ﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀ

وكلمة " الله " علم على واجب الوجود ؛ مطمورة فيه كل صفات الكمال ؛ ولحظة أن تقول " الله " كأنك قلت " القادر " " الضار " " النافع " " السميع " " البصير " " المعطي " إلى آخر أسماء الله الحسنى.
ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : " كل عمل لا يبدأ باسم الله هو أبتر "
لأن كل عمل لا يبدأ باسمه سبحانه ؛ لا تستحضر فيه أنه سبحانه قد سخر لك كل الأشياء، ولم تسخر أنت الأشياء بقدرتك. ولذلك، فالمؤمن هو من يدخل على أي عمل بحيثية " بسم الله الرحمن الرحيم " ؛ لأنه سبحانه هو الذي ذلل للإنسان كل شيء، ولو لم يذللها لما استجابت لك أيها الإنسان.
وقد أوضح الحق سبحانه ذلك في أمثلة بسيطة ؛ فنجد الطفل الصغير يمسك بحبل ويربطه في عنق الجمل، ويأمره بأن " ينخ " ويركع على أربع ؛ فيمتثل الجمل لذلك. ونجد البرغوث الصغير ؛ يجعل الإنسان ساهراً الليل كله عندما يتسلل إلى ملابسه ؛ ويبذل هذا الإنسان الجهد الجهيد ليمسك به ؛ وقد يستطيع ذلك ؛ وقد لا يستطيع.
وهكذا نعرف أن أحداً لم يسخر أي شيء بإرادته أو مشيئته، ولكن الحق سبحانه هو الذي يذلل كل الكائنات لخدمة الإنسان. والحق سبحانه هو القائل :
وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون " ٧٢ " ( سورة يس )
وأنت حين تقبل على أي عمل يحتاج إلى قدرة فتقول : " باسم القادر الذي أعطاني بعض القدرة ". وإن أقبلت على عمل يحتاج مالاً ؛ تقول : " باسم الغني الذي وهبني بعضاً من مال أقضي به حاجتي ".
وفي كل عمل من الأعمال التي تقبل عليها تحتاج إلى قدرة ؛ وحكمة ؛ وغنى، وبسط ؛ وغير ذلك من صفات الحق التي يسخر بها سبحانه لك كل شيء ؛ فشاءت رحمته سبحانه أن سهل لنا أن نفتتح أي عمل باسمه الجامع لكل صفات الجمال والكمال " بسم الله الرحمن الرحيم ". ولذلك يسمونه " علم على واجب الوجود ". وبقية الأسماء الحسنى صفات لا توجد بكمالها المطلق إلا فيه ؛ فصارت كالاسم.
فالعزيز على إطلاقه هو الله. ولكنا نقول عن إنسان ما " عزيز قومه "، ونقول " الغني " على إطلاقه هو الله، ولكن نقول " فلان غني " و " فلان فقير ". وهكذا نرى أنها صفات أخذت مرتبة الأسماء ؛ وهي إذا أطلقت إنما تشير إليه سبحانه.
وعرفنا من قبل أن أسماء الله ؛ إما أن تكون أسماء ذات ؛ وإما أن تكون أسماء صفات ؛ فإن كان الاسم لا مقابل له فهو اسم ذات ؛ مثل : " العزيز ". أما إن كان الاسم صفة الصفة والفعل، مثل " المعز " فلابد أن له مقابلاً، وهو هنا " المذل ".
ولو كان يقدر أن يعز فقط ؛ ولا يقدر أن يذل لما صار إلهاً، ولو كان يضر فقط، ولا ينفع أحداً لما استطاع أن يكون إلهاً، ولو كان يقدر أن يبسط، ولا يقدر أن يقبض لما استطاع أن يكون إلهاً.
وكل هذه صفات لها مقابلها ؛ ويظهر فعلها في الغير ؛ فسبحانه على سبيل المثال عزيز في ذاته ؛ ومعز لغيره، ومذل لغيره. وكلمة " الله " هي الاسم الجامع لكل صفات الكمال، وهناك أسماء أخرى علمها الله لبعض من خلقه، وهناك أسماء ثالثة سنعرفها إن شاء الله حين نلقاه :
وجوه يومئذ ناضرة " ٢٢ " إلى ربها ناظرة " ٢٣ " ( سورة القيامة )
ونلحظ أن الحق سبحانه بدأ هذه الآية بالحديث عن العالم العلوي أولاً ؛ ولم يتحدث عن الأرض ؛ فقال : الله الذي رفع السماوات.. " ٢ " ( سورة الرعد )
وكلمة " رفع " إذا استعملتها استعمالاً بشرياً ؛ تدل أن شيئاً كان في وضع ثم رفعته عن موضعه إلى أعلى ؛ مثل قول الحق سبحانه : ورفع أبويه على العرش.. " ١٠٠ " ( سورة يوسف )فقد كان أبوا يوسف في موضع أقل ؛ ثم رفعهما يوسف إلى موضع أعلى مما كانا فيه، فهل كانت السماء موضوعة في موضع أقل ؛ ثم رفعها الله ؟ لا، بل خلقها الله مرفوعة.
ورحم الله شيخنا عبد الجليل عيسى الذي قال : " لو قلت : سبحان الله الذي كبر الفيل ؛ فهل كان الفيل صغيراً ثم كبره الله ؛ أم خلقه كبيراً ؟ لقد خلقه الله كبيراً. وإن قلت : سبحان الله الذي صغر البعوضة ؛ فهل كانت كبيرة ثم صغرها الله ؟ لا بل خلقها الله صغيرة ". وحين يقول سبحانه : الله الذي رفع السماوات بغير عمدٍ.. " ٢ " ( سورة الرعد )فهذا يعني أنه خلقها مرفوعة، وفي العرف البشري نعرف أن مقتضى رفع أي شيء أن توجد من تحته أعمدة ترفعه. ولكن خلق الله يختلف ؛ فنحن نرى السماء مرفوعة على امتداد الأفق ؛ ويظهر لنا أن السماء تنطبق على الأرض ؛ ولكنها لا تنطبق بالفعل.
ولم نجد إنساناً يسير في أي اتجاه ويصطدم بأعمدة أو بعمود واحد يظن أنه من أعمدة رفع السماء ؛ وهي مرئية هكذا ؛ فهل هناك أعمدة غير مرئية ؛ أم لا توجد أعمدة أصلاً ؟.
وقد يكون وراء هذا الرفع أمر آخر ؛ فقد قلنا : إن الشيء إذا رفع ؛ فذلك بسبب وجود ما يمسكه أو ما يحمله ؛ وسبحانه يقول في أمر رفع السماء : ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرءوف رحيم " ٦٥ " ( سورة الحج )فإذا كانت ممسوكة من أعلى ؛ فهي لا تحتاج إلى عمد، وقوله الحق :( يمسك )يعني أنه سبحانه قد وضع لها قوانينها الخاصة التي لم نعرفها بعد.
وقد قام العلماء المعاصرون بمسح الأرض والفضاء بواسطة الأقمار الصناعية وغيرها، ولم يجدوا عمداً ترفع السماوات أو تمسكها.
والمهندسون يتبارون في عصرنا ليرفعوا الأسقف بغير عمدٍ ؛ لكنهم حتى الآن ؛ مازالوا يعتمدون على الحوائط الحاملة.
وهكذا نعلم أنه سبحانه إما أنه حمل السماء على أعمدة أدق وألطف من أن تراها أعيننا ؛ ولذلك نراها بغير أعمدة، أو أنها مرفوعة بلا أعمدة على الإطلاق.
و " عمد " اسم جمع لا جمع ومفردها " عمود " أو " عماد " وقد جاءت هذه الآية بمثابة التفسير لما أجمل في قول الحق سبحانه في سورة يوسف : وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون " ١٠٥ " ( سورة يوسف )
وجاء سبحانه هنا بالتفصيل ؛ فأوضح لنا أنه : رفع السماوات بغير عمدٍ ترونها.. " ٢ "
( سورة الرعد )أي : لا ترونها أنتم بحكم قانون إبصاركم. ولا تعجب من أن يوجد مخلوق لا تراه ؛ لأن العين وسيلة من وسائل الإدراك، ولها قانون خاص ؛ فهي ترى أشياء ولا ترى أشياء أخرى. هذا بدليل أنك إذا نظرت إلى إنسان طوله متران يتحرك مبتعداً عنك ؛ تجد يصغر تدريجياً إلى أن يتلاشى من مجال رؤيتك ؛ لكنه لا يتلاشى بالفعل.
وهذا معناه أن قانون إبصارك محكوم بقانون ؛ له مدى محدد. وهناك قوانين أخرى مثل : قانون السمع ؛ وقانون الجاذبية ؛ وقانون الكهرباء ؛ وكلها ظواهر نستفيد بآثارها، ولكنا لا نراها، فلا تعجب من أن يوجد شيء لا تدركه ؛ لأن قوى إدراكك لها قوانين خاصة.
ويشاء الحق سبحانه أن يدلل على صدق ذلك بأن يجعل ما يكتشفه العلماء في الكون من أشياء وقوى لم تكن معروفة من قبل ؛ ولكننا كنا نستفيد منها دون أن ندري ؛ مما يدل على أن إدراك الإنسان غير قادر على إدراك كل شيء.
وذلك يوضح لنا أن رؤيتنا للسماء مرفوعة بغير عمد نراها ؛ قد يعني وجود أعمدة مصنوعة بطريقة غير معروفة لنا ؛ أو هي مرفوعة بغير عمدٍ على الإطلاق. وقول الحق سبحانه : بغير عمدٍ ترونها.. " ٢ " ( سورة الرعد )هو كلام خبري، والمثل من حياتنا حين تقول لابنك : " أنا خارج إلى العمل ؛ وذاكر أنت دروسك "، وبذلك تكون قد أوضحت له : " ذاكر دروسك " وهذا كلام خبري ؛ لكن المراد به إنشائي.
وإبراز الكلام الإنشائي في مقام الكلام الخبري له ملحظ، مثلما تقول : " فلان مات رحمه الله " وقولك " رحمه الله " كلام خبري ؛ فأنت تخبر أن الله قد رحمه.
على الرغم من أنك لا تدري : هل رحمه الله أم لا ؛ ولكنك قلت ذلك تفاؤلاً أن تكون الرحمة واقعة به، وكان من الممكن أن تقول : " مات فلان يا ربي ارحمه "، وأنت بذلك تطلب له الرحمة. كذلك قول الحق سبحانه : بغير عمدٍ ترونها.. " ٢ " ( سورة الرعد )أي : دققوا وأمعنوا النظر إليها، وابحثوا فيما يعنيكم على ذلك إن استطعتم، وإذا لفتك المتكلم إلى شيء ليحرك فيك حواس إدراكك فمعنى ذلك أنه واثق من صنعته.
والمثل من حياتنا ولله المثل الأعلى، وسبحانه منزه عن أن يكون له مثل حين تدخل لتشتري صوفاً ؛ فيقدم لك البائع قماشاً ؛ فتسأله : هل هذا صوف مائة في المائة ؟ " فيقول لك البائع : " نعم إنه صوف مائة في المائة، وهات كبريتاً لنشعل فتلة منه لترى بنفسك ".
ويوضح الحق سبحانه هنا : أن السماوات مرفوعة بغير عمد، وانظروا أنتم ؛ بمد البصر، ولن تجدوا أعمدة متحقق لك ولغيرك على مدى أفق أي منكم.
ولكل إنسان أفقه الخاص على حسب قدرة بصره، فهناك من تنطبق السماء على الأرض أمام عيونه ؛ فنقول له : أنت تحتاج إلى نظارة طبية تعالج هذا الأمر.
فالآفاق تختلف من إنسان إلى آخر، وفي التعبير اليومي الشائع يقال : " فلان ضيق الأفق لا يرى إلا ما تحت قدميه ".
ولقائل أن يقول : إن هذا يحدث معي ومع من يعيشون الآن ولا أحد يرى أعمدة ترفع السماوات ؛ فهل سيحدث ذلك مع من سيأتون من بعدنا ؟
ونقول : لقد مسحت الأقمار الصناعية من الفضاء الخارجي كل مساحات الأرض ؛ ولم يجد أحد أية أعمدة ترفع السماء عن الأرض. وهذا دليل صدق القضية التي قالها الحق سبحانه في هذه الآية : الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها.. " ٢ " ( سورة الرعد ) والسماوات جمع " سماء " وهي كل ما علاك فأظلك، والحق سبحانه يقول : وأنزل من السماء ماءً.. " ٢٢ " ( سورة البقرة ).
ونعلم أن المطر إنما نزل من السحب التي تعلو الإنسان، وتبدو متعلقة في السماء، وإذا أطلقت السماء انصرفت إلى السماء العليا التي تظلل كل ما تحتها.
وحين أراد الناس معرفة كنه السماء، وهل لها جرم أم ليس لها جرم ؛ وهل هي امتداد أجواء وهواء ؟ لم يتفق العلماء على إجابة. وقد نثر الحق سبحانه أدلة وجوده، وأدلة قدرته، وأدلة حكمته وأدلة صنعته في الكون ؛ ثم أعطاك أيها الإنسان الأدلة في نفسك أيضاً ؛ وهو القائل سبحانه : وفي أنفسكم أفلا تبصرون " ٢١ " ( سورة الذاريات )
وانظر إلى نفسك تجد العلماء وهم يكتشفون في كل يوم شيئاً جديداً وسراً عجيباً، سواء في التشريح أو علم وظائف الأعضاء. وسوف تعجب من أمر نفسك، وأنت ترى تلك الاكتشافات التي كانت العقول السابقة تعجز عن إدراكها، وقد يدرك بعضها الآن، ويدرك بعضها لاحقاً. وإدراك البعض للمجهول في الماضي يؤذن بأنك سوف تدرك في المستقبل أشياء جديدة. وإن نظرت خارج نفسك ستجد قول الحق سبحانه : سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق.. " ٥٣ " ( سورة فصلت )ومعنى : سنريهم.. " ٥٣ " ( سورة فصلت )أن الرؤية لا تنتهي ؛ لأن " السين " تعني الاستقبال، ومن نزل فيهم القرآن قرءوها هكذا، ونحن نقرؤها هكذا، وستظل هناك آيات جديدة وعطاء جديد من الله سبحانه إلى أن تقوم الساعة.
وسبحانه القائل : لخلق السماوات والأرض اكبر من خلق الناس ولكن اكثر الناس لا يعلمون " ٥٧ " ( سورة غافر ).
وأنت حين تفكر في خلق السماوات والأرض ستجده مسألة غاية في الضخامة ؛ ويكفيك أن تتحير في مسألة خلقك وتكوينك ؛ وأنت مجرد فرد محدود بحيز، ولك عمر محدود ببداية ونهاية، فما بالك بخلق السماوات والأرض التي وجدت من قبلك، وستستمر من بعدك إلى أن تنشق بأمر الله، وتتكسر لحظتها النجوم.
ولابد أن خلق السماوات والأرض اكبر من خلق الناس، فالسماوات وال

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير