ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠ

ونفهم من كلمة : لست مرسلاً.. " ٤٣ " ( سورة الرعد ) أن الكافرين يتوقفون عند رفض الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ وكأن كل أمانيهم أن ينفوا عنه أنه رسول اصطفاه الحق سبحانه بالرسالة الخاتمة ؛ بدليل أنهم قالوا :
لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيمٍ " ٣١ " ( سورة الزخرف )
ومن بعد ذلك قالوا :
اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليمٍ " ٣٢ " ( سورة الأنفال ) أي : أن فكرة الإرسال لرسول مقبولة عندهم، وغير المقبول عندهم هو شخص الرسول صلى الله عليه وسلم. ولذلك يأمر الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم : قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب " ٤٣ " ( سورة الرعد )
والشهيد كما نعلم هو الذي يرجح حكم الحق، فإذا ما ظهر أمر من الأمور في حياتنا الدنيا الذي نحتاج إلى حكم فيها ؛ فنحن نرفع الأمر الذي فيه خلاف إلى القاضي، فيقول : " هاتوا الشهود ".
ويستجوب القاضي الشهود ليحكم على ضوء الشهادة ؛ فما بالنا والشاهد هنا هو الحق سبحانه ؟ ولكن، هل الله سيشهد، ولمن سيقول شهادته ؛ وهم غير مصدقين لكلام الله الذي نزل على رسوله صلى الله عليه وسلم ؟.
ونقول : لقد أرسله الحق سبحانه بالمعجزة الدالة على صدق رسالته في البلاغ عن الله، والمعجزة خرق لنواميس الكون. وقد جعلها الحق سبحانه رسالة بين يدي رسوله وعلى لسانه ؛ فهذا يعني أنه سبحانه قد شهد له بأنه صادق.
والمعجزة أمر خارق للعادة يظهرها الله على من بلغ أنه مرسل منه سبحانه، وتقوم مقام القول " صدق عبدي فيما بلغ عني ".
وإرادة المعجزة ليست في المعنى الجزئي ؛ بل في المعنى الكلي لها. والمثل في المعجزات البارزة واضح ؛ فهاهي النار التي ألقوا فيها إبراهيم عليه السلام، ولو كان القصد هو نجاته من النار ؛ لكانت هناك ألف طريقة ووسيلة لذلك ؛ كأن تمطر الدنيا ؛ أو لا يستطيعون إلقاء القبض عليه. ولكن الحق سبحانه يوضح لهم من بعد أن أمسكوا به، ومن بعد أن كبلوه بالقيود، ومن بعد أن ألقوه في النار ؛ ويأتي أمره بأن تكون النار برداً وسلاماً عليه فلا تحرقه : قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم " ٦٩ " ( سورة الأنبياء ).
وهكذا غير الحق سبحانه الناموس وخرقه ؛ وذلك كي يتضح لهم صدق إبراهيم فيما يبلغ عن الله ؛ فقد خرق له الحق سبحانه النواميس دليل صحة بلاغه. وإذا كان الحق سبحانه قد قال هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها :
ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم " ٤٣ " ( سورة الرعد ).
وشهادة الحق سبحانه لرسوله بصدق البلاغ عنه ؛ تتمثل في أنه صلى الله عليه وسلم قد نشأ بينهم، وأمضى أربعين عاماً قبل أن ينطق حرفاً يحمل بلاغه أو خطبة أو قصيدة، ولا يمكن أن تتأخر عبقريات النبوغ إلى الأربعين.
وشاء الحق سبحانه أن يجري القرآن على لسان رسوله في هذا العمر ليبلغ محمد صلى الله عليه وسلم الناس جميعاً به، وهذا في حد ذاته شهادة من الله. ويضيف سبحانه هنا :
ومن عنده علم الكتاب " ٤٣ " ( سورة الرعد ).
والمقصود بالكتاب هنا القرآن ؛ ومن يقرأ القرآن بإمعان يستطيع أن يرى الإعجاز فيه ؛ ومن يتدبر ما فيه من معانٍ ويتفحص أسلوبه ؛ يجده شهادة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. أو يكون المقصود بقوله الحق : ومن عنده علم الكتاب " ٤٣ " ( سورة الرعد )أي : هؤلاء الذين يعلمون خبر مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من التوراة والإنجيل ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفته مذكورة في تلك الكتب السابقة على القرآن ؛ لدرجة أن عبد الله بن سلام، وقد كان من أحبار اليهود قال : " لقد عرفت محمداً حين رأيته كمعرفتي لابني ومعرفتي لمحمد أشد ".
ولذلك ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له : يا رسول الله إن نفسي مالت إلى الإسلام، ولكن اليهود قوم بهت، فإذا أعلنت إسلامي ؛ سيسبونني، ويلعنوني، ويلصقون بي أوصافاً ليست في، وأريد أن تسألهم عني أولاً. فأرسل لهم رسول الله يدعو صناديدهم وكبار القوم فيهم ؛ وتوهموا أن محمداً قد يلين ويعدل عن دعوته ؛ فجاءوا وقال لهم صلى الله عليه وسلم : " ما تقولون في ابن سلام ؟ " فأخذوا يكيلون له المديح ؛ وقالوا فيه أحسن الكلام.
وهنا قال ابن سلام : " الآن أمامكم، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله "، فأخذوا يسبون ابن سلام ؛ فقال ابن سلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ألم أقل إن يهود قوم بهت ؟ ونعلم أن الذين كانوا يفرحون من أهل الكتاب بما ينزله الحق سبحانه على رسول الله صلى الله عليه وسلم من وحي هم أربعون شخصاً من نصارى نجران ؛ واثنان وثلاثون من الحبشة ؛ وثمانية من اليمن.
ونعلم أن الذين أنكروا دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا ينهون بعضهم البعض عن سماع القرآن ؛ وينقل القرآن عنهم ذلك حين قالوا : لا تسمعوا لهذا القرآن والغو فيه لعلكم تغلبون " ٢٦ " ( سورة فصلت ) وهذا يعني أنهم كانوا متأكدين من أن سماع القرآن يؤثر في النفس بيقظة الفطرة التي تهفو إلى الإيمان به، أما من عندهم علم بالكتب السابقة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم يعلمون خبر بعثته وأوصافه من كتبهم.
يقول الحق سبحانه : الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم.. " ١٤٦ "
( سورة البقرة ).
ويقول أيضاً : فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين " ٨٩ " ( سورة البقرة ).

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير