تفسير المفردات : وتهوي إليهم : أي تسرع شوقا وحبا.
المعنى الجملي : بعد أن نصب سبحانه الأدلة على أن لا معبود سواه، وأنه لا يجوز بحال أن يعبد غيره، وطلب إلى رسوله أن يعجب من حال قومه، إذ بدلوا نعمة الله كفرا، وعبدوا الأوثان والأصنام.
ذكر هنا أن الأنبياء جميعا حثوا على ترك عبادة الأصنام، فإبراهيم صلوات الله عليه وهو أبوهم نعى على قومه عبادتها، وطلب إلى الله أن يجنبه وبنيه ذلك، فإنها كانت سببا في ضلال كثير من الناس، وشكر الله على أن وهب له على الكبر ولديه إسماعيل وإسحاق، ثم ختم مقالة بأن يغفر له ولوالديه وللمؤمنين ذنوبهم عند العرض والحساب.
ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم أي يا رب إني أسكنت بعض ذريتي وهم أولاد إسماعيل بواد غير ذي زرع وهو وادي مكة عند بيتك الذي حرمت التعرض له والتهاون به وجعلت ما حوله حرما لمكانه.
ربنا ليقيموا الصلاة أي إنما جعلته محرما ليتمكن أهله من إقامة الصلاة عنده ويعمروه بذكرك وعبادتك.
فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم أي فاجعل قلوب بعض الناس محترقة شوقا إليهم.
وارزقهم من الثمرات أي وارزق ذريتي الذين أسكنتهم هناك من أنواع الثمار بأن تجبى إليهم ذلك من شاسع الأقطار، وقد استجاب الله ذلك كما قال : أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا [ القصص : ٥٧ ] قال الدكتور عبد العزيز إسماعيل باشا في كتابه ( الإسلام والطب الحديث ) دعاء سيدنا إبراهيم يفسر ما قلناه، وهو أن الدعاء سنة طبيعية لا أكثر ولا أقل، فالنبي يدعو ربه ليلهم الناس حج البيت، فهو يستعين بسنة طبيعية وهي إلهام الخالق لنا حج البيت مع أنه يعلم أن الله قادر على أن ينزل عليهم رزقا من السماء، ولكن النبي ضرب لنا مثلا في طريق استعمال الدعاء وقيمته، فالدعاء لا يلغي سنة طبيعية ولا يأتي بالمعجزات، ولكن الداعي يطلب من الخلق الهداية إلى إحدى السنن الطبيعية وسأضرب لك مثلا بالنسبة للمريض وعلاجه، فقد أخبرني البعض أن من يطلب الطبيب لا يستعين بالدعاء، والحقيقة غير ذلك، فالوالد الذي يدعو ربه لشفاء ولده لا فائدة من دعائه إذا كان ولده قد مات أو إذا كان مرضه مميتا حتما، ولكن قد يكون للمرض طرق علاج خاصة، أو يشفي من نفسه في ظروف خاصة، فالدعاء في هذه الحال معناه إلهام المريض ومن حوله من طبيب وغيره استعمال الطريق المؤدي إلى الشفاء، والطبيب يحتاج دائما إلى هذا الإلهام إلى نتيجة خاصة، والدعاء في مفترق الطرق ولا يدري أية ناحية يسلك، وكل طريق سنة طبيعية تؤدي إلى نتيجة خاصة، والدعاء هداية إلى السنة المؤدية إلى الشفاء، وهكذا يكون الدعاء والتطبيب وكل أعمال الإنسان يكمل بعضها بعضا وليست متناقضة، فدعا سيدنا إبراهيم معناه أن يلهم الناس بواسطة القوانين الطبيعية حج البيت، وقد يقال ولكننا لا نشعر بإلهام من عند الله، وكل أفعالنا نتيجة مباشرة لتفكيرنا، والشخص الذي يحج لا يشعر بإلهام أو شيء خفي، ولكن الحقيقة أن أفعال الإنسان قد تكون نتيجة تفكيره واختباراته ويكون سبب حركاتها ظاهرا، وقد تكون أفعاله غير منطبقة على تفكيره واختباراته ولكنه مع ذلك يندفع إلى العمل، وكثيرا ما نشاهد أشخاصا لا يفكرون في الحج مدة طويلة، ولكن فجأة وبدون سبب ظاهر يصممون على الحج وينفذون إرادتهم، وهذا العمل ظاهره الاختيار طبعا ولكنهم مدفوعون بقوة مسيطرة عليهم أشبه بالغريزة أو الوحي.
وقد أجاب الله إبراهيم إلى دعائه، فألهم الناس الحج في آلاف السنين وإلى ما شاء الله، لا في مدى حياته فحسب، وفي هذا إظهار لقدرة الخالق وصدق وعده اه.
لعلهم يشكرون أي رجاء أن يشكروا تلك النعمة بإقامة الصلاة وأداء واجبات العبودية.
وفي هذا إيماء إلى أن تحصيل منافع الدنيا إنما هو ليستعان بها على أداء العبادات وتحصيل الطاعات، وفي دعائه عليه السلام مراعاة للأدب والمحافظة على الضراعة وعرض الحاجة واجتلاب الرأفة، ومن ثم من الله عليه بالقبول وإعطاء المسؤول، ولا بدع في ذلك فهو خليل الرحمان وأبو الأنبياء جميعا.
تفسير المراغي
المراغي