و( حين ) : متعلق بمحذوف، أي : ألا إنهم يثنونها حين يستغشون. . . الخ. و( يعلم ) : استئناف لبيان النقض عليهم.
ألا أنهم يَثْنُونَ صدورَهم ؛ يلوونها عن الحق وينحرفون عنه، أو يعطفونها على الكفر وعداوة النبي صلى الله عليه وسلم، أو يولون ظهورهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لئلا يروه من شدة البغض والعداوة، ليستخفوا منه أي : من الرسول عليه الصلاة والسلام أو : من الله بسرهم، فلا يطلع رسوله والمؤمنين عليه. قيل : إنها نزلت في طائفة من المشركين، قالوا : إن أرخينا ستورنا، واستغشينا ثيابنا، وطوينا صدورنا على عداوة محمد صلى الله عليه وسلم كيف يعلم ذلك ؟ والحاصل : أن الإثناء إن كان عن الحق فالضمير في :( منه )، يعود على الله، وإن كان عن النبي صلى الله عليه وسلم فالضمير يعود عليه ؛ وفي البخاري عن ابن عباس : أنها نزلت فيمن كان يستحي أن يتخَلّى أو يجامع فيفضي إلى السماء.
وقوله : ألا حين يستغشون ثيابهم : يحتمل أن يكون عند النوم، فيكون الإثناء عن الحق، أو عن الله، أو عند مواجهة الرسول، فيكون الإثناء عن رؤيته عليه الصلاة والسلام، أو عن سماع القرآن. قال تعالى : يعلم ما يسرون في قلوبهم، وما يعلنون بأفواههم فقد استوى في علمه سرهم وعلانيتهم، فكيف يخفى عليه أمرهم واستخفاؤهم منه ؟ إنه عليم بذات الصدور أي : بالأسرار صاحبة الصدور، أو بحقائق الصدور وما احتوت عليه.
الإشارة : يقول الحق جل جلاله : هذا كتاب أحكمت آياته بالتعريف بالذات، ثم فصلت ببيان الصفات، أو : أحكمت بتبيين الحقائق، ثم فصلت بتبيين الشرائع : أو أحكمت ببيان ما يتعلق بعالم الأرواح من التعريف، ثم فصلت ببيان ما يتعلق بعالم الأشباح من التكليف، أو : أحكمت ببيان أسرار الملكوت، ثم فصلت ببيان أحكام الملك. ثم بيَّن ما يتعلق بالذات فقال : ألا تعبدوا إلا الله وبيَّن ما يتعلق بالصفات من التفصيل فقال : وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه ، أو : بيَّن ما يتعلق بالحقائق، ثم ما يتعلق بالشرائع، وهكذا. فإن جمعتم بين الحقائق والشرائع يمتعكم متاعاً حسناً ؛ بشهود ذاته، والتنزه في أنوار صفاته، إلى أجل مسمى، وهو : النزول في مقعد صدق عند مليك مقتدر، ويؤت كل ذي فضل من المعرفة جزاء فضله من الشهود، فمن تولى عن هذا خاف من عذاب يوم كبير، وهو : غم الحجاب، والتخلف عن الأحباب. ثم عاتب أهل الشهود حيث تركوا مقام المشاهدة وتنزلوا إلى مقام المراقبة، بقوله : ألا إنهم يثنون صدورهم... ، الآية.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي