تفسير المفردات : من زوال : أي من انتقال من دار الدنيا إلى دار أخرى للجزاء.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر عز اسمه أن جزاء من بدلوا نعمة الله كفرا وجعلوا له الأنداد جهنم يصلونها وبئس المهاد، وطلب إلى عباده المؤمنين مجاهدة النفس والهوى وإقامة فرائض الدين – ذكر هنا تسلية لرسوله وتهديدا للظالمين من أهل مكة أن تأخيرهم وتمتعهم بالحظوظ الدنيوية ليس بإهمال للعقوبة ولا لغفلة عن حالهم، وإنما كان لحكمة اقتضت ذلك وهم مرصدون ليوم شديد الهول، له من الأوصاف ما بيّن بعد، وعليك أيها الرسول أن تنذر الناس بقرب حلوله، وأنهم في ذلك اليوم سيطلبون المردّ إلى الدنيا ليجيبوا دعوة الداعي، وهيهات هيهات.
صاح هل ريت أو سمعت براع رد في الصّرع ما قرى في الحلاب
وقد كان لكم معتبر في تلك المساكن التي تسكنونها، فإنها كانت لقوم أمثالكم كفروا بأنعم الله، فأخذهم أخذ عزيز مقتدر.
ألا إن وعد الله لرسله لا يخلف، وهو ناصرهم وخاذل أعدائه، كما قال : إنا لننصر رسلنا [ غافر : ٥١ ] وقال : كتب الله لأغلبن أنا ورسلي [ المجادلة : ٢١ ] ومحاسبهم في يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات، يوم يخرجون من قبورهم للحساب أمام الواحد القهار، وترى حال المجرمين يجلّ عن الوصف.
وهذا الذي قصصته عليكم تبليغ وإنذار، ليتذكر به ذوو العقول الراجحة، وليعلموا أن الله واحد لا شريك له.
ثم ذكر مقالتهم حين يرون هذا الهول وما فيه من العذاب فقال :
وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل أي وخوّف أيها الرسول القوم الظالمين، وازجرهم عما هم عليه من الظلم شفقة بهم – هول يوم العذاب وشدته حين يقولون من الهلع والجزع : ربنا أرجعنا إلى الدنيا، وأمهلنا أمدا قريبا، نجب فيه دعوة الرسل إلى توحيدك، وإخلاص العبادة لك، بعد أن جحدنا ذلك.
ثم رد عليهم مقالتهم بقوله :
أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال أي وحينئذ يقال لهم على سبيل التوبيخ والتقريع : ألم تحلفوا في الدنيا أنكم إذا متم لا تخرجون لبعث ولا حساب كما حكى الله عنهم : وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت [ النحل : ٣٨ ] فذوقوا وبال أمركم.
أخرج البيهقي عن محمد بن كعب القرظي أنه قال : لأهل النار خمس دعوات يجيبهم الله تعالى في أربع منها، فإذا كانت الخامسة لم يتكلموا بعدها أبدا يقولون : ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل [ غافر : ١١ ] فيجيبهم الله عز وجل : ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير [ غافر : ١٢ ] ثم يقولون : ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون [ السجدة : ١٢ ] فيجيبهم جل شأنه : فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا [ السجدة : ١٤ ] الآية، ثم يقولون : ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل فيجيبهم تبارك وتعالى : أو لم تكونوا أقسمتم من قبل الآية، ثم يقولون : ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل [ فاطر : ٣٧ ] فيجيبهم جل جلاله : أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير [ فاطر : ٣٧ ] فيقولون : ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين [ المؤمنون : ١٠٦ ] فيجيبهم جلّ وعلا : اخسئوا فيها ولا تكلمون [ المؤمنون : ١٠٨ ] فلا يتكلمون بعدها إن هو إلا زفير وشهيق وحينئذ ينقطع رجاؤهم ويقبل بعضهم ينبح في وجه بعض وتطبق عليهم جهنم. اللهم إنا نعوذ بك من غضبك، ونلوذ بكنفك من عذابك، نسألك التوفيق للعمل الصالح في يومنا لغدنا، والتقرب إليك بما يرضيك قبل أن يخرج الأمر من يدنا ا. ه.
تفسير المراغي
المراغي