(فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ؟) أي فمن يمنعنى من عذابه إذا أنا كتمت الرسالة، أو كتمت ما يسوءكم من بطلان عبادة الأصنام والأوثان تقليدا لآبائكم- أي لا أحد يدفع ذلك عنى فى هذه الحال فلا أبالى إذا بقطع رجائكم فىّ ولا بما أنتم فيه من شك وريب فى أمرى.
ثم ذكر مآل أمره إذا هو اتبعهم فقال:
(فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ) أي فما تزيدوننى باتقاء سوء ظنكم وارتيابكم غير إيقاعى فى الخسران بإيثار ما عندكم على ما عند الله واشتراء رضاكم بسخطه تعالى.
[سورة هود (١١) : الآيات ٦٤ الى ٦٨]
وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ (٦٤) فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥) فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ (٦٨)
تفسير المفردات
الآية: المعجزة الدالة على صدق نبوته، وذروها: اتركوها، وعقر الناقة بالسيف:
قطع قوائمها به أو نحرها، والتمتع: التلذذ بالمنافع، والدار: البلد كما يقال ديار بكر:
أي بلادهم، وكذب فلانا حديثا وكذبه الحديث: أي كذب عليه فيه، والوعد:
خبر موقوت كأن الواعد قال للموعود إننى أفي به فى وقته، فإن وفى فقد صدق ولم يكذبه، وأصل الأخذ: التناول باليد، ثم استعمل فى الأشياء المعنوية كأخذ الميثاق
والعهد وفى الإهلاك، والصيحة: الصوت الشديد والمراد بها هنا صيحة الصاعقة، وجاثمين: أي ساقطين على وجوههم مصعوفين لم ينج منهم أحد، وغنى بالمكان:
أقام فيه.
المعنى الجملي
بعد أن ذكر أن قومه قالوا له إننا لفى شك مما تدعونا وسألوه الآية على ما دعاهم إليه- ذكر هنا أنه قال لهم إن آيته على رسالته هى الناقة، وأن من يمسها بسوء يصيبه عذاب أليم.
الإيضاح
(وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً) أي يا قومى هذه ناقة ممتازة عن سائر الإبل بما ترون من أكلها وشربها وجميع شئونها، قد جعلها الله لكم آية بينة منه تدل على صدقى وعلى إهلاككم إن أنتم خالفتم أمره فيها.
(فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ) أي فاتركوها تأكل مما فى الأرض من المراعى وليس عليكم مؤنتها.
(وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ) أي ولا يمسها أحد منكم بأذي فيأخذكم عذاب عاجل لا يتأخر عن مسكم إياها بسوء إلا يسيرا.
ثم ذكر أنهم لم يستمعوا نصحه فقال:
(فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ) أي فكذبوه فعقروها فقال لهم صالح: استمتعوا بحياتكم فى دار الدنيا ثلاثة أيام، وهذا الأجل الذي أجّلتم وعد من الله وعدكم حين انقضائه بالهلاك ونزول العذاب، لم يكذبكم فيه من أعلمكم ذلك.
ثم ذكر وقوع ما أوعدوا به فقال:
(فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ)
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي