ﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅ

في فَضْلَهُ على هذا تعود إلى الله تعالى ذكره. وهذا القول أحسن الأقوال وعليه المفسرون (١)، قال ابن عباس: من زادت حسناته على سيئاته دخل الجنة.
وقال ابن مسعود في هذه الآية: الحسنة بعشر، والسيئة واحدة، فويل لمن غلبت آحادُه أعشارَه. وهذا ترغيب في عمل الخير.
وقوله: وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي، قال ابن عباس (٢): يريد عن الإسلام، أَخَافُ عَلَيْكُمْ في الآخرة، عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ، وهو يوم القيامة.
٥ - قوله تعالى: أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ الآية، قوله: يَثْنُونَ أصله من ثنيت الشيء إذا حنيته وعطفته وطويته، وانثوى (٣) صدره على البغضاء، أي انحنى وانطوى (٤).
وروي عن ابن عباس (٥): [أنه قرأ ثنوني صدورهم وكل شيء عطفته فقد ثنيه.

(١) الطبري ١١/ ١٨٢، الثعلبي ٧/ ٣٣ أ، القرطبي ٩/ ٤.
والقول الآخر هو: أن الكناية في فَضْلَهُ تعود على العبد، والمعنى: ويؤت كل من زاد في إحسانه وطاعاته ثواب ذلك الفضل الذي زاده". "زاد المسير" ٤/ ٧٥، ابن عطية ٧/ ٢٣٦.
(٢) "تنوير المقباس" ١٣٨ بمعناه، "زاد المسير" ٤/ ٧٦.
(٣) في (ي): (أثوى)، وفي "تهذيب اللغة" ١/ ٥٠٤: (اثنوني صدره..).
(٤) ما سبق من "تهذيب اللغة" ١/ ٥٠٤، وانظر: "اللسان" ١/ ٥١١ - ٥١٢.
(٥) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٣، "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج ٣/ ٣٩، "الطبري" ١١/ ١٨٥. ونسب ابن عطية هذه القراءة أيضًا إلى مجاهد، وابن يعمر، وابن بزي، ونصر بن عاصم، والجحدري، وابن إسحاق، وأبي رزين، وعلي بن الحسين، وأبي جعفر محمد بن علي، ويزيد بن علي، وجعفر بن محمد، والأسود، والضحاك. ابن عطية ٧/ ٢٣٩، البحر المحيط ٥/ ٢٠٢.

صفحة رقم 348

قال ابن عباس] (١) في رواية الكلبي: نزلت في الأخنس (٢) بن شريق؛ وكان رجلا حلو المنطق، يلقى رسول الله - ﷺ - بما يحب، وينطوي له (٣) على ما يكره، ويضمر في قلبه خلاف ما يظهر، واختار الفراء (٤) هذا القول وقال: "نزلت في بعض من كان يلقى النبي - ﷺ - بما يحب، وينطوي له على العداوة والبغض، فذلك الثني وهو الإخفاء، وبنحو من هذا قال الزجاج (٥)

(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).
(٢) الثعلبي ٧/ ٣٣ أ، "أسباب النزول" للواحدي ص ٢٧١، "زاد المسير" ٤/ ٧٦، "البحر المحيط" ٥/ ٢٠٢.
والقول بأنها نزلت في الأخنس بن شريق فيه نظر من وجوه:
أولاً: عدم ثبوت الرواية بذلك.
ثانيًا: قد صحت الرواية في سبب نزول الآية غير هذا، وهو ما أخرجه البخاري عن ابن عباس قال: أناس كانوا يستحبون أن يتخلوا فيفضوا إلى السماء وأن يجامعوا نساءهم فيفضوا إلى السماء، فنزل ذلك فيهم.
ثالثًا: أن الآية مكية، والنفاق ظهر في المدينة فكيف تكون الآية نازلة في المنافقين؟!
رابعًا: أن الأخنس في عداد الصحابة كما ذكر ابن حجر في "الإصابة" ١/ ٢٥ قال: "أسلم الأخنس فكان من المؤلفة، ثم شهد حنينا، ومات في أول خلافة عمر.. وذكر الذهلي في الزهريات بسند صحيح عن الزهري عن سعيد بن المسيب أن أبا سفيان وأبا جهل والأخنس اجتمعوا ليلاً يسمعون القرآن سرًا فذكر القصة: وفيها أن الأخنس أتى أبا سفيان فقال: ما تقول؟ قال: أعرف وأنكر، قال أبو سفيان: فما تقول أنت؟ قال: أراه الحق" وقد عدّه في الصحابة: ابن شاهين، وابن فتحون عن الطبري ا. هـ.
انظر: "روح المعاني" للآلوسي١١/ ٢١١، "أضواء البيان" ٣/ ١٢.
(٣) ساقط من (ب).
(٤) "معاني القرآن" ٢/ ٣.
(٥) "معاني القرآن" للزجاج ٣/ ٣٨. وانظر: "تهذيب اللغة" (غشى) ٣/ ٢٩٦٩.

صفحة رقم 349

فقال: قيل إن طائفة من المشركين قالوا: إذا أغلقنا أبوابنا وأرخينا ستورنا، واستغشينا ثيابنا، وثنينا صدورنا على عداوة محمد، كيف يعلم بنا، فأنبأ الله -عز وجل- عما كتموه، ومعنى: يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ أي: يعطفونها ويطوونها على عداوة محمد - ﷺ -، وفي الآية محذوف تقديره: يثنون صدورهم على عداوته أو على بغضه؛ لأنَّ ثنَي الصدر عطفُه على ما أضمره.
وقوله تعالى: لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ، أي ليتواروا عنه ويكتموا عداوته؛ لئلا يظهروا (١) بعداوته، والهاء تعود على محمد - ﷺ -.
وقال الحسن (٢) ومجاهد (٣): يعني من الله، وهذا جهل منهم بالله -عز وجل-، فقال الله تعالى: أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ قال قتادة (٤): وذلك أخفى ما يكون ابن آدم إذا حتى صدره واستغشى ثوبه وأضمر ما كنه في نفسه.
وقال ابن الأنباري (٥): أعلم الله أن سرائرهم يعلمها كما يعلم مظهراتهم، فإن الذي يسترونه ويغيبونه ظاهر عند الله غير غائب عنه، وفي الآية قولان آخران (٦):

(١) في (ب): يظهر.
(٢) الطبري ١١/ ١٨٤، القرطبي ٩/ ٥، ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٠٠.
(٣) الطبري ١١/ ١٨٤، والثعلبي ٧/ ٣٣ ب، وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٠٠، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" ٣/ ٥٧٩، والبغوي ٤/ ١٦١، وابن عطية ٧/ ٢٤١.
(٤) الطبري ١١/ ١٨٤، ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٠٠، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" ٣/ ٥٨٠، والثعلبي ٧/ ٣٣ ب، و"زاد المسير" ٤/ ٧٨، والقرطبي ٩/ ٦، وعبد الرزاق ٢/ ٣٠١.
(٥) "زاد المسير" ٤/ ٧٨. "البحر المحيط" ٥/ ٢٠٣.
(٦) ساقط من (ي).

صفحة رقم 350

أحدهما: أن هذه الآية نزلت في قوم كانوا لشدة عداوتهم لرسول الله - ﷺ -[وبعدهم عن الحق إذا سمعوا رسول الله - ﷺ -]، (١) يقرأ القرآن حنوا صدورهم، ونكسوا رؤوسهم، وتغشوا ثيابهم ليبعد عنهم صوت رسول الله - ﷺ - ولا يدخل أسماعهم شيء من القرآن (٢)، فنعى الله عليهم هذا القبيح من فعلهم، وأعلم أنه يعرف معتقداتهم، ولا يخفى عليه مخبآتهم، ومن كان علمه بهم هذا العلم كان حقيقًا أن تتقى سطواته، وهذا معنى قول مقاتل (٣) وقتادة: كانوا ينكسون رؤوسهم على صدورهم كراهية لاستماع القرآن.
وقال قتادة (٤): يحنون صدورهم لكيلا يسمعوا كتاب الله -عز وجل- ولا ذكره.
قال ابن الأنباري: فالهاء في هذا القول عائدة على رسول الله - ﷺ -، وعلى القول الأول احتمل أمرين.
القول الثاني -وهو قول عبد الله بن شداد (٥) - قال: نزلت في بعض المنافقين، كان إذا مرَّ برسول الله - ﷺ - ثنى صدره وظهره، وطأطأ رأسه، وغطى وجهه لئلا يراه النبي - ﷺ - (٦)، وهذا القول هو الأليق بظاهر اللفظ،

(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).
(٢) من كلام ابن الأنباري. انظر: "زاد المسير" ٤/ ٧٧، "البحر" ٥/ ٢٠٣.
(٣) "تفسير مقاتل" ١٤٣ ب.
(٤) "زاد المسير" ٤/ ٧٧، والطبري ١٥/ ٢٣٥، وابن المنذر وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٠٠، وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" ٣/ ٥٨٠.
(٥) هو: عبد الله بن شداد بن الهاد الليثي أبو الوليد المدني، ولد على عهد النبي - ﷺ -، وذكره العجلي من كبار التابعين الثقات، وكان معدودًا في الفقهاء، قتل سنة ٨١، وقيل ٨٣ هـ. انظر: "التقريب" ص ٣٠٧ (٣٣٨٢)، "الكاشف" ١/ ٥٦١.
(٦) الطبري ١١/ ١٨٣، وسعيد بن منصور وابن المنذر وأبي حاتم ٦/ ١٩٩٩، =

صفحة رقم 351

ولا يحتاج معه إلى إضمار (١).
وقوله تعالى: إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، قال ابن عباس (٢): يريد بما (٣) في النفوس: يعني من الخير والشر. قال أبو بكر: معناه بحقيقة ما في القلوب من المضمرات؛ فتأنيث بذات لهذا المعنى.
قوله تعالى: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ الآية، قال القرظي (٤) يعني (٥): ما من حيوان يدب، وأدخلت الهاء في الدابة؛ لأنه أريد به الجماعة التي تدب.
وقال أبو إسحاق (٦): الدابة اسم لكل حيوان مميز وغيره، وعلى هذا، الدابة: اسم من الدبيب، بني على هاء التأنيث وأطلق على كل حيوان ذي روح ذكر (٧) كان أو أنثى.

= وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" ٣/ ٥٧٩، والبغوي ٤/ ١٦١، و"زاد المسير" ٤/ ٧٦، والقرطبي ٩/ ٥.
(١) قلت: بل الراجح بخلاف ذلك، فإن الهاء في (منه) تعود على اسم (الله) ولم يرد ذكر النبي - ﷺ -، ولذا أخبرهم جل وعلا أن استخفاءهم عن الله جهلٌ منهم فقال: أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ. وقد رجح هذا القول الطبري ١١/ ١٨٥، وابن عطية ٧/ ٢٤١ قال: "هذا هو الأفصح الأجزل في المعنى" وابن كثير ٢/ ٤٧٨.
(٢) "تنوير المقباس" ١٣٨.
(٣) بياض في (ب).
(٤) هذا القول ذكره البغوي ٤/ ١٦١، "زاد المسير" ٤/ ٧٨.
(٥) ساقط من (ب).
(٦) "معاني القرآن وإعرابه" ٤/ ٥٠ عند قوله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ النور: ٤٥.
(٧) كذا في النسخ، والصحيح (ذكرًا) بالنصب.

صفحة رقم 352

وقوله تعالى: إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا، قال المفسرون (١): فضلا لا وجوبا، والله تعالى تكفل بذلك بفضله، وذهب بعض أهل المعاني إلى أن عَلَى هاهنا بمعنى (من) كقول الشاعر (٢):
إذا رضيت عليَّ بنو قشير
أي: مني، ويدل على صحة هذه قول مجاهد (٣): ما جاءها من رزق فمن الله، وربما لم يرزقها حتى تموت جوعًا.
وقوله تعالى: وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا أي: حيث تؤوي إليها، وَمُسْتَوْدَعَهَا حيث تموت، وهو قول ابن عباس (٤) والربيع (٥) واختيار الفراء (٦) والزجاج (٧) وابن الأنباري.
قال الفراء: وَمُسْتَوْدَعَهَا حيث تأوي ليلاً أو نهارًا، ومستودعها

(١) الثعبي ٧/ ٥٣٣، البغوي ٤/ ١٦١، "زاد المسير" ٤/ ٧٨، القرطبي ٩/ ٦.
(٢) هو: قحيف العقيلي، وعجزه:
لعمر الله أعجبني رضاها
وهو في "النوادر" ص٤٨١، "الكامل" ٢/ ١٩٠، "الخصائص" ٢/ ٣١١، ٣٨٩، "الهمع" ٤/ ١٧٦، "اللسان" ٣/ ١٦٦٣ (رضي)، "الخزانة" ١٠/ ١٣٢.
(٣) الطبري ١٢/ ١، ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٠١، ابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" ٣/ ٥٨٠. الثعلبي ٧/ ٣٣ ب، البغوي ٤/ ١٦١ - ١٦٢، "زاد المسير" ٤/ ٧٨، القرطبي ٩/ ٦.
(٤) الطبري ١٢/ ٢، عبد الرزاق ٢/ ٣٢٠، ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٠١، ٢٠٠٣، ابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" ٣/ ٥٨١، البغوي ٤/ ١٦٢، الثعلبي ٧/ ٣٤ أفي الهامش، القرطبي ٩/ ٨.
(٥) الثعلبي ٧/ ٣٤ أ، القرطبي ٩/ ٨، الطبري ١٢/ ٢، ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٠٣.
(٦) "معانى القرآن" ٢/ ٤.
(٧) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ٣٩.

صفحة رقم 353

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية