ونحن نعلم أن الآيات إذا وردت في القرآن إنما تنصرف إلى ثلاثة أشياء : آيات كونية تعاصر كل الناس ويراها كل واحد، مثل آيات الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم والأرض الخاشعة إذا ما نزل عليها الماء اهتزت وربت١، وكلها آيات كونية تلفت العقل إلى النظر في أن وراء هذا الكون الدقيق تكوينا هندسيا أقامه إله قادر.
وهناك آيات تأتي لبيان صدق الرسول في البلاغ عن الله، وهي المعجزات مثل : ناقة ثمود المبصرة٢، وشفاء عيسى عليه السلام للأكمه والأبرص٣ بإذن الله.
ثم آيات الأحكام التي تبين مطلوبات المنهج ب " افعل " و " لاتفعل ".
وهنا قال الحق سبحانه : ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين ( ٩٦ ) [ هود ] :
فهناك آيات تدل على صدقه، وفوق ذلك سلطان ظاهر، إما أن يكون سلطانا يقعر الغالب، أو سلطانا حجة تقنع العقل.
وسلطان القوة قد يقهر الغالب، لكنه لا يقهر القلب، والله سبحانه يريد قلوبا، لا قوالب ؛ لذلك قال سبحانه لرسول الله صلى الله عليه وسلم : لعلك باخع٤ نفسك ألا يكونوا مؤمنين ( ٣ ) إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين ( ٤ ) [ الشعراء ] : إذن : فالحق سبحانه يطلب القلوب لا القوالب، قلوب تأتي إلى الله تعالى طواعية بدون إكراه.
لذلك فالسلطان الأهم هو سلطان الحجة ؛ لأنه يقنع الإنسان أن يفعل.. ولم يكن لموسى عليه السلام سلطان من القوة ليظهر، بل كان له سلطان الحجة، وهو قول الحق سبحانه : وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين ( ١٠٤ ) حقيق٥ على أن لا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل ( ١٠٥ ) [ الأعراف ]، فيرد عليه فرعون : قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين ( ١٠٦ ) فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين٦ ( ١٠٧ ) ونزع يده فإذا هي بيضاء٧ للناظرين ( ١٠٨ ) [ الأعراف ] : وبياض اليد مسألة ذاتية في موسى عليه السلام، وطارئة أيضا، فلم تكن مرضا كالبهاق مثلا، بدليل الاحتياط في قوله تعالى : واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء٨.. ( ٢٢ ) [ طه ]
أما العصا فهي الحجة التي دفعت فرعون إلى أن يأتي بالسحرة، ليغلبهم موسى أمام الفرعون والملأ، فيتبع السحرة موسى ويؤمنوا برب موسى وهارون٩.
ونحن نعلم أن الحق سبحانه قد أرسل موسى عليه السلام بتسع آيات وهي : العصا التي تصير ثعبانا يلقف ما صنع السحرة، واليد البيضاء من غير سوء، ثم أخذ آل فرعون بالسنين، ونقص في الأنفس والثمرات، لأن الجدب يمنع الزرع، ونقص الأموال يحقق المجاعة، وكذلك أرسل الحق سبحانه على قوم فرعون الطوفان والجراد والقمل والضفادع، هذه هي الآيات التسع١٠ التي أرسلها الحق سبحانه على آل فرعون، بسبب عدم إيمانهم برسالة موسى عليه السلام.
وهناك آيات أخرى أرسلها الحق سبحانه لقوم موسى بواسطة موسى عليه السلام، هي نتق الجبل١١، وضرب البحر بالعصا١٢، ثم ضرب الحجر بالعصا لتتفجر اثنتا عشرة١٣ عينا، وكذلك نزول التوراة في ألواح١٤.
إذن : فالكلام في الآيات التسع المقصود بها الآيات التي أرسل بها موسى إلى فرعون، أما هذه الآيات فقد كانت بعد الخروج من مصر أو مصاحبة له كضرب البحر بالعصا.
والدليل على أن قصة موسى مع فرعون خاصة، أن موسى كانت له رسالتان : الرسالة الأولى مع فرعون، والرسالة الثانية مع بني إسرائيل.
ولذلك نلحظ أن الحق سبحانه وتعالى يخبرنا في آخر السورة بالخلاف بين موسى عليه السلام وبني إسرائيل : ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه.. ( ١١٠ ) [ هود ] : إذن : فقصته مع بني إسرائيل تأتي بعد إيتائه الكتاب، أي : التوراة.
وهنا يتكلم الحق سبحانه عن آيات موسى عليه السلام مع فرعون فيقول : ولقد أرسلنا موسى بآيتنا وسلطان مبين ( ٩٦ ) [ هود ] : أي : سلطان محيط لا يدع
للخصم مكانا أو فكاكا. ١٥
٢ - قال تعالى: {وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها..(٥٩) [الإسراء]..
٣ قال تعالى-حكاية عن عيسى عليه السلام: وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله..(٤٩) [آل عمران] والكمه: أن يولد أعمى، أو يفقد بصره، والأبرص: من أصابه مرض جلدي يحدث بقعا بيضاء في الجلد تشوه [القاموس القويم]..
٤ - بخع نفسه بخعا وبخوعا: قتلها هما وغيظا وحزنا، قال تعالى: فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا (٦) [الكهف]، وقال تعالى: باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين (٣) [الشعراء] [القاموس القويم ١/ ٥٦] بتصرف..
٥ - حقيق على أن: حريص على أن، أو خليق بأن.. [كلمات القرآن]..
٦ - مبين: أي: ظاهر أمره لا يشك فيه. [كلمات القرآن]..
٧ - ونزع يده: أخرجها من طوق قميصه. بيضاء: غلب شعاعها شعاع الشمس [كلمات القرآن].
٨ -إلى جناحك: إلى جنبك تحت العضد الأيسر. [كلمات القرآن]..
٩ - قال تعالى: فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى (٧٠) [طه]..
١٠ - قال تعالى: ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فاسأل بني إسرائيل..(١٠١) [الإسراء]. وقال تعالى: فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين (١٠٧) ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين (١٠٨) [الأعراف]. وقال تعالى: وادخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون وقومه..(١٢) [النمل]. وقال تعالى: ولقد أخذنا آلأ فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون ١٣٠ فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون (١٣١) وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين (١٣٢) فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين (١٣٣) ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل (١٣٤) فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون (١٣٥) فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين (١٣٦) [الأعراف]..
١١ - قال تعالى: وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة..(١٧١) [الأعراف]. ونتقه: رفعه من مكانه وحركه وجذبه. [القاموس القويم]..
١٢ - قال تعالى: فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم (٦٣)] [الشعراء] والطود: الجبل الثابت العالي [القاموس القويم ١/ ٤٠٨]..
١٣ - قال تعالى: فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا..(٦٠) [البقرة]..
١٤ - قال تعالى: وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة..(١٤٥) [الأعراف]. والألواح: جمع لوح، وهو الصفحة العريضة من خشب أو غيره يكتب عليه. [القاموس القويم ٢/ ٢٠٦]..
١٥ الفكاك: فكاك الرهن والأسير: ما فك به. والمراد به هنا: الهروب [المعجم الوسيط] بتصرف..
تفسير الشعراوي
الشعراوي