ﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼ ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟ ﭡﭢﭣﭤﭥ

عَنْ تَنَاوُلِهِ وَهُوَ كَقَوْلِهِ: وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ [مُحَمَّدٍ: ١٥]. وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ [الْكَهْفِ: ٢٩].
السُّؤَالُ الرَّابِعُ: مَا مَعْنَى يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ.
الْجَوَابُ: التَّجَرُّعُ تَنَاوُلُ الْمَشْرُوبِ جُرْعَةً جُرْعَةً عَلَى الِاسْتِمْرَارِ، وَيُقَالُ: سَاغَ الشَّرَابُ فِي الْحَلْقِ يَسُوغُ سَوْغًا وَأَسَاغَهُ إِسَاغَةً. وَاعْلَمْ أَنَّ (يَكَادُ) فِيهِ قَوْلَانِ:
الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ نَفْيَهُ إِثْبَاتٌ، وَإِثْبَاتَهُ نَفْيٌ، فَقَوْلُهُ: وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ أَيْ وَيُسِيغُهُ بَعْدَ إِبْطَاءٍ لِأَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: مَا كِدْتُ أَقُومُ، أَيْ قُمْتُ بَعْدَ إِبْطَاءٍ قَالَ تَعَالَى: فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ [الْبَقَرَةِ: ٧١] يَعْنِي فَعَلُوا بَعْدَ إِبْطَاءٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى حُصُولِ الْإِسَاغَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ [الْحَجِّ: ٢٠] وَلَا يَحْصُلُ الصَّهْرُ إِلَّا بَعْدَ الْإِسَاغَةِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ قَوْلَهُ: يَتَجَرَّعُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ أَسَاغُوا الشَّيْءَ بَعْدَ الشَّيْءِ فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ بَعْدَهُ إِنَّهُ يُسِيغُهُ الْبَتَّةَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أن كاد للمقاربة فقول: لا يَكادُ لِنَفْيِ الْمُقَارَبَةِ يَعْنِي: وَلَمْ يُقَارِبْ أَنْ يُسِيغَهُ فَكَيْفَ يَحْصُلُ الْإِسَاغَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: لَمْ يَكَدْ يَراها [النُّورِ: ٤٠] أَيْ لَمْ يَقْرُبْ مِنْ رُؤْيَتِهَا فَكَيْفَ يَرَاهَا.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ ذَكَرْتُمُ الدَّلِيلَ عَلَى حُصُولِ الْإِسَاغَةِ، فَكَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ هَذَا الوجه.
قُلْنَا عَنْهُ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أن المعنى: ولا يُسِيغُ جَمِيعَهُ كَأَنَّهُ يَجْرَعُ الْبَعْضَ وَمَا سَاغَ الْجَمِيعَ. الثَّانِي: أَنَّ الدَّلِيلَ الَّذِي ذَكَرْتُمْ إِنَّمَا دَلَّ عَلَى وُصُولِ بَعْضِ ذَلِكَ الشَّرَابِ إِلَى جَوْفِ الْكَافِرِ، إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِإِسَاغَةٍ، لِأَنَّ الْإِسَاغَةَ فِي اللُّغَةِ إِجْرَاءُ الشَّرَابِ فِي الْحَلْقِ بِقَبُولِ النَّفْسِ وَاسْتِطَابَةِ الْمَشْرُوبِ وَالْكَافِرُ يَتَجَرَّعُ ذَلِكَ الشَّرَابَ عَلَى كَرَاهِيَةٍ وَلَا يُسِيغُهُ، أَيْ لَا يَسْتَطِيبُهُ وَلَا يَشْرَبُهُ شُرْبًا بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ وعلى هذين الوجهين يَصِحُّ حَمْلُ لَا يَكَادُ عَلَى نَفْيِ الْمُقَارَبَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
النوع الثَّالِثُ: مِمَّا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي وَعِيدِ هَذَا الْكَافِرِ قَوْلُهُ: وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ [إِبْرَاهِيمَ: ١٧] وَالْمَعْنَى: أَنَّ مُوجِبَاتِ الْمَوْتِ أَحَاطَتْ بِهِ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَمُوتُ وَقِيلَ مِنْ كُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ جَسَدِهِ.
النوع الرَّابِعُ: قَوْلُهُ: وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ وَفِيهِ وَجْهَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْعَذَابِ الْغَلِيظِ كَوْنُهُ دَائِمًا غَيْرَ مُنْقَطِعٍ. الثَّانِي: أَنَّهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ يَسْتَقْبِلُهُ يَتَلَقَّى عَذَابًا أَشَدَّ مِمَّا قَبْلَهُ. قَالَ الْمُفَضَّلُ: هُوَ قَطْعُ الأنفاس وحبسها في الأجساد، والله أعلم.
[سورة إبراهيم (١٤) : الآيات ١٨ الى ٢٠]
مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (١٨) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠)
[في قوله تعالى مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ إلى قوله هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ] اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ أَنْوَاعَ عَذَابِهِمْ فِي الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ بَيَّنَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ أَعْمَالَهُمْ بِأَسْرِهَا تَصِيرُ ضَائِعَةً

صفحة رقم 80

بَاطِلَةً لَا يَنْتَفِعُونَ بِشَيْءٍ مِنْهَا وَعِنْدَ هَذَا يَظْهَرُ كَمَالُ خُسْرَانِهِمْ لِأَنَّهُمْ لَا يَجِدُونَ فِي الْقِيَامَةِ/ إِلَّا الْعِقَابَ الشَّدِيدَ وَكُلُّ مَا عَمِلُوهُ فِي الدُّنْيَا وَجَدُوهُ ضَائِعًا بَاطِلًا، وَذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الشَّدِيدُ. وَفِي الْآيَةِ مَسَائِلُ:
المسألة الْأُولَى: فِي ارْتِفَاعِ قَوْلِهِ: مَثَلُ الَّذِينَ وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ: قَالَ سِيبَوَيْهِ: التَّقْدِيرُ: وَفِيمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا، أَوْ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِيمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ، وَقَوْلُهُ: كَرَمادٍ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ عَلَى تَقْدِيرِ سُؤَالِ سَائِلٍ يَقُولُ: كَيْفَ مَثَلُهُمْ فَقِيلَ: أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ. الثَّانِي: قَالَ الْفَرَّاءُ: التَّقْدِيرُ مَثَلُ أَعْمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ كَرَمَادٍ فَحَذَفَ الْمُضَافَ اعْتِمَادًا عَلَى ذِكْرِهِ بَعْدَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُهُ: أَعْمالُهُمْ وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ [السَّجْدَةِ: ٧] أَيْ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ، وَكَذَا قَوْلُهُ: وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ [الزُّمَرِ: ٦٠] الْمَعْنَى تَرَى وُجُوهَ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ مُسْوَدَّةً. الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ صِفَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ، كَقَوْلِكَ صِفَةُ زَيْدٍ عِرْضُهُ مَصُونٌ، وَمَالُهُ مَبْذُولٌ. الرَّابِعُ: أَنْ تَكُونَ أَعْمَالُهُمْ بَدَلًا مِنْ قَوْلِهِ: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَالتَّقْدِيرُ: مَثَلُ أَعْمَالِهِمْ وَقَوْلُهُ: كَرَمادٍ هُوَ الْخَبَرُ. الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ الْمَثَلُ صِلَةً وَتَقْدِيرُهُ: الَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ.
المسألة الثَّانِيَةُ: اعْلَمْ أَنَّ وَجْهَ الْمُشَابَهَةِ بَيْنَ هَذَا الْمَثَلِ وَبَيْنَ هَذِهِ الْأَعْمَالِ، هُوَ أَنَّ الرِّيحَ الْعَاصِفَ تُطِيرُ الرَّمَادَ وَتُفَرِّقُ أَجْزَاءَهُ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى لِذَلِكَ الرَّمَادِ أَثَرٌ وَلَا خَبَرٌ، فكذا هاهنا أَنَّ كُفْرَهُمْ أَبْطَلَ أَعْمَالَهُمْ وَأَحْبَطَهَا بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ مِنْ تِلْكَ الْأَعْمَالِ مَعَهُمْ خَبَرٌ وَلَا أَثَرٌ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِهَذِهِ الْأَعْمَالِ عَلَى وُجُوهٍ:
الوجه الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهَا مَا عَمِلُوهُ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ كَالصَّدَقَةِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ وَبِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَإِطْعَامِ الْجَائِعِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا تَصِيرُ مُحْبَطَةً بَاطِلَةً بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، وَلَوْلَا كُفْرُهُمْ لَانْتَفَعُوا بِهَا.
وَالوجه الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ تِلْكَ الْأَعْمَالِ عِبَادَتُهُمْ لِلْأَصْنَامِ وَمَا تَكَلَّفُوهُ مِنْ كُفْرِهِمُ الَّذِي ظَنُّوهُ إِيمَانًا وَطَرِيقًا إِلَى الْخَلَاصِ، وَالوجه فِي خُسْرَانِهِمْ أَنَّهُمْ أَتْعَبُوا أَبْدَانَهُمْ فِيهَا الدَّهْرَ الطَّوِيلَ لِكَيْ يَنْتَفِعُوا بِهَا فَصَارَتْ وَبَالًا عَلَيْهِمْ.
وَالوجه الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ هَذِهِ الْأَعْمَالِ كِلَا الْقِسْمَيْنِ، لِأَنَّهُمْ إِذَا رَأَوُا الْأَعْمَالَ الَّتِي كَانَتْ فِي أَنْفُسِهَا خَيْرَاتٍ قَدْ بَطَلَتْ، وَالْأَعْمَالَ الَّتِي ظَنُّوهَا خَيْرَاتٍ وَأَفْنَوْا فِيهَا أَعْمَارَهُمْ قَدْ بَطَلَتْ أَيْضًا وَصَارَتْ مِنْ أَعْظَمِ الْمُوجِبَاتِ لِعَذَابِهِمْ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ تَعْظُمُ حَسْرَتُهُمْ وَنَدَامَتُهُمْ فَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ.
المسألة الثَّالِثَةُ: قُرِئَ الرِّيَاحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ جَعَلَ الْعَصْفَ لِلْيَوْمِ، وَهُوَ لِمَا فِيهِ وَهُوَ الرِّيحُ أَوِ الرِّيَاحُ كَقَوْلِكَ: يَوْمٌ مَاطِرٌ وَلَيْلَةٌ سَاكِرَةٌ، وَإِنَّمَا السُّكُورُ لِرِيحِهَا قَالَ الْفَرَّاءُ: وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ/ فِي يَوْمٍ ذِي عُصُوفٍ، وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: فِي يَوْمٍ عَاصِفِ الرِّيحِ فَحَذَفَ ذِكْرَ الرِّيحِ لِكَوْنِهِ مَذْكُورًا قَبْلَ ذَلِكَ، وَقُرِئَ فِي يَوْمِ عَاصِفٍ بِالْإِضَافَةِ.
المسألة الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ: لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ أَيْ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ مُنْتَفَعٍ بِهِ لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ضَاعَ بِالْكُلِّيَّةِ وَفَسَدَ، وَهَذِهِ الْآيَةُ دَالَّةٌ عَلَى كَوْنِ الْعَبْدِ مُكْتَسِبًا لِأَفْعَالِهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا تَمَّمَ هَذَا الْمِثَالَ قَالَ: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: وَجْهُ النَّظْمِ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا بَيَّنَ أَنَّ أَعْمَالَهُمْ تَصِيرُ بَاطِلَةً ضَائِعَةً، بَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ الْبُطْلَانَ وَالْإِحْبَاطَ إِنَّمَا جَاءَ بِسَبَبٍ صَدَرَ مِنْهُمْ وَهُوَ كُفْرُهُمْ بِاللَّهِ وَإِعْرَاضُهُمْ عَنِ الْعُبُودِيَّةِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُبْطِلُ أَعْمَالَ

صفحة رقم 81

مفاتيح الغيب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي

الناشر دار إحياء التراث العربي - بيروت
سنة النشر 1420
الطبعة الثالثة
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية