ثم قال :
وَيا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّهُمْ مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ * وَيا قَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ
يقول الحق جل جلاله : حاكياً عن نوح عليه السلام : ويا قوم لا أسألكم عليه ؛ على التبليغ المفهوم من السياق، مالاً : جُعلاً أنتفع به، وإن أجري إلا على الله ؛ فإنه المأمول منه. ثم طلبوا منه طرد الضعفاء ليجالسوه، فقال لهم : وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقو ربهم فيخاصموني إن طردتهم، أو : إنهم ملاقوه فيفوزون بقربه، فكيف أطردهم ؟ ولكني أراكم قوماً تجهلون لقاء ربكم، أو بأقدارهم، أو تسفهون عليهم فتدعُوهم أرذال، أو قوماً جُهالاً استحكم فيكم الجهل وشختم فيه، فلا ينفع فيكم الوعظ والتذكير.
قلت : هذا إن كان له تشوف وتطلع بذلك، بحيث لو لم يعط لم يُعلم، أو لم يُذكر. وأما إن كان يعلم ويذكر لله، ثم يتصدق عليه لله، فلا بأس به إن شاء الله. وما زالت الأشياخ والأولياء يقبضون زيارات الفقراء، وكل من يأتيهم ويذكرونهم ويعرفونهم بالله، لأن ذلك ربح للمعطي وتقريب له، وما ربح الناس إلا من فلسهم ونفسهم ؛ بذلوها لله، فأغناهم الله. وقد تقدم عند قوله : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً... [ التوبة : ١٠٣ ] بعض الكلام على هذا المعنى، والله تعالى أعلم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي