ﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜ

ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك ما قاله إبراهيم عليه السلام :
ربنا إني أسكنت من ذُريتي بوادٍ غير ذي زرع عند بيتك المُحرَّم١ ربنا ليُقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون٣٧
ونفهم من التعبير في هذه الآية أن المكان لا يصلح للزرع ؛ ذلك أنه أرض صخرية، وليست أرضا يمكن استصلاحها، وقول إبراهيم –عليه السلام- :
غير ذي زرع.. ٣٧ ( إبراهيم ).
أي : لا أمل في زراعتها بمجهود إنساني، وليس أمام تواجد الرزق في هذا المكان إلا العطاء الرباني. ولم يكن اختيار المكان نتيجة بحث من إبراهيم عليه السلام ؛ ولكن بتكليف إلهيّ، فسبحانه هو الذي أمر بإقامة القواعد من البيت الحرام، وهو مكان من اختيار الله، وليس من اختيار إبراهيم عليه السلام.
وحين يقول إبراهيم عليه السلام :
عند بيتك المُحرّم.. ٣٧ ( إبراهيم ).
فهذا يعني حيثية الرّضا بالتكليف، ومادام هذا أمرا تكليفيا يجب أن يُنفّذ بعشق، فهو يأخذ ثوابين اثنين، ثواب حب التكليف، وثواب القيام بالتكليف.
ولنا المثل في حكاية الرجل الذي قابله الأصمعي٢ عند البيت الحرام، وكان يقول :( اللهم، إني قد عصيتك، ولكني أحب من يطيعك، فاجعلها قُربة لي ). فقال الأصمعي ما يعني أن الله لا بد أن يغفر لهذا الرجل لِحُسن مسألته، ذلك أنه رجل قد فرح بحب التكليف ولو لم يقم به هو، بل يقوم به غيره وهذا يُسعده.
فالتكليف عندما يقوم به أيّ إنسان، فذلك أمر في صالح كل البشر، وكلنا نقول حين نُصلي ونقرأ الفاتحة :
إياك نعبد وإياك نستعين ٥ ( الفاتحة ).
أي : أن كلا منا يحشر نفسه في زمرة العابدين ؛ لعل الله يتقبّل من واحد فندخل كلنا في صفقة، ولذلك أقول لمن يرتكب معصية : عليك ألا تغضب، لأن هناك من يطيع الله، بل افرح به، لأن فرحك بالمطيع لله، دليل على أنك تحب التكليف، رغم أنك لا تقدر على نفسك، وفي هذا الحُبّ كرامة لك.
وقد قال إبراهيم –عليه السلام- عن الوادي الذي أمره الحق سبحانه أن يقيم فيه القواعد للبيت الحرام أنه واد غير ذي زرع، وقد جاء هو إلى هذا المكان ليُنفّذ تكليف الحق سبحانه له، لدرجة أن زوجته هاجر علمت أن الاستقرار في هذا المكان هو بتكليف من الله قالت :( إذن لن يضيعنا )٣.
ويُقدّم إبراهيم عليه السلام حيثيات الإقامة في هذا المكان، وأسباب إقامته للقواعد كما أراد الله، فيقول :
فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم.. ٣٧ ( إبراهيم ).
أي : أن مجيء الناس إلى هذا المكان لن يكون شهوة سياحة، ولكن إقامة عباده ؛ فما دام المكان قد أُقيم فيه بيت لله باختيار الله، فلا بد أن يُعبد فيه سبحانه.
وهكذا تتضح تماما حيثيات أخذ الأمر بالوجود في مكان ليس فيه من أسباب الحياة ولا مقوّماتها شيء، ولكن الحق سبحانه قد أمر بذلك، فلابد للمقيم للصلاة من إقامة حياة، والمُقوّم الأول للحياة هو المأكل والمشرب.
ولذلك دعا إبراهيم عليه السلام :
فجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم.. ٣٧ ( إبراهيم ).
والأفئدة جمع ( فؤاد ) وتُطلق على الطائفة، وعلاقة الفؤاد بالحجيج علاقة قوية، لأن الهوى في الحجيج هوى قلوب، لا جيوب. وأنت تجد الإنسان يجمع النقود الخاصة بالحج، وقد يحرم نفسه من أشياء كثيرة من أجل أن يحظى بأداء تلك الفريضة٤.
وكلمة ( هوى ) مُكوّنة من مادة ( الهاء ) و ( الواو ) و( الياء ) ولها معان متعددة، فلك أن تقول ( هَوَى ) أو تقول ( هَوِي )، فإن قلت ( هَوَى يهوي ) من السقوط من مكان عال ؛ دون إرادة منه في السقوط، وكأنه مقهور عليه، وإن قلت :( هَوِي يهوي ) فهذا يعني أحبّ، وهو نتيجة لميْل القلوب، لا ميل القوالب.
وهنا يقول الحق سبحانه :
فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزُقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ٣٧ ( إبراهيم ).
فهم في مكان لا يمكن زراعته. وقد تقبّل الحق سبحانه دعاء إبراهيم عليه السلام ؛ ووجدنا التطبيق العملي في قوله الحق :
أو لم نُمكّن لهم حَرَما آمنا يُجبى٥ إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدُنّا.. ٥٧ ( القصص ).
وذلك قبل أن يوجد بترول أو غير ذلك من الثروات. وكلمة ( يُجبى ) تدل على أن الأمر في هذا الرزق القادم من الله كأنه جِباية، وأمر مفروض، فتكون في الطائف مثلا وفيها من الرمان والعنب وتحاول أن تشتريه، فتجد من يقول لك : إن هذا يخص مكة المكرمة، إن أردت منه فاذهب إلى هناك.
وتجد في كلمة :
ثمرات كل شيء.. ٥٧ ( القصص ).
ما يثير العجب والدهشة، فأنت في مكة تجد بالفعل ثمرات كل شيء من زراعة أو صناعة ؛ ففيها ثمرات الفصول الأربعة قادمة من كل البلاد، نتيجة أن كل البيئات تُصدّر بعضا من إنتاجها إلى مكة.
وفي عصرنا الحالي نجد ثمرات النموّ الحضاري والعقول المُفكّرة وهي معروضة في سوق مكة أو جدة، بل تجد ثمرات التخطيط والإمكانات وقد تمّت ترجمتُها إلى واقع ملموس في كل أوجه الحياة هناك.
وقديما عندما كنا نؤدي فريضة الحج ؛ كنا نأخذ معنا إبرة الخيط، ومِلح الطعام، ومن بعد أن توحّدت غالبية أرض الجزيرة تحت حكم آل سعود واكتشاف البترول ؛ صِرنا نذهب إلى هناك، ونأتي بكماليات الحياة.
ولنلحظ قول الحق سبحانه :
فجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم.. ٣٧ ( إبراهيم ).
فكلمة ( من ) تُوضّح أن من تهوي قلوبهم إلى المكان هم قطعة من أفئدة الناس، وقال بعض من العارفين بالله٦ : لو أن النص قد جاء ( فاجعل أفئدة الناس تهوي إليهم ) لوجدنا أبناء الديانات الأخرى قد دخلت أيضا في الحجيج، ومن رحمة الله سبحانه أن جاء النص :
فاجعل أفئدة من لناس تهوي إليهم.. ٣٧ ( إبراهيم ).
فاقتصر الحجيج على المسلمين.

١ قال القرطبي في تفسيره (٥/٣٧٠٩): (قوله تعالى: عند بيتك المحرّم.. ٣٧ (إبراهيم) يدل على أن البيت كان قديما على ما روى قبل الطوفان، وأضاف البيت إليه لأنه لا يملكه غيره، ووصفه بأنه محرم أي: يحرم فيه ما يستباح في غيره من جماع واستحلال، وقيل: محرم على الجبابرة، وأن تُنتهك حرمته، ويستخفّ بحقه)..
٢ هو: عبد الملك بن قريب الباهلي، أبو سعيد، ولد بالبصرة (١٢٢هـ)، رواية العرب، وأحد أئمة العلم باللغة والشعر والبلدان، كان مثير التطواف في البوادي. توفي بالبصرة (٢١٦هـ) عن ٩٤ عاما. [الأعلام للزركلي ٤/١٦٢]..
٣ وذلك أن إبراهيم عليه السلام أتى بهاجر وابنه الرضيع إسماعيل إلى مكة. التي لم يكن فيها أحد وليس بها ماء، فوضعها هنالك، ووضع عندها جرابا فيه تمر، وسقاء فيه ماء، ثم تركهما وذهب، فقالت هاجر: يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء، قالت له ذلك مرارا وجعل لا يلتفت إليها. فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذا لا يُضيّعها. ذكره القرطبي في تفسيره (٥/٣٧٠٧)..
٤ قال ابن عباس ومجاهد: لو قال: (أفئدة الناس) لازدحمت عليه فارس والروم والترك والهند واليهود والنصارى والمجوس، ولكن قال: (من الناس) فهم المسلمون. ذكره القرطبي في تفسيره (٥/٣٧١١)، والسيوطي في (الدر المنثور) (٥/٤٨)..
٥ جبا يجبى المال والخراج جباية: جمعه. قال تعالى: يُجبى إليه ثمرات كل شيء.. ٥٧ (القصص) تجمع إلى الحرام المكي وتُساق إليه ثمرات وخيرات كثيرة. [القاموس القويم ١/١١٧]..
٦ نقل السيوطي في الدر المنثور (٥/٤٨) عن السدي معزوا لابن أبي حاتم أنه قال في تفسير هذه الآية: (خذ بقلوب الناس إليهم، فإنه حيث يهوي القلب يذهب الجسد، فلذلك ليس من مؤمن إلا وقلبه معلّق بحب الكعبة)..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير