اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ أي : أساطين جمع عماد أو عمود، تَرَوْنَهَا ، صفة لعمد، وعن بعض السلف أن عمدا ولكن لا ترى، أو استئناف للاستشهاد برؤيتهم للسماوات كذلك فضمير المؤنث حينئذ للسماوات، ثُمَّ اسْتَوَى١ عَلَى الْعَرْشِ ، قال السلف : الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، وقيل : علا٢ عليه، وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ذللهما لما أراد منهما، كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى أي : لدرجاتهما ومنازلهما ينتهيان إليهما لا يجاوزانها، أو إلى وقت معلوم وهو فناء الدنيا، يُدَبِّرُ٣ الأَمْرَ : جميع أمور ملكوته، يُفَصِّلُ الآيَاتِ : يوضحها، وينزلها مفصلة، لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ : لكي تتفكروا فيها فتعلموا كمال قدرته بحيث لا يعجز عن الإعادة والجزاء.
و قال الإمام أبو الحسن الأشعري في كتاب اختلاف المضلين ومقالات الإسلاميين: إن الله تعالى على عرشه كما قال: "الرحمن على العرش استوى" (طه: ٥)، و ذكر كلاما طولا إلى أن قال: فلولا أن الله تعالى على عرشه ما قال في حق ملائكته: "يخافون ربهم من فو قهم" (النحل: ٥٠)، ولما فطر الخلق عند سؤاله على رفع الأيدي إلى السماء، قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية: إن معنى استوى استولى وملك وقهر مما يفيد التجدد والحدوث في الملك ـ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ـ بل هو مستول ومالك وقاهر على العرش وعلى جميع مخلوقاته من حين خلقهم وقالوا: إنه في كل مكان وجحدوا أن يكون على عرشه، كما قال أهل الحق وذهبوا في الاستواء إلى القدرة فلو كان كما قالوا كان لا فرق بين العرش وبين الأرض السابعة، لأنه قادر على كل شيء وكيف يكون في كل مكان ومنه الحشوش والخانات والمزابل وما أشبه ذلك من الأماكن المستقذرة ـ تعالى الله عن علوا كبيرا ـ ولم يخبر عند أحد من المسلمين أن يكون الله في شيء من ذلك فبطل ما قالوه بالنقل والعقل وذكر أدلة من الكتاب والسنة والعقل سو ى ذلك /١٢..
٢ قال البغوي في تفسيره وجزم به بلا ذكر الاختلاف، وفي صحيح البخاري قال مجاهد: استوى على العرش: علا على العرش، ونقل الذهبي عن محمد بن جرير الطبري في قوله: "ثم استوى العرش الرحمن" (الفرقان: ٥٩)، أي: علا وارتفع فأيضا نقل عنه أنه قال في تفسير قوله: ثم استوى العرش في كل مواضعه أي: علا وارتفع وقد مر البحث مستوفي في سورة الأعراف فارجع إليه /١٢..
٣ وهذا التدبير والإنقاذ والإمضاء وهو من فوق العرش وهو ظاهر نظم القرآن الكريم/١٢ فتح..
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين