإنِّي لا أسألكم على تبليغ الرسالة أجْراً، إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ على رَبِّ العالمين [ الشعراء : ١٠٩ ]، فلا تحرموا أنفسكم من سعادة الدين بهذا الظن الفاسد.
قوله : وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الذين قرئ١ " بطَاردٍ الذينَ " بتنوين " طارد ".
قال الزمخشري٢ : على الأصل يعنى أنَّ أصل اسم الفاعل بمعنى الحال والاستقبال العملُ وهو ظاهرُ قول سيبويه.
قال أبُو حيَّان : يُمكن أن يقال : ألأصل الإضافةُ لا العَمَلُ، لأنَّهُ قد اعتورهُ شَبَهَان :
أحدهما : الشبه بالمضارع وهو شبهٌ بغير جنسه.
والآخر : شبههُ بالأسماءِ إذا كانت فيه الإضافةُ ؛ فكان إلحاقه بجنسه أولى.
وقوله : إِنَّهُمْ مُّلاَقُو رَبِّهِمْ استئنافٌ يفيدُ التَّعليل، وقوله :" تَجْهَلُون " صفةٌ لا بُدَّ منها إذ الإتيانُ بهذا الموصوفِ دون صفته لا يفيدُ، وأتى بها فعلاً ليدلَّ على التَّجدُّد كلَّ وقتٍ.

فصل


قوله : وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الذين آمنوا كالدَّليل على أنَّ القوم سألوه لئلاَّ يشاركوا الفقراءَ، فقال صلى الله عليه وسلم :" ومَا أنَا بطارِدِ الذين آمنُوا "، وأيضاً قولهم وَمَا نَرَاكَ اتبعك إِلاَّ الذين هُمْ أَرَاذِلُنَا كالدَّليل على أنَّهم طلبوا منه طردهم ؛ فكأنَّهم يقولون لو اتَّبَعَك الأشراف لوافقناهم.
ثمَّ ذكر ما يوجب الامتناع من طردهم، وهو أنَّهم ملاقُو ربِّهم، وهذا الكلامُ يحتملُ وجوهاً :
منها : أنَّهُم قالوا إنَّهم منافقون فيما أظهروا فلا تغترَّ بهم ؛ فأجاب بأنَّ هذا الأمر ينكشفُ عند لقاءِ ربِّهم في الآخرة.
ومنها : أنَّهُ جعله علَّة في الامتناع من الطَّرْدِ، وأراد أنهم ملاقو ربِّهم ما وعدهم، فإن طردتهم استخصموني في الآخرة.
ومنها : أنَّهُ نَبَّه بذلك على أنَّا نجتمع في الآخرة ؛ فأعاقب على طردهم فلا أجد من ينصرني.
ثم بيَّن أنَّهم يَبْنُون أمرهُم على الجَهْلِ بالعواقب والاغترارِ بالظَّواهرِ فقال : ولكني أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ .
١ ينظر: الكشاف ٢/٣٩٠، والبحر المحيط ٥/٢١٨، والدر المصون ٤/٩٥..
٢ ينظر: الكشاف ٢/٣٩٠..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية