ﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿ

وبعد أن شرح الحق سبحانه أحوال أهل القُرب والسعادة، وأهل البُعد والشقاء، أراد عز وجل أن يضرب لنا مثلا يوضح فيه الفارق بين منهج السعداء الذين عاشوا بمنهج الله، ومنهج الأشقياء الذين اتبعوا مناهج شتى غير منهج الله، فقال سبحانه :
ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيّبة كشجرة طيبة أصلها١ ثابت وفرعُها في السماء ٢٤ تُؤتي أُكُلَها٢ كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثالَ للناس لعلهم يتذكّرون ٢٥
والمثَل هو الشيء الذي يوضح بالجلي الخفي. وأنت تقول لصديق لك : هل رأيت فلانا ؟ فيقول لك : لا لم أرَه، فتقول له : إنه يُشبه صديقنا فلان. وهكذا توضح أنت من خفِي عن مخيلة صديقك بمن هو واضح الصورة في مُخيلته.
والحق –سبحانه وتعالى- يضرب لنا الأمثال بالأمور المُحسّة، كي ينقل المعاني إلى أذهاننا، لأن الإنسان له إلف بالمُحسّ، وإدراكات حواسه تعطيه أمورا حسية أولا، ثم تحقق له المعاني بعد ذلك.
ويقول الحق سبحانه :
إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها.. ٢٦ ( البقرة ).
وقد قال الكافرون : أيضرب الحق مثلا ببعوضة ؟ ذلك أنهم لم يعرفوا أن البعوضة لها حياة، وفيها حركة كأيّ كائن، وتركيبها التشريحي يتشابه مع التركيب التشريحي لكل الأحياء في التفاصيل، ويؤدي كل الوظائف الحيوية المطلوبة منه.
ولا أحد غير الدارسين لعلم الحشرات يمكن أن يعرف كيف تتنفس، أو كيف تهضم طعامها، ولا كيفية وجود جهاز دموي فيها، أو مكان الغُدد الخاصة بها، وهي حشرة دقيقة الصنع.
وهو سبحانه ضرب الأمثال الكثيرة ليوضّح الأمر الخفيّ بأمر جليّ. ومن بعد ذلك ينتشر المثَل بين الناس، ونقول : إن كلمة ( ضرب ) مثلها مثل ( ضرب العملة )، وكان الناس قديما يأتون بقطع من الفضة أو الذهب ويشكّلونها بقدر وشكل محدّد لتدل على قيمة ما، وتصير بذلك عُملة متداولة، ويُقال –أيضا- ( ضُرب في مصر ) أي : اعتمد وصار أمرا واقعا. وكذلك المثل حين ينتشر ويصبح أمرا واقعا.
والمثل الذي يضربه الحق سبحانه هنا هو الكلمة الطيبة ؛ ولها أربع خصائص :
كشجرة طيبة.. ٢٤ ( إبراهيم ).
أي : تعطيك طيبا تستريح له نفسك، إما منظرا أو رائحة أو ثمارا، أو كل ذلك مجتمعا ؛ فقوله :
كشجرة طيبة.. ٢٣ ( إبراهيم ).
يوحى بأن كل الحواس تجد فيها ما يُريحها، وكلمة ( طيبة ) مأخوذة من الطيب في جميع وسائل الإحساس.
فالخاصية الأولى، أنها شجرة طيبة، أما الخاصية الثانية فهي أن أصلها ثابت، كإيمان المؤمن المحب، والثالثة أن فروعها في السماء، وهذا دليل أيضا على ثبات الأصل وطيب منبتها.
أما الخاصية الرابعة فهي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، أي : فيها عطاء المدد الذي لا يعرف الحد ولا العدد. وهي تدل على صفات المؤمنين المحبين.
وبما أن شجرة طيبة، فهي كائن نباتي لا بد لها من أن تتغذّى لتحفظ مُقوّمات حياتها. ومقوّمات حيات النبات توجد في الأرض، فإن كانت الشجرة مُخَلخَلة وغير ثابتة فهي لن تستطيع أن تأخذ غذاءها.
ولذلك يقول الحق سبحانه عن تلك الشجرة :
أصلها ثابت وفرعها في السماء.. ٢٤ ( إبراهيم ).
وكلنا نظن أن الشجرة تأخذ غذاءها من الجذور فقط ؛ ولكن الحقيقة العلمية تؤكد أن الشجرة تأخذ خمسة بالمائة من غذائها عبر الجذور، والباقي تأخذه من الهواء، وكلما كان الهواء نظيفا فالشجرة تنمو بأقصى ما فيها من طاقة حتى تكاد تبلغ فروعها السماء.
أما إن كانت البيئة غير نظيفة ومُلوثة، فالهواء يكون غير نظيف بما لا يسمح للشجرة أن تنمو النمو المناسب، فتمر الأغيار غير المناسبة على الشجرة، فلا تستخلص منها الغذاء المناسب، ولا تنمو النمو المناسب.
اللهم إلا إذا نزل عليها المطر فيغسل أوراقها.
إذن : فقول الحق سبحانه :
أصلها ثابت.. ٢٣ ( إبراهيم ).
يعني : أنها تأخذ من الأرض.
وقوله :
وفرعها في السماء.. ٢٤ ( إبراهيم ).
يُبين أنها تأخذ من أعلى.

١ أصل الشيء: أساسه وقاعدته التي يقوم عليها ويكون في أسفله. [القاموس القويم ١/٢١]..
٢ الأكل: ثمر النخل والشجر، وكل ما يؤكل فهو أُكل. [لسان العرب - مادة: أكل]..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير