تفسير المفردات : والمحو : ذهاب أثر الكتابة. وأم الكتاب : أصله وهو علم الله تعالى.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه ما أعده للكافرين من العذاب والنكال في الدنيا والآخرة أتبعه بذكر ثواب المتقين في جنات تجري من تحتها الأنهار، ثم أردفه ذكر فرح المؤمنين من أهل الكتاب بما أنزل عليه من ربه، وإنكار بعض منهم لذلك، ثم حث الرسول الله صلى الله عليه وسلم على القيام بحق الرسالة وتحذيره من مخالفة أوامره، ثم ختم هذا بذكر الجواب عن شبهات كانوا يوردونها لإبطال نبوته صلى الله عليه وسلم كقولهم : إنه كثير الزوجات، ولو كان رسولا من عند الله لما اشتغل بأمر النساء.
وخلاصة الجواب : إن محمدا ليس ببدع من الرسل، فكثير منهم كان له أزواج وذرية ولم يقدح ذلك في رسالاتهم، وكقولهم : إنه لو كان رسولا من عند الله لم يتوقف فيما يطلب منه من المعجزات، فأجيبوا بأن أمر المعجزات مفوّض إلى الله إن شاء أظهرها وإن شاء لم يظهرها، ولا اعتراض لأحد عليه، وقولهم : إن ما يخوفنا به من العذاب وظهور النصرة له ولقومه لم يتحقق بعد فليس بنبي ولا صادق فيما يقول : فأجيبوا عن ذلك بقوله : لكل أجل كتاب أي لكل حادث وقتا معينا لا يتقدم عنه ولا يتأخر، فتأخر المواعيد لا يدل على ما تدّعون.
يمحوا الله ما يشاء ويثبت وقد أثر عن أئمة السلف فيها أقوال لا تناقض فيها بل هي داخلة فيما سلف :
( ١ ) قال الحسن : يمحو الله من جاء أجله ويثبت من بقي أجله.
( ٢ ) وقال عكرمة : يمحو الله القمر ويثبت الشمس.
( ٣ ) وقال الربيع : يقبض الله الأرواح حين النوم، فيميت من يشاء ويمحوه ويرجع من يشاء فيثبته.
( ٤ ) وقال السدي : يمحو الله القمر ويثبت الشمس.
( ٥ ) وقال آخرون : يمحو الله ما يشاء من الشرائع بالنسخ، ويثبت ما يشاء فلا ينسخه ولا يبدله.
( ٦ ) وقال آخر : يمحو الله المحن والمصايب بالدعاء.
وعنده أم الكتاب هو علم الله، وجميع ما يكتب في صحف الملائكة لا يقع حيثما يقع إلا موافقا لما يثبت فيه فهو أم لذلك، فكأنه قيل يمحو ما يشاء محوه ويثبت ما يشاء وهو ثابت عنده في علمه الأزلي الذي لا يكون شيء إلا وفق ما فيه.
تفسير المراغي
المراغي