ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩ

وَالِاسْتِفْهَامُ إِنْكَارِيٌّ، أَيْ مَا كَانَ لَنَا ذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْهُ بِإِكْرَاهِهِمْ إِعْرَاضًا عَنِ الْعِنَايَةِ بِهِمْ فَتَرَكَ أَمْرَهُمْ إِلَى اللَّهِ، وَذَلِكَ أَشَدُّ فِي تَوَقُّعِ الْعِقَابِ الْعَظِيمِ.
وَالْكَارِهُ: الْمُبْغِضُ لِشَيْءٍ. وَعُدِّيَ بِاللَّامِ إِلَى مَفْعُولِهِ لِزِيَادَةِ تَقْوِيَةِ تَعَلُّقِ الْكَرَاهِيَةِ بِالرَّحْمَةِ أَوِ الْبَيِّنَةِ، أَيْ وَأَنْتُمْ مُبْغِضُونَ قَبُولَهَا لِأَجْلِ إِعْرَاضِكُمْ عَنِ التَّدَبُّرِ فِيهَا.
وَتَقْدِيمُ الْمَجْرُورِ عَلَى كارِهُونَ لِرِعَايَةِ الْفَاصِلَةِ مَعَ الِاهْتِمَامِ بِشَأْنِهَا. وَالْمَقْصُودُ مِنْ كَلَامِهِ بَعَثُهُمْ عَلَى إِعَادَةِ التَّأَمُّلِ فِي الْآيَاتِ. وَتَخْفِيضُ نُفُوسِهِمْ. وَاسْتِنْزَالُهُمْ إِلَى الْإِنْصَافِ.
وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ مَعْذِرَتَهُمْ بِمَا صَنَعُوا وَلَا الْعُدُولَ عَنْ تَكْرِير دعوتهم.
[٢٩]
[سُورَة هود (١١) : آيَة ٢٩]
وَيا قَوْمِ لَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (٢٩)
إِعَادَةُ الْخِطَابِ بِ يَا قَوْمِ تَأْكِيدٌ لِمَا فِي الْخِطَابِ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ مِنَ الْمَعَانِي الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، وَأَمَّا عَطْفُ النِّدَاءِ بِالْوَاوِ مَعَ أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِهِ وَاحِدٌ وَشَأْنُ عَطْفِ النِّدَاءِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْمُنَادَى، كَقَوْلِ الْمَعَرِّيِّ:

يَا ساهر الْبَرْق أيقظن رَاقِدَ السَّمُرِ لَعَلَّ بِالْجِزْعِ أَعْوَانًا عَلَى السَّهَرِ
ثُمَّ قَالَ:
وَيَا أَسِيرَةَ حِجْلَيْهَا أَرَى سَفَهًا حَمْلَ الْحُلِيِّ بِمَنْ أَعْيَا عَنِ النَّظَرِ
فَأَمَّا إِذَا اتَّحَدَ الْمُنَادَى فَالشَّأْنُ عَدَمُ الْعَطْفِ كَمَا فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ- عَلَيْهِ السَّلَامُ- فِي سُورَةِ مَرْيَمَ [٤٢- ٤٥] إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ
- إِلَى قَوْلِهِ- وَلِيًّا فَقَدْ تَكَرَّرَ النِّدَاءُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ.

صفحة رقم 53

فَتَعَيَّنَ هُنَا أَنْ يَكُونَ الْعَطْفُ مِنْ مَقُولِ نُوحٍ- عَلَيْهِ السَّلَامُ- لَا مِنْ حِكَايَةِ اللَّهِ عَنْهُ. ثُمَّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَنْبِيهًا عَلَى اتِّصَالِ النِّدَاءَاتِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ، وَأَنَّ أَحَدَهَا لَا يُغْنِي عَنِ الْآخَرِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ الْوَصْلِ لِأَنَّ النِّدَاءَ افْتِتَاحُ كَلَامٍ فَجُمْلَتُهُ ابْتِدَائِيَّةٌ وَعَطْفُهَا إِذَا عُطِفَتْ مُجَرَّدُ عَطْفٍ لَفْظِيٍّ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَفَنُّنًا عَرَبِيًّا فِي الْكَلَامِ عِنْدَ تَكَرُّرِ النِّدَاءِ اسْتِحْسَانًا لِلْمُخَالَفَةِ بَيْنَ التَّأْكِيدِ وَالْمُؤَكَّدِ. وَسَيَجِيءُ نَظِيرُ هَذَا قَرِيبًا فِي قِصَّةِ هُودٍ- عَلَيْهِ السَّلَامُ- وَقِصَّةِ
شُعَيْبٍ- عَلَيْهِ السَّلَامُ-.
وَمِنْهُ مَا وَقَعَ فِي سُورَةِ الْمُؤْمِنِ [٣٠- ٣٣] فِي قَوْلِهِ: وَقالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ ثُمَّ قَالَ: وَقالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ، يَا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ، مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ وَيا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ [غَافِر: ٣٨- ٤١]. فَعَطَفَ (وَيَا قَوْمِ) تَارَةً وَتَرَكَ الْعَطْفَ أُخْرَى.
وَأَمَّا مَعَ اخْتِلَافِ الْوَصْفِ الْمُنَادَى بِهِ فَقَدْ جَاءَ الْعَطْفُ وَهُوَ أَظْهَرُ لِمَا فِي اخْتِلَافِ وَصْفِ الْمُنَادَى مِنْ شِبْهِ التَّغَايُرِ كَقَوْلِ قَيْسٍ بْنِ عَاصِمٍ، وَقِيلَ حَاتِمٍ الطَّائِيِّ:

أَيَا ابْنَةَ عَبْدِ اللَّهِ وَابْنَةَ مَالِكٍ وَيَا ابْنَةَ ذِي الْبُرْدَيْنِ وَالْفَرَسِ الْوَرْدِ
فَقَوْلُهُ: (وَيَا بْنَةَ ذِي الْبُرْدَيْنِ) عَطْفُ نِدَاءٍ عَلَى نِدَاءٍ وَالْمُنَادَى بِهِمَا وَاحِدٌ.
لَمَّا أَظْهَرَ لَهُمْ نُوحٌ- عَلَيْهِ السَّلَامُ- أَنَّهُ يُجْبِرُهُمْ عَلَى إِيمَانٍ يَكْرَهُونَهُ انْتَقَلَ إِلَى تَقْرِيبِهِمْ مِنَ النَّظَرِ فِي نَزَاهَةِ مَا جَاءَهُمْ بِهِ، وَأَنَّهُ لَا يُرِيدُ نَفْعًا دُنْيَوِيًّا بِأَنَّهُ لَا يَسْأَلُهُمْ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ مَالا يُعْطُونَهُ إِيَّاهُ، فَمَاذَا يَتَّهِمُونَهُ حَتَّى يَقْطَعُونَ بِكَذِبِهِ.

صفحة رقم 54

وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: عَلَيْهِ عَائِدٌ إِلَى الْمَذْكُورِ بِمَنْزِلَةِ اسْمِ الْإِشَارَةِ فِي قَوْلِهِ: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَإِنَّ الضَّمِيرَ يُعَامَلُ مُعَامَلَةَ اسْمِ الْإِشَارَةِ.
وَجُمْلَةُ إِنْ أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ احْتِرَاسٌ لِأَنَّهُ لَمَّا نَفَى أَنْ يَسْأَلَهُمْ مَالًا، وَالْمَالُ أَجْرٌ، نَشَأَ تَوَهُّمُ أَنَّهُ لَا يَسْأَلُ جَزَاءً عَلَى الدَّعْوَةِ فَجَاءَ بِجُمْلَةِ إِنْ أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ احْتِرَاسًا. وَالْمُخَالَفَةُ بَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ فِي قَوْلِهِ: مَالًا وأَجرِيَ تُفِيدُ أَنَّهُ لَا يَسْأَلُ مِنَ اللَّهِ مَالًا وَلَكِنَّهُ يَسْأَلُ ثَوَابًا. وَالْأَجْرُ: الْعِوَضُ عَلَى عَمَلٍ. وَيُسَمَّى ثَوَابُ اللَّهِ أَجْرًا لِأَنَّهُ جَزَاءٌ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ.
وَعَطَفَ جُمْلَةَ وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى جملَة لَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا لِأَنَّ مَضْمُونَهَا كَالنَّتِيجَةِ لِمَضْمُونِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهَا لِأَنَّ نَفْيَ طَمَعِهِ فِي الْمُخَاطَبِينَ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُؤْذِي أَتْبَاعَهُ لِأَجْلِ إِرْضَاءِ هَؤُلَاءِ. وَلِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْ أَتْبَاعِهِ بِطَرِيقِ الْمَوْصُولِيَّةِ بِقَوْلِهِ: الَّذِينَ
آمَنُوا
لِمَا يُؤْذِنُ بِهِ الْمَوْصُول من تَغْلِيظ قَوْمِهِ فِي تَعْرِيضِهِمْ لَهُ بِأَنْ يَطْرُدَهُمْ بِمَا أَنَّهُمْ لَا يُجَالِسُونَ أَمْثَالَهُمْ إِيذَانًا بِأَنَّ إِيمَانَهُمْ يُوجِبُ تَفْضِيلَهُمْ عَلَى غَيْرِهِمُ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ وَالرَّغْبَةَ فِيهِمْ فَكَيْفَ يَطْرُدُهُمْ. وَهَذَا إِبْطَالٌ لِمَا اقْتَضَاهُ قَوْلُهُمْ: وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا [هود: ٢٧] مِنَ التَّعْرِيضِ بِأَنَّهُمْ لَا يُمَاثِلُونَهُمْ فِي مُتَابَعَتِهِ.
وَالطَّرْدُ: الْأَمْرُ بِالْبُعْدِ عَنْ مَكَانِ الْحُضُورِ تَحْقِيرًا أَوْ زَجْرًا. وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى:
وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ [٥٢].
وَجُمْلَة إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ فِي مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِنَفِيَ أَنْ يَطْرُدَهُمْ بِأَنَّهُمْ صَائِرُونَ إِلَى اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ فَمُحَاسِبٌ مَنْ يَطْرُدُهُمْ، هَذَا إِذَا كَانَتِ الْمُلَاقَاةُ عَلَى الْحَقِيقَةِ، أَوْ أَرَادَ أَنَّهُمْ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ فِي صَلَاتِهِمْ فَيَنْتَصِرُ اللَّهُ لَهُمْ إِذَا كَانَتِ الْمُلَاقَاةُ مَجَازِيَّةً، أَوْ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ حِينَ يَحْضُرُونَ مَجْلِسَ دَعْوَتِي لِأَنِّي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ لَا إِلَى شَيْءٍ يَخُصُّنِي فَهُمْ عِنْدَ مُلَاقَاتِي كَمَنْ يُلَاقُونَ رَبَّهُمْ لِأَنَّهُمْ يَتَلَقَّوْنَ مَا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ. وَهَذَا
كَقَوْلِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قِصَّةِ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ

صفحة رقم 55

تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

محمد الطاهر بن عاشور

الناشر الدار التونسية للنشر
سنة النشر 1403
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية