وما فيها من الاجرام العلوية وَالْأَرْضَ وما فيها من انواع المخلوقات وقدم السماوات لانها بمنزلة الذكر من الأنثى وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ اى من السحاب فان كل ما علاك سماء او من الفلك فان المطر منه يبتدئ الى السحاب ومنه الى الأرض على ما دلت عليه ظواهر النصوص يقول الفقير هو الأرجح عندى لان الله تعالى زاد بيان نعمه على عباده فبين اولا خلق السماوات والأرض ثم أشار الى ما فيها من كليات المنافع لكنه قدم واخر كتأخير تسخير الشمس والقمر ليدل على ان كلا من هذه النعم نعمة على حدة ولو أريد السحاب لم يوجد التقابل التام وأياما كان فمن ابتدائية ماءً اى نوعا منه وهو المطر فَأَخْرَجَ بِهِ اى بسبب ذلك الماء الذي أودع فيه القوة الفاعلية كما انه أودع فى الأرض القوة القابلية مِنَ الثَّمَراتِ من انواع الثمرات رِزْقاً لَكُمْ تعيشون به وهو بمعنى المرزوق شامل للمطعوم والملبوس مفعول لاخرج ومن للتبيين حال منه ولكم صفة كقولك أنفقت من الدراهم الفا او للتبعيض بدليل قوله تعالى فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ كأنه قيل انزل من السماء بعض الماء فاخرج به بعض الثمرات ليكون بعض رزقكم إذ لم ينزل من السماء كل الماء ولا اخرج بالمطر كل الثمار ولاجل كل الرزق ثمر او كان أحب الفواكه الى نبينا عليه السلام الرطب والبطيخ وكان يأكل البطيخ بالرطب ويقول (يكسر حر هذا ببرد هذا وبرد هذا بحر هذا) فان الرطب حار رطب والبطيخ بارد رطب كما فى شرح المصابيح وفى الحديث (من تصبح بسبع تمرات عجوة لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر) قوله تصبح اى أكل وقت الصباح قبل ان يأكل شيأ آخر وعجوة عطف بيان لسبع تمرات وهى ضرب من أجود التمر فى المدينة يضرب الى السواد يحتمل ان يكون هذه الخاصية فى ذلك النوع من التمر ويحتمل ان يكون بدعائه له حين قالوا احرق بطوننا تمر المدينة وفى الحديث (كلوا التمر على الريق فانه يقتل الديدان فى البطن) وكان عليه السلام يأخذ عنقود العنب بيده اليسرى ويتناول حبة حبة بيده اليمنى كذا فى الطب النبوي وفى البطيخ والرمان قطرة من ماء الجنة وروى عن على كلوا الرمان فليس منه حبة تقع فى المعدة الا أنارت القلب وأخرست الشيطان أربعين يوما وقال جعفر بن محمد ريح الملائكة ريح الورد وريح الأنبياء ريح السفر جل وريح الحور ريح الآس وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ بان أقدركم على صنعتها واستعمالها بما ألهمكم كيفية ذلك لِتَجْرِيَ اى الفلك لانه جمع فلك فِي الْبَحْرِ [در دريا] بِأَمْرِهِ بإرادته الى حيث توجهتم وانطوى فى تسخير الفلك تسخير البخار وتسخير الرياح قال فى شرح حزب البحر قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه لعمرو بن العاص صف لى البحر فقال يا امير المؤمنين مخلوق عظيم يركبه خلق ضعيف دود على عود وفى أنوار المشارق يجوز ركوب البحر للرجال والنساء عند غلبة السلامة كذا قال الجمهور. وكره ركوبه للنساء لان الستر فيه لا يمكنهن غالبا ولا غض البصر عن المتصرفين فيه ولا يؤمن انكشاف عوراتهن فى تصرفهن لا سيما فيما صغر من السفن مع ضرورتهن الى قضاء الحاجة بحضرة الرجال وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ اى المياه العظيمة الجارية فى الأنهار العظام وتسخيرها جعلها معدة لانتفاع الناس حيث يتخذون منها جداول يسقون بها زروعهم وجنانهم وما أشبه
صفحة رقم 421
من تبعيضية فالكلام على التشبيه اى كبعضى فى عدم الانفكاك عنى وكذلك قوله (من غشنا فليس منا) اى ليس بعض المؤمنين على ان الغش ليس من أفعالهم واوصافهم وَمَنْ عَصانِي اى لم يتبعنى فانه فى مقابلة تبعني كتفسير الكفر فى مقابلة الشكر بترك الشكر فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ قادر على ان تغفر له وترحمه ابتداء وبعد توبته وفيه دليل على ان كل ذنب فلله تعالى ان يغفره حتى الشرك الا ان الوعيد فرق بينه وبين غيره فالشرك لا يغفر بدليل السمع وهو قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وان جاز غفرانه عقلا فان العقاب حقه تعالى فيحسن إسقاطه مع ان فيه نفعا للعبد من غير ضرر لاحد وهو مذهب الأشعري وفى التأويلات النجمية قد حفظ الأدب فيما قال ومن عصانى وما قال ومن عصاك لانه بعصيان الله لا يستحق المغفرة والرحمة والاشارة فيه ان من عصانى لعلى لا اغفر له ولا ارحم عليه فان المكافاة فى الطبيعة واجبة ولكن من عصانى فتغفر له وترحم عليه فيكون من غاية كرمك وعواطف إحسانك فانك غفور رحيم وفى الحديث (ينادى مناد من تحت العرش يوم القيامة يا امة محمد امّا ما كان لى من قبلكم فقد وهبت لكم) [يعنى كناهى كه در ميان من وشماست بخشيدم] (وبقيت التبعات فتواهبوها وادخلوا الجنة برحمتي) والتبعات جمع تبعة بكسر الباء ما اتبع به من الحق وذكر ان يحيى بن معاذ الرازي رحمه الله قال الهى ان كان ثوابك للمطيعين فرحمتك للمذنبين انى وان كنت لست بمطيع فارجو ثوابك وانا من المذنبين فارجو رحمتك
| نصيب ماست بهشت اى خدا شناس برو | كه مستحق كرامت كناهكارانند |
| آنكه ترا كوهر كنجينه ساخت | كعبه جان در حرم سينه ساخت |
البيت المحرم وتخصيص الصلاة بالذكر من بين سائر شعائر الدين لفضلها ولان بيت الله لا يسعه الا الصلاة وما فى معناها وهى الأصل فى إصلاح النفس وكان قريش يمتنعون عن ذلك لزيادة كبرهم فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ جمع فؤاد وهى القلوب ومن للتبعيض تَهْوِي إِلَيْهِمْ تسرع إليهم شوفا وتطير نحوهم محبة يقال هوى يهوى من باب ضرب هويا وهويا سقط من علو الى سفل سرعة. وايضا صعد وارتفع كما فى كتب اللغة واما ما يكون من باب علم فهو بمعنى أحب يقال هويه هوى فهو هو أحبه وتعديته بالى التضمنه معنى الشوق والنزوع. والمعنى بالفارسية [پس نكردان دلهاى بعضى از مردمان را كه بكشش محبت بشتابند بسوى ايشان] اى إسماعيل وذريته وهم المؤمنون ولو قال فائدة الناس بدون من التبعيضية لازدحمت عليهم فارس والروم والترك والهند
| آنرا كه چنان جمال باشد | كر دل ببرد حلال باشد |
| وآنكس كه بر آنچنان جمالى | عاشق نشود وبال باشد |
| رو بحرم نه كه بران خوش حريم | هست سيه بوش نكارى مقيم |
| قبله خوبان عرب روى او | سجده شوخان عجم سوى او |
قوله بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ [مراد موضع خانه ضراح است كه در زمان آدم بوده واگر نه بوقت دعاء ابراهيم خانه نبوده] والضراح كغراب البيت المعمور فى السماء الرابعة كما فى القاموس ويؤيد هذا ما روى ان ابراهيم عليه السلام كان يسكن فى ارض الشام وكانت لزوجته سارة جارية اسمها هاجر فوهبتها من ابراهيم فلما ولدت له إسماعيل غارت سارة وحلفته ان يخرجهما من ارض الشام الى موضع ليس فيه ماء ولا عمارة فتأمل ابراهيم فى ذلك كما قال الكاشفى [خليل متأمل شد وجبرائيل وحي آورد كه هر چهـ ساره ميكويد چنان كن پس ابراهيم ببراقى نشسته وهاجر وإسماعيل را سوار كرده باندك زمانى از شام بزمين حرم آمد] فلما أخرجهما الى ارض مكة جاء بها وبابنها وهى ترضعه حتى وضعها عند البيت عند دوحة فوق زمزم فى أعلى المسجد ولم يكن بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء ووضع عندها جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء ثم عاد متوجها الى الشام فتبعته أم إسماعيل وجعلت تقول له الى من تكلنا فى هذا البلقع وهو لا يرد عليها جوابا حتى قالت آلله أمرك بهذا بان تسكننى وولدي فى هذا البلقع فقال ابراهيم نعم قالت إذا لا يضيعنا فرضيت ورجعت الى ابنها ومضى ابراهيم حتى إذا استوى على ثنية كداء وهو كسماء جبل بأعلى مكة اقبل على الوادي اى استقبل بوجهه نحو البيت ورفع يديه فقال رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ الآية وجعلت أم إسماعيل ترضعه وتأكل التمر وتشرب الماء فنفد التمر والماء فعطشت هى وابنها فجعل يتلبط فذهبت عنه لئلا تراه على تلك الحالة فصعدت الصفا تنظر لترى أحدا فلم تر ثم نزلت أسفل الوادي ورفعت طرف درعها ثم سعت سعى الإنسان المجهود حتى أتت المروة وقامت عليها ونظرت لترى أحدا فلم تر فعلت ذلك سبع مرات فلذلك سعى الناس بينهما بعد الطواف سبع مرات فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فاذا هى بالملك عند موضع زمزم فبحث اى حفر بجناحه حتى ظهر الماء قال الكاشفى [چشمه زمزم بر كف جبريل يا بأثر قدم إسماعيل پديد آمد] فجعلت تحوضه بيدها وتغرف من الماء لسقائها وهو يفور بعد ما تغرف قال ﷺ (رحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم) او قال (لو لم تغرف من الماء لكانت عينا معينا) اى جارية ظاهرة على وجه الأرض فشربت
وأرضعت ولدها فقال الملك لا تخافوا الضيعة فان هاهنا بيت الله يبنيه هذا الغلام وأبوه وان الله لا يضيغ اهله كما فى تفسير الشيخ قال فى الإرشاد وأول آثار هذه الدعوة ما روى انه مرت رفقة من جرهم تريد الشام وهم قبيلة من اليمن فرأوا الطير تحوم على الجبل فقالوا لا طير الا على الماء فقصدوا إسماعيل وهاجر فرأوهما وعندهما عين ماء فقالوا اشركينا فى مائك نشركك فى ألباننا ففعلت وكانوا معها الى ان شب إسماعيل وماتت هاجر فتزوج إسماعيل منهم كما هو المشهور قال الكاشفى [قبيله جرهم آنجا داعيه اقامت نمودند وروز بروز شوق مردم بران جانب در تزايدست وفى التأويلات النجمية قوله إِنِّي أَسْكَنْتُ الآية يشير الى محمد ﷺ فانه كان من ذريته وكان فى صلب إسماعيل فتوسل بمحمد ﷺ الى الله تعالى فى اعانة هاجر وإسماعيل يعنى ان ضيعت إسماعيل ليهلك فقد ضيعت محمدا وأهلكته
روح البيان
إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي , المولى أبو الفداء