يخبر الله تعالى عن كمال قدرته وعظيم سلطانه : أنه الذي بإذنه وأمره رَفَع السماوات بغير عمَد، بل بإذنه وأمره١ وتسخيره رفعها عن الأرض بُعدًا لا تنال ولا يدرك مداها، فالسماء الدنيا محيطة
بجميع الأرض وما حولها من الماء والهواء من جميع نواحيها وجهاتها٢ وأرجائها، مرتفعة عليها من كل جانب على السواء، وبعد ما بينها وبين الأرض من كل ناحية مسيرة خمسمائة عام، وسمكها في نفسها مسيرة خمسمائة عام. ثم السماء الثانية محيطة بالسماء الدنيا وما حوت، وبينها وبينها من البعد مسيرة خمسمائة عام، وسمكها خمسمائة عام، ثم السماء الثالثة محيطة٣ بالثانية، بما فيها، وبينها٤ وبينها خمسمائة عام، وسمكها خمسمائة عام، وكذا الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة، كما قال [ الله ]٥ تعالى : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنزلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [ الطلاق : ١٢ ] وفي الحديث :" ما السماواتُ السبع وما فيهنّ وما بينهن في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فَلاة، والكرسي في العرش كتلك٦ الحلقة في تلك الفلاة٧ وفي رواية :" والعرش لا يقدر قدره إلا الله، عز وجل، وجاء عن بعض السلف أن بعد ما بين العرش إلى الأرض مسيرة خمسين ألف سنة، وبعد ما بين قطريه مسيرة خمسين ألف سنة، وهو من ياقوتة حمراء.
وقوله : بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا روي عن ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة : أنهم : قالوا : لها عَمَد ولكن لا ترى.
وقال إياس بن معاوية : السماء على الأرض مثل القبة، يعني بلا عمد. وكذا روي عن قتادة، وهذا هو اللائق بالسياق. والظاهر من قوله تعالى : وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأرْضِ إِلا بِإِذْنِهِ [ الحج : ٦٥ ] فعلى هذا يكون قوله : ترونها تأكيدا لنفي ذلك، أي : هي مرفوعة بغير عمد كما ترونها. هذا هو الأكمل في القدرة. وفي شعر أمية بن أبي الصلت الذي آمن شعره وكفر قلبه، كما ورد في الحديث٨ ويروى لزيد بن عمرو بن نفيل، رحمه الله ورضي عنه :
| وأنتَ الذي مِنْ فَضْل مَنٍّ وَرَحْمَة | بَعَثتَ إلى مُوسَى رَسُولا مُنَاديا |
| فاذهَبْ وهارونَ فادعُوَا | إلى الله فرْعَونَ الذي كانَ طَاغيا |
| هَلْ أنتَ سَوّيت هَذه | بلا [ وتَد حَتَّى اطمأنت٩ كَمَا هيا |
| أأنتَ رَفَّعتَ هَذه | بلا ]١٠ عَمَد أرْفِقْ إذَا بَِك بانيَا ؟ |
| هَل أنتَ سَوَّيت وَسْطَهَا | مُنيرًا إذا ما جَنَّك الليَّل هاديا |
| مَنْ يُرْسِلُ الشَّمس غُدوةً | فيُصبحَ ما مَسَّتْ مِنَ الأرضِ ضَاحيا؟ |
| مَن يُنْبِت الحَبَّ في الثَّرَى | فيُصبحَ مِنْه العُشب يَهَْتُّز رَابيا؟ |
| وَيُْخِرجُ منْه حَبَّه في رءوسه | فَفِي ذَاكَ آياتٌ لِمنْ كَانَ وَاعيَا١١ |
وقوله : وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى قيل : المراد أنهما يجريان إلى انقطاعهما بقيام الساعة، كما في قوله تعالى : وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [ يس : ٣٨ ].
وقيل : المراد إلى مستقرهما، وهو تحت العرش مما يلي بطن الأرض من الجانب الآخر، فإنهما وسائر الكواكب إذا وصلوا هنالك، يكونون أبعد ما يكون١٤ عن العرش ؛ لأنه على الصحيح الذي تقومُ عليه الأدلة، قبة مما يلي العالم من هذا الوجه، وليس بمحيط كسائر الأفلاك ؛ لأنه١٥ له قوائم وحملة يحملونه. ولا يتصوّر هذا في الفلك المستدير، وهذا واضح لمن تَدَبَّر ما وَرَدَتْ به الآيات والأحاديث الصحيحة، ولله الحمد والمنة.
وذكر الشمس والقمر ؛ لأنهما أظهر الكواكب السيارة السبعة، التي هي أشرف وأعظم.
من الثوابت، فإذا كان قد سخر هذه، فَلأن يدخل في التسخير سائرُ الكواكب بطريق الأولى والأحرى، كما نبه١٦ بقوله تعالى : لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [ فصلت : ٣٧ ] مع أنه قد صرح بذلك بقوله١٧ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [ الأعراف : ٥٤ ].
وقوله : يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ أي : يوضح١٨ الآيات والدلالات الدالة على أنه لا إله إلا هو، وأنه يعيد الخلق إذا شاء كما ابتدأ خلقه.
٢ - في ت، أ :"جهاتها ونواحيها"..
٣ - في ت :"تحيط"..
٤ - في أ :"بينهما"..
٥ - زيادة من أ..
٦ - في أ :"كمثل"..
٧ - سبق الكلام على هذا الحديث والذي بعده مفصلا عند تفسير الآية : ٢٥٥ من سورة البقرة..
٨ - رواه ابن عبد البر في التمهيد (٤/٧) من طريق أبي بكر الهذلي عن عكرمة قال : قلت لابن عباس : أرأيت ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في أمية بن أبي الصلت :"آمن شعره وكفر قلبه ؟" قال : هو حق فما أنكرتم من ذلك ؟... الحديث..
٩ - في ت أ :"استقلت"، والمثبت من سيرة ابن هشام..
١٠ - زيادة من ت، أ، وسيرة ابن هشام..
١١ - الأبيات في السيرة النبوية لابن هشام (١/٢٢٨)..
١٢ - انظر : تفسير الآية : ٥٤..
١٣ - في ت :"يمر"..
١٤ - في ت، أ :"ما يكون"..
١٥ - في ت، أ :"لآن"..
١٦ - في ت :"بينه"..
١٧ - في ت :"في قوله"..
١٨ - في ت، أ :"نوضح"..
تفسير القرآن العظيم
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي
سامي سلامة