ويقول الحق سبحانه بعد ذلك على لسان نوح عليه السلام : ويا قوم لا أسألكم عليه١ مالا إن٢ أجري إلا على الله وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون :
ومثل هذا القول بمعناه جاء مع كل رسول، ففي مواضع أخرى يقول الحق سبحانه : قل لا أسألكم عليه أجرا... ( ٩٠ ) [ الأنعام ] : لأن العوض في التبادل قد لا يكون مالا، بل قد يكون تمرا، أو شعيرا أو قطنا أو غير ذلك، والأجر-كما نعلم- هو أعم من أن يكون مالا أو غير مال ؛ لذلك يقول الحق سبحانه هنا : لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا على الله... ( ٢٩ ) [ هود ] : وهكذا نجد أن الحق سبحانه قد أغلى الأمر.
وقول الرسول : إن أجري٣ إلا على الله... ( ٢٩ ) [ هود ] : هو قول يدل على أن الأمر الذي جاء به الرسول هو أمر نافع ؛ لأن الأجرة لا تستحق إلا مقابل المنفعة.
ونحن نعلم أن مبادلة الشيء بعينه أو ما يساويه ؛ تسمى شراء، أما أن يأخذ الإنسان المنفعة من العين، وتظل العين ملكا لصاحبها، فمن يأخذ هذه المنفعة يدفع عنها إيجارا، فكأن نوحا عليه السلام يقول : لقد كنت أستحق أجرا لأنني أقدم لكم منفعة، لكنني لن آخذ منكم شيئا، لا زهدا في الأجر، ولكني أطمع في الأجر ممن هو أفضل منكم وأعظم وأكبر.
ولأن هذا الملأ الكافر قد وصف من اتبع نوحا بأنهم أراذل٤ ؛ لذلك يأتي الرد من نوح عليه السلام : وما أنا بطارد الذين آمنوا... ( ٢٩ ) [ هود ] : ويوضح هذا الرد ان نوحا عليه السلام لا يمكن أن يطرد إنسانا من حظيرة الإيمان لأنه فقير، فاليقين الإيماني لا علاقة له بالثروة أو الجاه أو الفقر والحاجة. ولا يخلى رسول مكانا من أتباعه الفقراء ليأتي الأغنياء، بل الكل سواسية أمام الله سبحانه وتعالى.
والحق سبحانه يقول : ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي٥ يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين٦ ( ٥٢ ) [ الأنعام ] : وقد جعل الحق سبحانه هؤلاء الذين يطلق عليهم كلمة " أراذل " فتنة، فمن تكبر بسبب فقر وضعف أتباع الرسل، فليغرق في كبره.
لذلك يقول الحق سبحانه : وكذلك فتنا٧ بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء منّ٨ الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين( ٥٣ ) [ الأنعام ].
وأيضا يأمر الحق سبحانه رسوله بأن يضع عينه على هؤلاء الضعاف، وألا يصرف عنهم أو عن أي واحد منهم، فيقول الحق سبحانه : واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد٩ عيناك عنهم.. ( ٢٨ ) [ الكهف ] : جاء هذا القول حتى لا ينشأ فساد أو عداء بين المؤمنين برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يقال : " فلان مقرب منه " ؛ ولذلك كان صلى الله عليه وسلم إذا جلس ؛ يوزع نظره على كل جلسائه، حتى يظن كل جالس أن نظره لا يتحول عنه.
وفي هذه الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه وتعالى على لسان سيدنا نوح-عليه السلام- وصفا لهؤلاء الضعاف الذين آمنوا :
إنهم ملاقوا ربهم.. ( ٢٩ ) [ هود ] : وفي هذا بيان أن نوحا –عليه السلام- لن يطرد هؤلاء الضعاف المؤمنين، فلو طردهم وهم الذين سيلقون الله تعالى، أيسمح نوح عليه السلام أن يقال عنه أمام الحق-تبارك وتعالى- إنه قد طرد قوما آمنوا برسالته ؟ طبعا لا.
ونحن نعلم أن الحق سبحانه يحاسب رسله، والمرسل إليهم، فهو سبحانه القائل :
فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين١٠( ٦ ) [ الأعراف ] : إذن : فنوح –عليه السلام- يعلم أنه مسؤول أمام ربه، ولكن هذا الملأ الكافر من قومه يجهلون ؛ ولذلك يقول الحق سبحانه في نهاية هذه الآية الكريمة على لسان نوح عليه السلام : ... ولكني أراكم قوما تجهلون ( ٢٩ ) [ هود ] : أي : أنهم لا يفهمون مهمة نوح عليه السلام، وأنه مسؤول أمام ربه.
٢ -إن- هنا- نافية، بمعنى: "ما" أو "ليس" أي: ما اجري إلا على الله..
٣ - آجره يؤجره إيجارا: أجر من فلان الدار وغيرها: اكتراها منه، وآجره يؤاجره مؤاجرة استأجره اتخذه أجيرا والإجارة: الأجر على العمل: عقد تمليك نفع مقصود من العين بعوض، والأجرة عوض العمل والانتفاع، والأجر الذي يكفي العامل للعيش والأجر الحقيقي القوة الشرائية للنقد الذي يحصل عليه العامل والأجرة: الأجر. والأجير من يعمل بأجر وأعظم الأجر عطاء الله "المعجم الوجيز" بتصرف..
٤ - - والأراذل جمع رذل، وقيل: الواحد أرذل والجمع أراذل، وقد غلبت عليه الاسمية وإن كان وصفا [التبيان في إعراب القرآن]..
٥ - أي: نهارا وليلا. والمراد أنهم دائمو الدعاء لله رب العالمين.
٦ -نزلت هذه الآية في بضعة نفر من فقراء وضعفاء المسلمين منهم: ابن مسعود وصهيب وعمار والمقداد وبلال. فقد قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا لا نرضى أن نكون أتباعا لهؤلاء فاطردهم، فدخل قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك ما شاء الله أن يدخل، فأنزل الله تعالى الآية. أخرجه النيسابوري في أسباب النزول (ص ١٢٤)..
٧ - فتنا: اختبرنا، والفتنة: الاختبار بالنار، واستعيرت لكل اختبار شديد. وقال تعالى: ما أنتم عليه بفاتنين(١٦٢) [الصافات]..
٨ - منّ عليه: أنعم عليه وأحسن إليه. وقال تعالى: لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم...(١٦٤) [آل عمران] [القاموس القويم]..
٩ - عدت عينه عنه: تجاوزته وأهملت النظر إليه واستحسنت غيره، كناية عن الإعراض وعدم الاهتمام قال تعالى: ولا تعد عيناك عنهم...(٢٨) [الكهف] أي: لا تتركهم ولا تهملهم. [القاموس القويم]..
١٠ - قوله تعالى: فلنسلن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين (٦) [الأعراف] كقوله: ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين(٦٥) [القصص] وكقوله: يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب(١٠٩) [المائدة] فيسأل الله عن الاستجابة للرسل، ويسأل الرسل عن البلاغ.
ومن النص القرآني نأخذ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) [ابن كثير بتصرف ص ٢٠٦ جـ ٢]..
تفسير الشعراوي
الشعراوي