دلائل الوحدانية والقدرة :
الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون ٢ وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشي الليل والنهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ٣ وفي الأرض قطاع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون [ الرعد : ٢ ٤ ].
تفسير المفردات : العمد : السواري واحدها عمود كأدم وأديم. والتسخير : التذليل والطاعة. والتدبير : التصريف للأمور على وجه الحكمة. والتفصيل : التبيين. والآيات : هي الأدلة التي تقدم ذكرها من الشمس والقمر. واليقين : العلم الثابت الذي لا شك فيه.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه في الآية السالفة أن أكثر الناس لا يؤمنون، أعقبه بذكر البراهين على التوحيد والمعاد فاستدل بأحوال السماوات وأحوال الشمس والقمر وأحوال الأرض جبالها وأنهارها ونخيلها وأعنابها واختلاف ثمراتها وتنوع غلاتها على وجود الإله القادر القاهر الذي بيده الخلق والأمر، وبيده الضر والنفع، وبيده الإحياء والإماتة، وهو على كل شيء قدير.
الإيضاح : ذكر سبحانه أدلة على وجوده ووحدانيته وقدرته، بعضها سماوي وبعضها أرضي، وذكر من الأولى جملة أمور :
( ١ ) الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها أي إنه تعالى خلق السماوات مرفوعات عن الأرض بغير عمد، بل بأمره وتسخيره، على أبعاد لا يدرك مداها، وأنتم ترونها كذلك بلا عمد من تحتها تسندها، ولا علاقة من فوقها تمسكها، وقد تقدم هذا بإيضاح في سورة البقرة.
( ٢ ) ثم استوى على العرش أي ثم استوى على عرشه الذي جعله مركز هذا التدبير من إحكام وإتقان، وقد سبق تفصيل هذا في سورتي الأعراف ويونس.
( ٣ ) وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى أي وذلل الشمس والقمر وجعلهما طائعين لما أريد منهما لمنافع خلقه، فكل منهما يسير في منازله لوقت معين، فالشمس تقطع فلكها في سنة، والقمر في شهر لا يختلف جرى كل منهما عن النظام الذي قدر له، وإليه الإشارة بقوله والشمس تجري لمستقر لها [ يس : ٣٨ ] وقوله : والقمر قدرناه منازل [ يس : ٣٩ ] وإيضاح هذا ذكر في سورتي يونس وهود، وبعد أن ذكر هذه الدلائل قال :
يدبر الأمر أي إنه تعالى يتصرف في ملكه على أتم الحالات وأكمل الوجوه ؛ فهو يميت ويحيي، ويوجد ويعدم، ويغني ويفقر، وينزل الوحي على من يشاء من عباده، وفي ذلك برهان ساطع على القدرة والرحمة، فإن اختصاص كل شيء بوضع خاص وصفة معينة لا يكون إلا من مدبر اقتضت حكمته أن يكون كذلك، فتدبيره لعالم الأجسام كتدبيره لعالم الأرواح، وتدبيره للكبير كتدبيره للصغير، لا يشغله شأن عن شأن، ولا يمنعه تدبير شيء عن تدبير آخر كما هو شأن المخلوقات في هذه الدنيا، وكذلك هو دليل أيضا على أنه تعالى متعال في ذاته وصفاته وعلمه وقدرته لا يشبه شيئا من مخلوقاته.
يفصل الآيات أي يلبس الموجودات ثوب الوجود بنظام محكم دقيق، ويوجد بينها ارتباطات تجعلها كأنها سلسلة متصلة الحلقات لا انفصام لبعضها عن بعض، فالمجموعة الشمسية من الشمس والقمر مرتبطة في حركاتها بنظام خاص بوساطة الجاذبية لا تحيد عن سننه ولا تجد معدلا عن السير فيه بحسب النهج الذي قدر لها، ولا تزال كذلك حتى ينتهي العالم، فيحدث حينئذ تغيير لأوضاعها، واختلال لحركاتها : إذا السماء انفطرت ١ وإذا الكواكب انتثرت [ الانفطار : ١ ٢ ].
وهكذا الموجودات الأرضية لها أسباب تعقبها مسببات بإذن الواحد الأحد، فالزارع يحرث أرضه ويلقي فيها الحب ثم يسقيها ويضع فيها السماد ويوالي سقيها حتى تؤتي أكلها، فإذا فقدت حلقة من تلك السلسلة باء صاحب الزرع بالخسران فلم يحصل على شيء أو حصل على القليل التافه الذي لا يعدل التعب والنصب الذي فعله.
ثم أبان سبحانه أن هذا التدبير للأمور والتفصيل للآيات الدالين على القدرة الكاملة والحكمة الشاملة، جاءا لحكمة اقتضتها وهي الإيقان بالبعث لفضل القضاء ومجازاة كل عامل بما عمل : يوم تبيض وجوه وتسود وجوه [ آل عمران : ١٠٦ ] فإما نعيم مقيم وإما عذاب أليم، وإلى ذلك أشار بقوله :
لعلكم بلقاء ربكم توقنون أي رجاء أن تتحققوا أن من قدر على رفع السماوات بغير عمد ودبر الأمر بإحكام ونظام قادر على البعث والنشور وإحياء الموتى من القبور لفصل القضاء ثم ثواب كل عامل على ما عمل، إن خيرا فخير وإن شرا فشر، فإما سعادة لا شقاء بعدها، وإما نكال وعذاب تتبدل من هوله الجلود كلما نضجت جلودهم بدلناها جلودا غيرها [ النساء : ٥٦ ].
وخلاصة هذه العبرة : إنه تعالى كما قدر على إبقاء الأجرام الفلكية العظيمة من الشمس والقمر وسائر الكواكب في الجو بلا عمد ودبر الأمور بغاية الإحكام والدقة ولم يشغله شأن عن شأن ليس بالبعيد عليه أن يرد الأرواح إلى الأجساد ويعيد العالم إلى حياة أخرى حياة استقرار وبقاء لا فناء بعدها، وإذا أيقنتم بذلك وليتم معرضين عن عبادة الأصنام والأوثان، وأخلصتم العبادة للواحد الديان، وائتمرتم بوعده ووعيده، وصدقتم برسله، وبادرتم إلى اتباع أوامره وتركتم ما نهى عنه، ففزتم بسعادة الدارين.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه في الآية السالفة أن أكثر الناس لا يؤمنون، أعقبه بذكر البراهين على التوحيد والمعاد فاستدل بأحوال السماوات وأحوال الشمس والقمر وأحوال الأرض جبالها وأنهارها ونخيلها وأعنابها واختلاف ثمراتها وتنوع غلاتها على وجود الإله القادر القاهر الذي بيده الخلق والأمر، وبيده الضر والنفع، وبيده الإحياء والإماتة، وهو على كل شيء قدير.
تفسير المراغي
المراغي