ويتابع الحق سبحانه القول الكريم :
وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم١ وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال ٤٥
والسكون هو الاطمئنان إلى الشيء من عدم الإزعاج، ونعلم أن المرأة في الزواج تعتبر سكنا، والبيت سكن، وهنا يتكلم الحق سبحانه عن مساكن الذين ظلموا أنفسهم، أي : أنكم لم تتعِظوا بالسوابق التي ما كان يجب أن تغيب عنكم، فأنتم تمرون في رحلات الصيف والشتاء على مدائن صالح، وترون آثار الذين ظلموا أنفسهم بالكفر و الشرك، وتمرون على الأحقاف٢، وترون ماذا حاق بقوم عاد.
وكل أولئك نالوا العقاب من الله، سواء بالريح الصرصر٣ العاتية، أو : أنه سبحانه قد أرسل عليهم حاصبا٤ من السماء، أو : أنزل عليهم الصيحة ؛ أو : أغرقهم كآل فرعون، وأخذ كل قوم من هؤلاء بذنبه.
وصدق الله وعده في عذاب الدنيا، فلماذا لم تأخذوا عِبرة من ذلك، وأنه سبحانه وتعالى صادق حين تحدّث عن عذاب الآخرة ؟
وهنا قال الحق سبحانه :
وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم.. ٤٥ ( إبراهيم ).
وفي آية أخرى يقول سبحانه :
وإنكم لتمُرّون عليهم مصبحين ١٣٧ وبالليل أفلا تعقلون ١٣٨ ( الصافات ).
أي : أنكم تمرّون على تلك الأماكن التي أقامها بعض ممن سبقوكم وظلموا أنفسهم بالكفر ؛ وأنزل الحق سبحانه عليهم العقاب، ولذلك يقول في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها :
وتبيّن لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال ٤٥
( إبراهيم ).
نعم ؛ فحين تمشي في أرض قوم عاد، وترى حضارتهم التي قال عنها الحق سبحانه :
إرم٥ ذات العماد ٧ التي لم يُخلق مثلها في البلاد ٨
( الفجر ).
وهي حضارة لم نكتشف آثارها بعد ؛ وما زالت في المطمورات، وكل مطمور في الأرض بفعل من غضب السماء، تضع السماء ميعاد كشف له ليتعظ أهل الأرض ؛ ويحدث هذا الكشف كلما زاد الإلحاد واستشرى.
قد حدث أن اكتشفنا حضارة ثمود، وكذلك حضارة الفراعنة، وهي الحضارة التي سبقت كل الحضارات في العلوم والتكنولوجيا، ورغم ذلك لم يعرف أصحاب تلك الحضارة أن يصونوها من الاندثار الذي شاءه الله.
وما زال الناس يتساءلون : لماذا لم يترك المصريون القدماء خبرتهم الحضارية مكتوبة ومُسجّلة في خطوات يمكن أن تفهمها البشرية من بعد ذلك ؟
وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبيّن لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال ٤٥ ( إبراهيم ).
أي : أن الحق سبحانه يوضح هنا أن مشيئته في إنزال العقاب قد وَضُحت أمام الذين عاصروا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم في مساكن الأقوام التي سبقتهم، وكفروا برسالات الرسل، وسبق أن ضرب لهم الحق سبحانه الأمثال بهؤلاء القوم وبما حدث لهم. والمَثل إنما يضربه الله ليُقرّب بالشيء الحسي ما يقرّب إلى الأذهان الشيء المعنوي.
٢ الأحقاف: منازل قوم عاد بظاهر بلاد اليمن. والحقف من الرمل: المتعرج أو المستطيل أو المستدير من الرمل. [القاموس القويم ١/١٦٣] بزيادة..
٣ الريح الصرصر: الشديدة البرد. وقيل: الشديدة الصوت. [لسان العرب - مادة: صرر]..
٤ حصبه: قذفه بالحصى. والحاصب: إعصار شديد يقذفكم بالحصى فيهلككم. [القاموس القويم ١/١٥٦]..
٥ إرم: اسم قبيلة منها عاد -وقيل هي مدينة كبيرة لهم- وزعم الكندي في كتابه فضائل مصر: أنها مدينة الإسكندرية. وقوله: (ذات العماد) يدل على أنها ذات حضارة ومبان عالية. [القاموس القويم ١/١٨]..
تفسير الشعراوي
الشعراوي