ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك :
ألا إنهم يثنون( ١ ) صدورهم ليستخفوا( ٢ ) منه ألا حين يستغشون( ٣ ) ثيابهم يعلم ما يسرون ما يعلنون إنه عليم بذات الصدور( ٤ )( ٥ ) :
وإذا وجدت " ألا " في أول الكلام فأنت تعلم أنها للتنبيه، ومعنى التنبيه أنه أمر يوقظ لك السامع إن كان غافلا ؛ لأنك تحب ألا تفوته كلمة من الكلام الذي تقوله.
وحين تنبه بغير أداء الأسلوب الذي تريده منه، هنا يكون التنبيه قد أخذ حقه، ومن بعد ذلك يجيء الكلام الذي تقوله، وقد تهيّأ ذهن السامع لاستقبال ما تقول.
ف " ألا " -إذن-هي أداة تنبيه ؛ لأن الكلام ستار بين المتكلم والمخاطب، والمخاطب لا يعرف الموضوع الذي ستكلمه فيه، والمتكلم هو الذي يملك زمام الموقف، وهو يهيئ ذهنه لترتيب ما يقول من كلمات، أما المستمع فسوف يفاجأ بالموضوع ؛ حتى لا يفاجأ ولا تضيع منه الفرصة ليلتقط كلمات المتكلم من أولها، فهو ينبهه بأداة تنبيه ليستمع( ٥ ).
ويقول الحق سبحانه هنا : ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه.. ( ٥ ) [ هود ].
ويقال : ثنيت الشيء أي : طويته، وجعلته جزئين متصلين فوق بعضهما البعض.
وحين يثنى الإنسان صدره، فهو يثنيه إلى الأمام ناحية بطنه، ويداري بذلك وجهه، والغرض هنا من مداراة الوجه هو إخفاء الملامح ؛ لأن انفعال مواجيد( ٦ ) النفس البشرية ينضح على الوجوه.
وهم كارهون للرسول صلى الله عليه وسلم، وحاقدون عليه ؛ ولا يريدون أن يلحظ الرسول صلى الله عليه وسلم ما على ملامحهم من انفعالات تفضح مواجيدهم الكارهة.
ومثل ذلك جاء من قوم نوح عليه السلام، حين قال الحق سبحانه على لسان نوح : وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابهم في آذانهم واستغشوا( ٧ ) ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا( ٧ ) [ نوح ] : ومن البداهة أن نعرف أن الإصبع لا تدخل كلها إلى الأذن، إنما الأنملة( ٨ ) تسد فقط فتحة السمع، وعدّل القرآن الكريم ذلك بمبالغة تكشف موقف نوح-عليه السلام-، فكل منهم أراد أن يدخل إصبعه في أذنه حتى لا يسمع أي دعوة، وهذا دليل كراهية، وهذه شهادة ضدهم ؛ لأنهم يفهمون أنهم لو سمعوا فقد تميل قلوبهم لما يقال.
ولذلك نجد القرآن الكريم وهو ينقل لنا ما قاله مشركو مكة لبعضهم البعض :
وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا( ٩ ) فيه.. ( ٢٦ ) [ فصلت ].
فكأنهم تواصلوا بالتشويش على القرآن، ثقة منهم في أن القرآن لو تناهى( ١٠ ) إلى الأذن فقد يؤثر في نفسية السامع ؛ لأن النفس البشرية أغيار، وقد تأتي للنفس ما يجعلها تميل دون أن يشعر صاحبها.
ولو كان هذا القرآن باطلا، فلماذا خافوا من سماعه ؟
ولكنه الغباء في العناد والكفر.
وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى : إلا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه إلا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون.. ( ٥ ) :[ هود ] وهم قد استغشوا ثيابهم ليغطوا وجوههم ؛ مداراة للانفعالات التي تحملها هذه الوجوه( ١١ )، وهي انفعالات كراهية، أو أنها قد تكون انفعالات أخرى، فساعة يسمع واحد منهم القرآن قد ينفعل لما يسمع، ولا يريد أن يظهر الانفعال.
إذن : فالانفعال قد يكون قسريا( ١٢ )، وكان كفار قريش رغم كيدهم وحربهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، يتسللون ناحية بيت النبي صلى الله عليه وسلم ليسمعوا القرآن، وكانوا يضبطون بعضهم البعض هنالك، ويدّعى كل منهم أنه إنما مرّ على بيت النبي صلى الله عليه وسلم مصادفة( ١٣ ).
وفي ذلك يقول الشاعر :
اذكروهم وقد تسلّل كلّ بعد ما انفضّ مجلس السّمّار( ١٤ )
اختلاسا يسعى لحجرة طه لسماع التنزيل في الأسحار( ١٥ )
عذرهم حسنه فلما تراءوا عللوها ببارز الأعذار
وجاء الحق سبحانه وتعالى هنا في نفس الآية ب " ألا " في قوله : .. ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور( ٥ ) [ هود ] :
فهم إن داروا على محمد صلى الله عليه وسلم، فهل هم قادرون على المداراة على رب محمد ؟ والذي لا يدركه بصر محمد فربُّ محمد سيعلمه به.
وما دام الحق سبحانه يعلم ما يسرون، فمن باب أولى أنه سبحانه وتعالى يعلم ما يعلنون.
والحق سبحانه وتعالى غيب، وربما ظن ظان أنه قد يفلت منه شيء، ولكن الحق سبحانه يحصى ولا يحصى عليه، فإن ظن ظان أن الحق سبحانه يعلم الغيب فقط ؛ لأنه غيب، فهذا ظن خاطئ ؛ لأنه يعلم السر والعلن، فهو عليم بذات الصدور، وكلمة " عليم " صيغة مبالغة( ١٦ )، وهي ذات في كنهها العلم.
وقول الحق سبحانه : .. عليم بذات الصدور( ١٧ )( ٥٠ ) [ هود ] : نجد فيه كلمة ذات وهي تفيد الصحبة، و( ذات الصُّدور ) أي : الأمور المصاحبة للصدور.
ونحن نعلم أن الصدر محل القلب، ومحل الرئة، والقلب محل المعتقدات التي انتُهي إليها، وصارت حقائق ثابتة، وعليها تدور حركة الحياة.
ويقصد ب ذات الصُّدور أي : المعاني التي لا تفارق الصدور، فهي صاحبات دائمة الوجود في تلك الصدور، سواء أكانت حقدا أو كراهية، أو هي الأحاسيس التي لا تظهر في الحركة العادية، سواء أكانت نية حسنة أو نية سيئة.
وكل الأمور التي يسمونها ذات الصدور، أي : صاحبات الصدور، وهي القلوب، وكأن الجرم( ١٨ ) نفسه وهو القلب معلوم للحق سبحانه وتعالى، فخواطره من باب أولى معلومة.
٢ الاستخفاء: طلب الخفاء والاختفاء. ومن جهلهم يريدون الاستخفاء من الله تعالى، وهوة سبحانه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. قال تعالى:إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء(٥)[آل عمران]. وقال تعالى:إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليما(٥٤)[الأحزاب]..
٣ يستغشون ثيابهم: يتغطون بها مبالغة في الاستخفاء.[كلمات القرآن]..
٤ ذكر الواحدي في "أسباب النزول" (ص ١٥٣) أن هذه الآية نزلت في الأخنس بن شريق، وكان رجلا حلو الكلام حلو المنظر، يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يحب، ويطوي بقلبه ما يكره.
وقال الكلبي: كان يجالس النبي صلى الله عليه وسلم يظهر له أمرا يسره، ويضمر في قلبه خلاف ما يظهر..
٥ وردت ألا في القرآن على أوجه:
الأول: التنبيه، فتدل على تحقق ما بعدها، وتدخل على الجملتين الاسمية والفعلية، نحو.. ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون(١٣)[البقرة]،ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم..(٨)[هود].
الثاني والثالث: التحضيض والعرض، ومعناهما طلب الشيء، لكن الأول طلب بحث، والثاني طلب بلين، وتختص فيهما بالدخول على الجملة الفعلية نحو:{ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم..(١٣)[التوبة]،.. ألا تحبون أن يغفر الله لكم(٢٢)[النور]..
٦ مواجيد: مفرد موجدة. وقد وجد فلان وجدا: حزن أو غضب. والمراد: انفعالات النفس البشرية [المعجم الوسيط: مادة (و ج د)] بتصرف..
٧ استغشوا ثيابهم: تغطوا بها كي لا يروا نوحا ولا يسمعوا كلامه. قاله ابن عباس. ذكره السيوطي في (الدر المنثور)(٨/٢٨٩) طبعة دار الفكر..
٨ الأنملة: عقدة الإصبع أو سلاماها. وهي أيضا: المفصل الأعلى من الإصبع الذي فيه الظفر. والجمع: أنامل.[المعجم الوسيط مادة (ن م ل)]..
٩ اللغو: ما لا يعتد به من كلام وغيره، ولا يحصل منه على فائدة ولا نفع.[المعجم الوسيط]. والغوا فيه: ائتوا باللغو والباطل عند قراءته[كلمات القرآن]. قال ابن عباس: بالتصفير والتخليط على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ القرآن. ذكره السيوطي في الدر المنثور(٧/٣٢١) وعزاه لابن أبي حاتم..
١٠ تناهى: بلغ ووصل. الإنهاء: الإبلاغ. أنهيت إله الخبر: أبلغته له.(لسان العرب-مادة: نهى)..
١١ قال قتادة: أخفى ما يكون العبد إذا حنى ظهره، واستغشى ثوبه، واضمر في نفسه همه. ذكره القرطبي في تفسيره(٤/٣٣٢٤)..
١٢ قسريا: أي خارجا عن إرادة الإنسان..
١٣ قال وذلك أن أبا سفيان بن حرب، وأبا جهل بن هشام، والأخنس بن شريق خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يصلي من الليل في بيته، فأخذ كل رجل منهم مجلسا يستمع فيه، وكل لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا. فجمعهم الطريق، فتلاوموا. وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا، فلو رآكم بعض سفهائكم لوقعتم في نفسه شيئا، ثم انصرفوا. حتى إذا كانت الليلة الثانية، عاد كل رجل منهم على مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا. وهكذا إلى ليلة ثالثة حتى قال بعضهم لبعض: لا نبرح حتى نتعاهد ألا نعود، فتعاهدوا على ذلك، ثم تفرقوا.(سيرة ابن هشام ١/٣١٥)..
١٤ السمار: هم الناس يسمرون بالليل، ويكون عادة في ضوء القمر..
١٥ الأسحار: جمع سحر، وهو الثلث الأخير من الليل إلى مطلع الفجر. قال تعالى:وبالأسحار هم يستغفرون(١٨)[الذاريات]..
١٦ عليم: صيغة مبالغة من العلم، أي: بالغ العلم لا حد لعلمه سبحانه..
١٧ الصدر: مقدم مبالغة كل شيء وأوله، وصدر الإنسان معروف، وبداخله أضلاعه وقلبه ورئتاه. وفي الصدر تظهر آثار الانفعال انقباضا في الحزن وانشراحا في السرور، قال الحق سبحانه:ألم نشرح لك صدرك(١)[الشرح] وقال:.. إن الله عليم بذات الصدور(١١٩)[آل عمران] أي: بالأسرار المصاحبة للصدور[القاموس القويم باختصار]..
١٨ جرم كل شيء: جسمه. والمقصود القلب البشري نفسه..
تفسير الشعراوي
الشعراوي