المعنى الجملي : سبق أن ذكر أنهم اقترحوا عليه الآيات استهزاء به وطلبوا استعجال السيئة التي توعدهم بها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتمنى وقوع بعض ما توعدوا به ليكون زاجرا لغيرهم، ذكر هنا لرسوله أن وظيفته التبليغ، ولا يهمه ما سينالهم من الجزاء فعلينا حسابهم، وهل هم في شك من حصول ما توعدناهم به وهم يرون بلادهم تنقص من جوانبها بفتح المسلمين لها وقتل أهلها وأسرهم وتشريدهم، والله يحكم في خلقه كما يريد، وقد حكم للمسلمين بالعز والإقبال، وعلى أعدائهم بالقهر والإذلال، ثم بيّن أن قومه ليسوا ببدع في الأمم فقد مكر من قبلهم بأنبيائهم ولم يكن مكرهم ليضيرهم شيئا فكانت العاقبة للمتقين، وأهلك الله القوم الظالمين، وسيعلم الكافرون حين يحل بهم العذاب، لمن حسن العاقبة ؟ ثم ذكر إنكار اليهود لرسالته وأمره بالجواب عن ذلك بأن الله شهد له بأنه صادق فيها، فأيده بالأدلة والحجج، وفي شهادته غني عن شهادة أي شاهد آخر، وكذلك شهد من آمن من أهل الكتاب بأنهم يجدون وصفه في كتبهم.
أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أسقفّ من اليمن فقال له عليه السلام :" هل تجدني في الإنجيل رسولا ؟ " قال لا، فأنزل الله تعالى :
ويقول الذين كفروا لست مرسلا أي ويقول الجاحدون لنبوتك، الكافرون برسالتك، لست رسولا من عند الله أرسلك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور وتدعوهم إلى عبادة إله واحد لا شريك له، وتنقذهم من عبادة الأصنام والأوثان، وتصلح حال المجتمع البشري، وتمنع عنه الظلم والفساد.
قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم أي قل حسبي الله شاهدا بتأييد رسالتي، وصدق مقالتي، إذ أنزل عليّ هذا الكتاب الذي أعجز البشر قاطبة أن يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا.
ومن عنده علم الكتاب وهم من أسلم من أهل الكتابيين التوراة والإنجيل كعبد الله بن سلام وأضرابه فإنهم يشهدون بنعته في كتابهم.
أخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال : كان من أهل الكتاب قوم يشهدون بالحق ويعرفونه، منهم عبد الله بن سلام والجارود وتميم الداري وسلمان الفارسي رضي الله عنهم.
تفسير المراغي
المراغي