وأشار كتاب الله إلى ذرية إبراهيم التي أسكنها بالبلد الحرام، وما أراد أن تكون عليه هذه الذرية، وما دعا لها به من الدعوات الصالحة دينا ودنيا.
والأمر يتعلق بإسماعيل بن إبراهيم عندما حمله أبوه رضيعا مع أمه هاجر من الشام إلى مكة، وتركهما إبراهيم وديعة في يد الله، بأمر من الله، في نفس البقعة التي سيقام فيها البيت الحرام في البلد الحرام، وذلك قوله تعالى : ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم أي عند المكان الذي سيبنى فيه بيتك ربنا ليقيموا الصلاة، فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون .
والمراد بواد غير ذي زرع مكة، والوادي في لسان العرب ما بين جبلين، وإن لم يكن فيه ماء، وحيث أن مكة لم يكن فيها زرع دعا إبراهيم ربه أن يرزقها من ثمرات البلاد الأخرى، إعانة للعاكفين بها والوافدين إليها على عبادة الله وطاعته وشكره، وقد استجاب الله دعاء إبراهيم الخليل، واستمر البلد الحرام رافلا في حلل النعيم جيلا بعد جيل، وامتنانا من الله تعالى على أهله والوافدين عليه، قال تعالى : أو لم نمكن لهم حرما آمنا تجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا .
وفي تفسير هذه الآية قال جار الله الزمخشري وهو شاهد عيان لما كان عليه البلد الحرام في القرن الخامس الهجري وأوائل القرن الذي يليه : " لا جرم أن الله عز وجل أجاب دعوة إبراهيم، فجعله حرما آمنا تجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنه، ثم فضله، في وجود أصناف الثمار فيه، على كل ريف، وعلى أخصب البلاد وأكثرها ثمارا، وفي أي بلد من بلاد الشرق والغرب ترى الأعجوبة التي يريكها الله بواد غير ذي زرع، وهي اجتماع البواكير والفواكه المختلفة الأزمان، من الربيعية والصيفية والخريفية في يوم واحد، وليس ذلك من آياته بعجيب، متعنا الله بسكنى حرمه، ووفقنا لشكر نعمه ".
وقوله تعالى هنا حكاية عن إبراهيم فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم ، إشارة إلى ما حببه الله إلى المؤمنين من حج بيت الله الحرام، وقدومهم عليه من جميع أطراف العالم كل عام.
قال القاضي أبو بكر ابن العربي عند تفسيره هذه الآية ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع : " لا يجوز لأحد أن يتعلق به في طرح عياله وولده بأرض مضيعة أي مفازة منقطعة اتكالا على العزيز الرحيم، واقتداء بفعل إبراهيم، فإن إبراهيم فعل ذلك بأمر الله، لقولها أي هاجر له في هذا الحديث : آالله أمرك بهذا ؟ قال نعم. ولما كان بأمر منه أراد تأسيس الحال وتمهيد المقام، وخط الموضع للبيت الحرام والبلدة الحرام ".
وقوله : ليقيموا الصلاة خصها من جملة الدين، لفضلها فيه، ومكانتها منه، وهي عهد الله عند العباد، قال النبي صلى الله عليه وسلم :( خمس صلوات كتبهن الله على عباده في اليوم والليلة، فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئا استخفافا بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة ). رواه مسلم في صحيحه.
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري